فيتنام عربية في جنوب لبنان،بقلم: يوسف الشريف

منذ الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام1982, والمقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله تؤكد يوما بعد يوم على مصداقية معادلة (ما اخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة), كونها الخيار الوحيد والآلية الفاعلة القادرة على تسليم اسرائيل بالحقوق العربية المشروعة واسترداد الاراضي العربية المغتصبة , وهي رسالة ذات معنى ودلالة الى كل اليائسين والخانعين في الوطن العربي الذين استمروا في دفن رؤوسهم بالرمال, بديلا عن النضال والتحشد لمواجهة الفواجع والأخطار المدلهمة بالوطن العربي من كل حدب وصوب, على حد قصيدة مأساوية شهيرة للكاتب الصحفي المصري الراحل اسماعيل الجروك يقول فيها: سأنام حتى لا ارى وطني يباع ويشترى وهكذا على مدى خمسة عشر عاما استطاعت المقاومة اللبنانية تكبيد العدو الاسرائيلي زهاء 1950 قتيلا بين ضابط وجندي غير آلاف الجرحى والمعوقين, عبر 7700 عملية عسكرية على اتساع 8500 كيلو متر وهي مساحة الاراضي التي يحتلها في جنوب لبنان والبقاع الغربي, ورغم ان القوات الاسرائيلية لم تتوقف ليلا ونهارا عن قصف المدنيين اللبنانيين تباعا برا وجوا وبحرا, اضافة الى مجازر الابادة الجماعية التي ارتكبتها اسرائيل في بيروت وصبرا وشاتيلا وقانا وراح ضحيتها 300 ألف شهيد, الا ان المقاومة اللبنانية لم تتوقف ولم تهادن اسرائيل! حتى حين تكالبت الضغوط الدولية على لبنان لوقف نشاط المقاومة, كان ما يسمى باتفاق (الكاتيوشا) الذي قنن لشرعية نشاطها داخل الحدود اللبنانية, وامتداد هذه الشرعية الى داخل اسرائيل في حالة اعتداء القوات الاسرائيلية على المدنيين اللبنانيين في الجنوب, ولولا اعتراف النظام اللبناني بشرعية المقاومة باعتبارها حركة تحرير وطني من الاحتلال الاسرائيلي, انطلاقا من قرار مجلس الامن رقم 425 الذي يلزم اسرائيل بالانسحاب من الجنوب, لما كان بوسعها العمل بحرية دون تناقض او خلاف مع الجيش والاجهزة الامنية اللبنانية, ولما تمكنت من تطوير اساليبها النضالية المسلحة, وكسب التأييد والدعم المادي داخليا وعربيا واسلاميا وخاصة من ايران. وعلينا اذن المقارنة بين وضع المقاومة اللبنانية, وبين وضع المقاومة الفلسطينية بعدما اخمدت اتفاقية اوسلو جذوتها النضالية, وكبحت جماح انتفاضتها الشعبية. ثم كانت الكارثة في اتفاق (واي بلانتيشن) التي سحبت البساط الشرعية من تحت اقدام المقاومة الفلسطينية, واثارت التناقض بين نشاطاتها النضالية وبين دور ومهام الاجهزة الامنية الفلسطينية التي شرعت بشل حركتها وسحب اسلحتها واعتقال قادتها, وكأنه لايكفي اكثر من 2000 مناضل فلسطيني يواجهون الموت والتعذيب في سجون اسرائيل منذ سنوات طويلة! الآن يجدر باليائسين العرب ان يرفعوا رؤوسهم من الرمال, لعلهم يدركون النتائج الايجابية والدروس النضالية المستفادة من مسيرة المقاومة اللبنانية, فها هي اسرائيل تتمنى على لبنان ان يتيح لها فرصة الانسحاب من مستنقع الجنوب مقابل انتشار الجيش اللبناني على حدودها لحماية مستوطناتها الشمالية من ويلات صواريخ الكاتيوشا, بينما يصر لبنان على انسحاب اسرائيل بدون اتفاق ولا قيد او شرط! ومما لاشك فيه ان صمود المقاومة اللبنانية انما هو التجسيد الحي الراهن لاسطورة حرب المليون شهيد التي اجبرت فرنسا على الرحيل من الجزائر, واسطورة الفيتناميين في مواجهة اعتى قوة في التاريخ مدججة بأحدث تكنولوجيا عسكرية في العالم, فكانت ثورة المجتمع الامريكي ضد حكومته احتجاجا على خسائر القوات الامريكية الفادحة وانسحابها من فيتنام تجر اذيال الهزيمة والمهانة! والشاهد ان المقاومة اللبنانية قليلة العدد ومتواضعة الامكانيات نجحت بكل المقاييس في قهر جيش الدفاع الذي روجت اسرائيل لاستحالة قهره, رغم ان تعداده في حالة تعبئة القوات الاحتياطية ليفوق نصف مليون جندي, فضلا عن جيش لبنان العميل بزعامة العماد انطوان لحد, والدليل على ذلك ماثل في تصريحات قادة اسرائيل واجهزة اعلامها, ازاء الاجماع الرسمي والشعبي العام حول ضرورة الانسحاب من جنوب لبنان, وفي المقدمة ارييل شارون زعيم الصقور الذي اخذ على عاتقه قيادة عملية اجتياح بيروت واحتلال الشريط الحدودي في جنوب لبنان, كمنطقة واقية لاسرائيل من غارات المقاومة, وهذا الرعب الذي يسود معنويات الجيش الاسرائيلي من مخاطر المواجهة مع المقاومة اللبنانية, ومحاكمة مئات الضباط والجنود الفارين من الحرب في الجنوب اللبناني وانتحار غيرهم, بل ان ايهود باراك زعيم حزب العمل اضطر الى ارتداء بلوزة وجوتله وباروكه عندما كان رئيسا للاركان خلال قيادته احدى العمليات الارهابية ضد المدنيين في جنوب لبنان على حد الرواية التي نشرتها الصحف الاسرائيلية؟ ولعل اكثر ما يثير قلق القيادة الاسرائيلية الآن يكمن في فشل اسلوب التمشيط اليومي لمواقع حزب الله, وفشل تقنيات الدفاع الحديثة بما فيها اشعة الليزر والرادارات واجهزة المراقبة الالكترونية في استكشاف عملياته الهجومية المباغتة على المواقع والدوريات الاسرائيلية في الجنوب, وفشلها كذلك في اجهاض عبواته الناسفة المبتكرة قبل اطلاقها, وتصاعد معدلات خسائر القوات الاسرائيلية بنسبة اربعة قتلى كل 48 ساعة مؤخرا, مما ادى الى قطع بنيامين نتانياهو جولته الاوروبية والعودة سريعا الى القدس, وتدارس الكارثة في الاجتماع المصغر الذي عقدته الحكومة وحضره رئيس جهازي الموساد والشين بيت, ثم القاء اللوم على لبنان وسوريا وتحميلهما مسؤولية تصعيد حزب الله عملياته العسكرية ضد القوات الاسرائيلية في الجنوب, خاصة بعد تأكيد العماد اميل لحود في اول خطاب له بعد اختياره رئيسا للبنان على مشروعية المقاومة اللبنانية وعلى حتميات التحالف الاستراتيجي بين لبنان وسوريا! وهكذا لاول مرة منذ قيام الدول العبرية يدرك قادتها صعوبة تنفيذ مرحلة التوسع في مشروع اسرائيل الكبرى صوب لبنان, وتخرج المظاهرات الشعبية العارمة في كل ربوعها وهي ترفع اللافتات التي تحمل الشعارات التي تطالب الحكومة بالانسحاب من لبنان (ابناؤنا في جنوب لبنان يذبحون كالبط في المطابخ) و(لا تقتلوا ابناءنا في لبنان) , في الوقت الذي خرجت المظاهرات الشعبية المماثلة في منطقة السلطة الفلسطينية تطالب بالافراج عن المناضلين في سجون اسرائيل و... تلك هي مشاهد الاستقبال التي تنتظر زيارة الرئيس بيل كلينتون لغزة والقدس, ولعله يدرك فداحة الجريمة التي ارتكبتها امريكا عبر حماية اسرائيل وتبرير توسعها الاستيطاني ومجازرها ضد العرب, وانه لا يصح الا الصحيح عبر احلال السلام الدائم والعادل والشامل!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات