مستقبل مجلس التعاون بعد قمة أبوظبي، بقلم: د. عبدالخالق عبدالله

قبل 17 سنة كانت معظم التوقعات تشير الى ان مجلس التعاون, وكغيره من التجارب الاندماجية العربية المعاصرة الاخرى لن يستمر طويلا وانه قد ولد ليموت, لكن هذا المجلس لم يستمر فحسب بل انه انتعش وتمكن من تجاوز العديد من المخاطر والتحديات الداخلية والخارجية واصبح له الآن حضور اقليمي وربما عالمي واضح والذي ازداد وضوحا من خلال قمة ابوظبي. احيانا وببعض الانتكاسات احيانا اخرى. لكن بقدر ما فإن كل المعطيات تشير الى ان المجلس سيستمر, فإن هذا الاستمرار لن يكون سوى بنفس النهج البطىء الراهن, فالمجلس لن يتفكك لكنه ايضا لن يحقق الاندماج الاقتصادي او السياسي السريع, فمن ناحية اولى لن يحدث للمجلس خلال السنوات الخمس المقبلة اية انتكاسة حادة غير متوقعة, كترك دولة من الدول الاعضاء للمجلس او التراجع عما تحقق حتى الآن على صعيد الحد الادنى من التنسيق العام في السياسات والمواقف, من ناحية اخرى لن يشهد المجلس خلال السنوات الخمس المقبلة اي تقدم ملموس على صعيد تحقيق خطوات اندماجية باهرة او قيام نظام فيدرالي او كنفدرالي خليجي. ان السنوات القليلة المقبلة ستكون في مجملها تكراراً لما شهده المجلس خلال الـ 17 سنة الماضية, اي التأرجح بين فترات من النجاح وفترات اخرى من التعثر, لذلك فان المشهد المتوقع بعد 5 سنوات هو مكانك راوح دون اي تقدم ملموس او تراجع ملحوظ, وستبقى لقاءات القمة السنوية وانتظامها والزخم الاعلامي الذي يصاحبها ابرز نجاحات المجلس, وهناك على الاقل ثلاثة اسباب تبرر هذا الاعتقاد. هذه الاسباب هي: اولا: ان تجربة مجلس التعاون تخضع لنفس القانون العام الذي يحكم التجارب التعاونية والاندماجية الاخرى: كل التجارب التعاونية والاندماجية في العالم بما في ذلك مجلس التعاون هي عموما تجارب معقدة وتتسم بالبطء الشديد وتتضمن الكثير من التعثرات والاحباطات والقليل من الانجازات والنجاحات في المراحل التأسيسية الاولى, والحقيقة ان معظم التجارب الاندماجية تنتهي بالفشل او تعاني من التعثر, القاعدة بالنسبة للتجارب الاندماجية هي الفشل وعدم الاستمرار والاستثناء هو النجاح, قليلة هي التجارب الاندماجية الناجحة وكثيرة هي التجارب الاندماجية المتعثرة والتي عانت من الفشل, وفي العموم وفي حال الاستمرار كما هو بالنسبة لمجلس التعاون فإن المسيرة التعاونية والاندماجية دائما ما تتأرجح بيت التقدم خطوة والتراجع خطوات. ان هذا التأرجح بين التقدم والتراجع يعود في جزء اساسي منه الى التناقض الحاد بين متطلبات الاندماج من ناحية ومتطلبات السيادة الوطنية من ناحية ثانية, التعاون يتطلب كشرط من شروطه التنازل عن بعض من مظاهر السيادة للكيان الاقليمي الجديد في الوقت الذي تحرص كل دول العالم على التمسك بكل مظاهر السيادة وعدم الرغبة في التفريط في اي منها. ان دول العالم حريصة على التعاون فيما بينها بيد انها اكثر حرصا على استقلاليتها وسيادتها المطلقة في الداخل والخارج. هذه الرغبات المتناقضة هي المسؤولة عن معظم فترات التقدم وكل حالات التراجع في التجارب الاندماجية بين الدول في العالم بما في ذلك تجربة مجلس التعاون الخليجي. ثانيا: ان تجربة مجلس التعاون وربما اكثر من العديد من التجارب التعاونية والاندماجية الاخرى تعاني من ضعف بنيوي متمثل في عدم وضوح هوية وماهية المجلس. كانت هوية المجلس غامضة عند التأسيس ومازالت غامضة الى اليوم. اهداف المجلس كانت غير واضحة عند الولادة وهي اليوم وبعد مرور 17 سنة اقل وضوحا, فكرة المجلس واهدافه لم تناقش ولم تستوعب كل الاستيعاب عند التأسيس للمجلس ومازال المجلس يعاني من تحديد هويته وماهيته وحقيقته. هذا الغموض اثر سلبا على مسيرة مجلس التعاون ولا شك انه اذا لم يحسم سيؤثر على مستقبله, لقد جاءت ولادة هذا المجلس ولادة سريعة واستثنائية وكرد فعل لظروف طارئة وغير عادية. ومازال المجلس مشدودا الى تلك الظروف الاستثنائية التي جعلت المجلس بمثابة اللغز الذي يزداد غموضا يوما بعد يوم, فمن ناحية رغبت بعض الدول الاعضاء في ان يكون المجلس في الاساس بداية لمشروع اندماج اقتصادي يقوم على خلق سوق خليجية مشتركة وذلك على غرار مشروع السوق الاوروبية المشتركة. من ناحية ثانية رغبت دول اخرى ان يكون المجلس في الاساس بمثابة حلف عسكري يقوم على اساس بناء نظام امني وعسكري رسمي ومتكامل وذلك على نسق حلف شمال الاطلسي وبدعم من الدول الكبرى الصديقة لمواجهة مخاطر اقليمية ودولية محددة. من ناحية رغبت دول اخرى ان يكون المجلس بمثابة اطار للعمل الدبلوماسي المرن وجهازا للتعاون السياسي والتنسيق الامني الذي يهدف الى الحفاظ على بقاء واستمرار الانظمة الحاكمة من التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية دون الالتزام بأي هدف عسكري او اقتصادي محدد ومبرمج زمنيا. لقد انبعث المجلس من وحي هذه التصورات الاقتصادية والعسكرية والسياسية المختلفة والمتناقضة. وحاول المجلس خلال الـ 17 سنة الماضية ان يتقمص هذه التصورات ويجسدها على ارض الواقع, لذلك كان المجلس يتصرف احيانا كمشروع للاندماج الاقتصادي واحيانا يبدو وكأنه حلف عسكري واحيانا أخرى كان المجلس يبدو وكأنه مجرد اطار للتنسيق والتعاون السياسي في المجالات الداخلية والخارجية. لذلك اختلطت الغايات والاهداف ومازال المجلس يعاني من هذا الخلط الذي يؤثر على الاولويات, ان المجلس هو اليوم بمثابة كل شيء لكل الاعضاء. لكن المجلس لم يتطور حتى الآن كمشروع للاندماج الاقتصادي ولم يتحول في أي وقت من الاوقات كحلف عسكري ونادرا ما كان يتصرف كجهة منسقة للسياسة الداخلية والخارجية في ظل اصرار دوله على التمسك الشديد بكل مظاهر السيادة والاستقلال في التعامل مع الاحداث الخليجية والعربية والعالمية لذلك وفي ظل عدم تحديد الهوية فان المجلس سيستمر على نفس النهج السابق في التقدم خطوة والتأخير خطوتين. ثالثا: ان الامر المؤكد الوحيد بالنسبة للمجلس هو قدرته على التعامل مع مجموعة من التهديدات الخارجية, فدول المجلس تعاملت بنجاح مع مخاطر الثورة الايرانية وتمكنت من الصمود في وجه التهديدات بتصدير هذه الثورة التي أسست لما عرف بالاسلام الاصولي والثوري, وتعاملت دول المجلس بنجاح مشهود مع التداعيات العنيفة للحرب العراقية الايرانية التي استمرت لحوالي ثماني سنوات, كذلك وقفت دول المجلس معا لمساندة الكويت سياسيا وعسكريا خلال فترة غزو واحتلال العراق للكويت. لقد جاءت هذه النجاحات لتحقق هدفا مهما من اهداف المجلس والمتمثل في التعامل الجماعي مع التهديدات الخارجية. كانت التهديدات الخارجية دائما إحدى أهم الاولويات وكانت هي الشغل الشاغل وبالنسبة للدول الاعضاء خلال الــ 17 سنة الماضية. كما كانت التهديدات الخارجية هي سبب قيام المجلس في المقام الاول وهي اهم عامل من عوامل التماسك الداخلي للمجلس خلال المرحلة السابقة. ورغم ان الظروف الاقليمية غير مستقرة وربما مازالت مهمة. لكن مجلس التعاون يمر الآن بظروف مختلفة كل الاختلاف ومليئة بكل الاحتمالات. ان التحديات الداخلية وليست التهديدات الخارجية هي اليوم إحدى اهم الاولويات بالنسبة للدول الاعضاء. ان ماهو مهم بالنسبة للدول الاعضاء في ظل الظروف الاقليمية والعالمية الجديدة هو التعامل مع الاولويات الداخلية والتركيز على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. ان نجاح او فشل المجلس خلال المرحلة المقبلة يكمن في التعامل مع الداخل وليس مع الخارج. كما ان التحديات المستقبلية هي تحديات داخلية وليست خارجية. بالاضافة الى ذلك اخذت دول المجلس فجأة تظهر رغبة مجددة في تأكيد السيادة والحرص على اظهار الاستقلالية السياسية تجاه القضايا الخارجية بما في ذلك القضايا الخليجية التي لم تعد تحظى بنفس القدر من الاجماع كما كان الامر في السابق. وتبدو دول المجلس اليوم ورغم كل السمات المشتركة والعميقة اكثر تنوعا واقل انسجاما وغير قادرة على اخفاء الخلافات التي هي عميقة ومهمة وتتطلب التفهم والتعامل الموضوعي. هذه الخلافات هي التي تجعل من التعاون عملية صعبة ومعقدة. لم تساهم قمة ابوظبي على الرغم من كل النجاح الاعلامي والمشاركة الدولية المكثفة المتمثلة في كوفي عنان والرئىس نيلسون مانديلا وخطاب جاك شيراك, في دفع المجلس في اتجاه توضيح هويته أو اعادة ترتيب اولوياته من الخارج الى الداخل. لذلك فإنه اذا كانت مسيرة مجلس التعاون بطيئة خلال الـ 17 سنة الماضية فانها ستظل كذلك خلال المستقبل المنظور.. رغم ذلك فان قيام المجلس واستمراره وانتظام اجتماعاته هو في حد ذاته انجاز تاريخي مهم بالنسبة لدوله وبالنسبة للاستقرار في منطقة الخليج العربي التي تحتاج اكثر ما تحتاج الى التعاون بين كل دوله.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات