تشغيل المواطنين:بقلم-د. محمد ابراهيم منصور

لقد تطرقنا في المقال السابق إلى فرص العمل التي وفرها سوق العمل في الإمارات, وكانت تزيد بأضعاف ما عرضته الأسر في الإمارات من قوة عمل فتطور المؤسسات الحكومية , ونمو المؤسسات المشتركة والخاصة الضخمة خلقت فرص عمل متنوعة, وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على قدرة أصحاب القرار السياسي على تبني سياسات اقتصادية حكيمة خلقت نموا اقتصاديا مرتفعا وتنوعا وظيفيا, حتى غدت الإمارات واحة خصبة لمشاريع الاستثمار الوطني والأجنبي, لقد كان اهتمام الساسة منذ تأسيس الدولة منصب على تأمين جو هادئ وانتاجية متصاعدة للجميع, ومن جملة المنافع التي تحققت من جراء ذلك سلسلة من الامتيازات المادية وغير المادية للمؤسسات والأفراد, بدءا بالأرباح الخيالية وتكوين الرأسمال للمؤسسات والأجر أو الراتب المرتفع وصولا إلى المراكز والحظوة التي يحصل عليها الأفراد, فعلى سبيل المثال, أذكر نموذجا لاستثمار وطني نحن هنا في الامارات فخورون به, وهي مؤسسة الإمارات للاتصالات إذا بلغت ميزانيتها في نهاية عام 1996 نحو ثمانية آلاف وستمائة وخمسين مليون درهم, وارتفعت فوائضها النقدية في نهاية عام 1996 إلى أربعة آلاف وأربعمائة مليون درهم, ونمت الشركات العائلية والأجنبية نموا لا مثيل له, حيث يلاحظ رغبة الاستثمار الأجنبي في أن يكون له موطئ قدم في الدولة. من جهة أخرى ليس الأمر هينا كما يبدو للمؤسسات أي كان نوعها أن تقوم بالتضحية بتلك الامتيازات من أجل التوطين, وأذكر هنا تجربة مؤسسة الاتصالات في مجال التوطين, على سبيل المثال لا الحصر, لقد أشار التقرير الذي قدم إلى جلسة المجلس الوطني الاتحادي بتاريخ 13/1/1998 أن عدد العاملين المواطنين بلغ نحو 1561 عاملا من إجمالي عدد الموظفين بالمؤسسة البالغ عددها 6543 موظفا أي بنسبة 24% من الاجمالي, وهناك نماذج كثيرة على ضعف أو تلاشي نسبة المواطنين فيها, وقد يكون ذلك الوضع مستغربا لها, إذا ما جعلناها تركز على الأهداف الإنسانية والاجتماعية لتلك المؤسسات والالتزامات القانونية للدولة تجاه تشغيل المواطنين. يبدو أن مثل هذه الرغبة الرسمية لم تسهم في تغيير موقف تلك المؤسسات لاعتقادها أن التوطين سوف يسهم بإعاقة تقدم أدائها, وهذا ما يمكن أن نخرج به من تفسير لعدم تشغيل المواطنين, وإلا ما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الحذر الشديد من تشغيل المواطنين؟ الدولة تتحمل انفاق المليارات على التعليم والصحة؟ هل ترجو منه الاستهلاك أم الانتاج؟ ما هو مغزى توسعها في التعليم والصحة؟ أليس باعتبارهما استثمارا بشريا ترجو الدولة من ورائه اتاحة فرصة عمل للمواطن وتحقيق أعلى معدلات للانتاجية في السوق, إن هذه الاستثمارات في العنصر البشري المواطن مدفوعة الثمن من الدولة, وتأهيلهم لايخرج عن السياسة العامة للمجتمع في خلق رفاهية للمواطنين ويتحقق ذلك من خلال التوظيف, الدولة تتحمل كلفة اجتماعية عالية من وراء تقديم خدمات مجانية عديدة للمؤسسات قاطبة, لكن ما هو المقابل؟ أليس من حقها أن يتوظف مواطنيها 100% متى ما طلبوه. تدعي كثير من المؤسسات سواء الحكومية أو الخاصة أن المواطن يفتقر إلى كثير من المهارات والخبرات, كعامل اللغة الاجنبية, المعرفة المهارية والتقنية, والاتجاهات نحو العمل, الخ, نحن لا ننكر الحق الشرعي للمؤسسة في اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب, لكن أن تتخذ تلك المعايير كذريعة مع يقيننا بأن تلك الأسباب ما هي إلا أعذار واهية لاستبعاد المواطنين من العمل وجعلهم يعانون من البطالة لسنوات طويلة بحيث تبدأ هذه الشريحة من السكان تتراكم أعدادها وتتحول في يوم من الأيام إلى معول هدم للمكتسبات التي شيدها الجيل الباني, لقد ظهرت كثير من الجرائم بين المواطنين بسبب البطالة ومعاناة نفسية وانكفاء وتذمر, إضافة الى أن هذه الشريحة تتعرض الى اهدار في المعرفة التي تحصلت عليها وتوظيفها بعد مدة يجعلها في حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وتدريب مما يجعل الدولة من جديد تخصص أموالاً طائلة لتلك العملية, هذا أمر لايمكن قبوله نهائياً, المؤسسات الحكومية سواء كانت اتحادية أو محلية معنية كذلك بالأمر, إذ لوحظ أن التزامها القانوني تجاه التشغيل بدأ يقل وهياكلها بدأت تنكمش, وإذا ما تعدلت أخذت تراعي ترشيد الانفاق وأول بنود الترشيد وقف التوظيف في حين أن مجتمعنا متجه الى التصنيع ويفترض أن تتضخم الخدمات لتواكب مشاكل الصناعة وافرازاتها التنظيمية والنسقية مما يعني فرصاً أفضل للمواطنين. وشكلت حصيلة الولادات خلال 27 عاما من عمر الاتحاد رأسمال متواضعا من السكان المواطنين, وبذلك بدا اهتمام الدولة كبيرا حين أنشأن وزارات كالعمل والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم والتعليم العالي بمؤسساته المختلفة وكذلك المجالس كمجلس الخدمة المدنية والدوائر كدوائر شؤون الموظفين الاتحادية والمحلية واللجان كاللجنة التركيبية السكانية ولجنة تخطيط القوى العاملة, كل ذلك بغرض رسم إطار تنظيمي للتناغم بين أصحاب العمل والعاملين في الحقول الخدمية والانتاجية المختلفة, واستنتج من أهدافها الآتي: 1- همهم المشترك لتحسين وضع العاملين المواطنين في القطاعات المختلفة. 2- الأهمية التي يمثلها استقرار الموارد البشرية المواطنة وغير المواطنة بالنسبة لأصحاب العمل. 3- تسهيل التوظيف الجديد للمواطنين, مع تحسين مستويات المعيشة لمن لا عمل لهم بصورة مؤقتة أو دون عمل. يبدو أن هذه الأهداف تتلاءم مع نوعين من المخاوف: الخوف من توظيف المواطنين من جهة مما يؤدي إلى بطء النمو الاقتصادي وشل أداء المؤسسات, ومن جهة أخرى الخوف من تفاقم حجم البطالة بين المواطنين التي يسببها تسريع التحولات التقنية وعدم اكتمال شروط الاستخدام من جهة أخرى, ومن منطلق السوق, فالتوفيق بينهما صعب, مما يتطلب من الدولة تحمل أعباء اجتماعية من خلاله يتم انشاء نظام مساعدات مخصص للبطالة, ومنه يتم الانتقال من البطالة إلى العمل, وبهذا نستطيع أن نحافظ على مستوى اقتصادي واجتماعي للمواطن نفسح له مجال الوقت المناسب لاستعادة المهارات والنشاط, وهذا يتطلب تدخل الدولة الذي يميل إلى مضاعفة حركية اليد العاملة وذلك من خلال المساعدات المالية أثناء فترة البطالة, وأساليب التوظيف الجديد والتوجيه والتدريب المهني السريع المسؤول عن تشجيع انتقال المواطنين المهني والجغرافي. والله من وراء القصد. وكيل كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة الإمارات العربية المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات