المشكلة الكردية والبحث عن حضور عربي: بقلم- د. فتحي عبد الفتاح

الدراما المثيرة التي واكبت رحلة الزعيم الكردي عبدالله أوجلان خلال الشهرين الماضيين من دمشق الى موسكو وأخيرا روما . والملاحقات التركية للمطالبة برأس زعيم حزب العمال الكردستاني ابتداءً من إثارة أزمة ساخنة مع سوريا, ثم تكثيف الضغوط على الرجل المريض في الكرملين ثم التهديدات العاليه الصوت ضد إيطاليا. كل ذلك انتهى الى خيبة أمل تركية كبيرة وليس هذا فقط بل وأسفرت الملاحقات التركية المندفعة والنزقة في بعض الاحيان والمحملة بأحاسيس الانتقام بفتح ملف الاكراد من جديد وطرحه على جدول الأعمال الأوروبية والدولية حتى أصبح من المؤكد أن يعقد خلال الشهور القليلة المقبلة أول مؤتمر عالمي تحت اشراف الأمم المتحدة لمناقشة القضية الكردية والبحث عن حلول لها. لقد كان من الواضح أن الحكومة التركية التي أجبرت على الاستقالة كانت تحاول أن تركب موجة النعرات السوفييتية التركية تحت شعار محاربة الارهاب الكردي واستئصاله, وذلك تغطية للصعوبات الاقتصادية الكثيرة التي تواجهها وخاصة فيما يتعلق بالفساد والتدهور الاقتصادي. فلم يكن مفهوما أو حتى مبررا ذلك التصعيد الفجائي الذي قامت به منذ شهرين ضد سوريا والذي وصل الى حد التهديد بالقيام باجراءات عسكرية تحت زعم أن دمشق تستضيف وتحمي الزعيم الكردي. وحين وصل عبدالله أوجلاون الى مطار روما بعد أن اضطرت موسكو الى ترحيله تحت الضغوط التركية, صعدت الحكومة التركية من حملتها البالونية, وذهبت الى حد التهديد باجراءات عنيفة ضد إيطاليا بما في ذلك اعلان المقاطعة الاقتصادية ضدها. وجاءت النتائج على النقيض تماما من الطموح التركي المنفعل. فلقد ساندت كل دول الاتحاد الأوروبي ايطاليا في موقفها من عدم تسليم الزعيم الكردي, واضطر مسعود يلماظ حتى قبل أن يجبر على الاستقالة الى ابتلاع مطالبه السابقة, امتلأت ساحات روما الاساسية, بل وغالبية المدن الأوروبية, بالمظاهرات الصاخبة التي تندد بالجرائم البشعة التي ارتكبت وترتكب ضد الأكراد في تركيا وفي غيرها من الدول. اقترح داليما اليساري الشاب والذي يعمل رئيسا لوزراء ايطاليا مؤتمرا دوليا لمنافسة القضية الكردية وتبنت الدول الأوروبية الاقتراح وأعلنت الأمم المتحدة موافقتها المبدئية عليه. أما الولايات المتحدة والتي ساندت تركيا على طول الخط في بداية الأزمة سواء مع سوريا أو مع ايطاليا فقد التزمت الصمت بعد التطورات الأخيرة خاصة وقد بان بوضوح الازدواجية الغريبة في مواقفها ازاء المشكلة الكردية واللعب بتلك الورقة وقفا لمصالحها الخاصة وليس حرصا على الاكراد. فالولايات المتحدة التي فرضت ما يسمى بالمناطق الآمنة في شمال العراق تحت دعوى حماية الأكراد هي نفسها التي ساندت تركيا في سياستها الاستئصالية ضد الاكراد والذين يمثلون حوالي 25% من سكان تركية وهي نفسها التي ساندت تركيا في مطلبها اللامعقول بتسليم الزعيم الكردي عبدالله أوجلان. واذا كانت القضية الكردية قد بدأت تطرح نفسها بقوة على الساحة العالمية بعد التطورات الأخيرة, فقد أصبح من الضروري على دول المنطقة والدول العربية بشكل خاص العمل على إيجاد موقف عربي عام ازاء هذه المشكلة المعقدة والتي اصبحت مرشحة وبقوة لأن تشغل بال الرأي العام العالمي ومنتدياته. فبالرغم من عدم توافر احصائيات دقيقة إلا أن أغلب التقديرات المرجحة, بما في ذلك تقديرات الأمم المتحدة تذهب الى أن عدد الاكراد في العالم حوالي 30 مليون نسمة يمثلون 25% من سكان تركيا و15% من سكان ايران و30% من سكان العراق و10% من سكان سوريا وحوالي 1% من سكان جمهوريات الكومنولث (الاتحاد السوفييتي السابق. والثابت ان القومية الكردية لا تتعارض مع منطلقات القومية العربية بل انها تكاد أن تتطابق استراتيجيا وسياسيا واقتصاديا. فلقد عاش الشعبان الكردي والعربي في تلاحم واحد أيام الفتوحات الاسلامية وحاربا سويا كل أشكال الهيمنة والسيطرة على المنطقة سواء أيام الاستبداد العثماني التركي حتى أيام السيطرة والهيمنة الاستعمارية التقليدية في الفترة بين الحربين العالميتين, أو في النضال ضد الهيمنة الامريكية والغزوات العدوانية الاسرائيلية. وفي العراق دخل القوميون العرب والاكراد معارك واحدة ضد النظام الملكي الموالي الى الاستعمار وحينما نجحت ثورة 1958 وسقط النظام الملكي خرج الدستور العراقي ينص على ان العراق يسكنه شعبان عربي وكردي, كما أن اتفاق مارس 1970 أسفر عن دستور عراقي جديد يؤكد على الحقوق القومية للأكراد ويعطيهم الحق في الحكم الذاتي.. هذا من الناحية النظرية. ولكن ما جرى ومازال يجري في العراق يؤكد ان التسليم الدستوري بالحقوق الكردية شيء والممارسة شيء آخر, الأمر الذي أدى في النهاية الى ان تلعب الولايات المتحدة بالورقة الكردية مستفيدة من أخطاء النظام في التعامل مع الاكراد وفي محاولة لفرض تقسيم العراق وليس حبا في سواد عيون الاكراد. أما في سوريا, وخاصة بعد الاجراءات التي قام بها نظام الرئيس حافظ الاسد في رفع أي أشكال للاضطهاد عن الاكراد, فلم يطالب أكراد سوريا (حوالي 5.1 مليون) بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي, ولم يثيروا اي مشاكل أو نزاعات بل ان سوريا فتحت أبوابها لكثير من الاكراد المضطهدين في البلدان الاخرى المجاورة خاصة في تركيا والعراق. وفي ايران التي يسكنها في المناطق الشمالية الغربية حوالي 8 ملايين كردي, استطاعت الجمهورية الاسلامية التي جاءت في أعقاب نظام الشاه, ان تخفف الكثير من القيود والضغوط على الاكراد بل إنها وفي أحيان كثيرة استثمرت الوجود الكردي في الخلافات والمشاكل التي تثار مع الجيران خاصة تركيا والعراق. أما تركيا فقد كانت وظلت نموذجا خاصا في التعامل مع الأكراد والذين يملثون 25% من السكان ورفضوا حتى الاعتراف بوجود أقلية كردية رغم أن تورجوت أوزال رئيس تركيا الذي مات عام 1993 كان قد دعا الى الاعتراف باللغة الكردية كلغة ثانية في البلاد بل وذهب الى حد استعداده لاقامة حكم ذاتي كردي داخل الدولة التركية. ولكن الجيش التركي وقيادته التي مازالت تمسك بزمام الأمور في تركيا, رفضت ذلك الاتحاد واعتبر أن ما يسمى بالمطالب الثقافية الكردية هي خطوة أولى نحو إقامة دولة مستقلة للاكراد وأغلق الملف وأصبح الخيار الوحيد لحل المشكلة الكردية هو الحل العسكري. وخلال العامين الماضيين قام الجيش التركي بهدم الف قرية كردية وقتل عشرة آلاف من المدنيين من بينهم ثلاثة آلاف من المثقفين الاكراد كما تم اعتقال ومحاكمة 12 من النواب الأكراد في البرلمان التركي تحت دعوى العمل ضد وحدة الدولة وصدرت بحق بعضهم أحكام بالاعدام والاخرى بالاشغال المؤبدة, وكل جريمتهم أنهم طالبوا بتشكيل ديمقراطي بالحقوق الثقافية للأكراد وبشكل من أشكال الحكم الذاتي في إطار الدولة الكردية. وهكذا نجد أن الشعب الكردي الذي يبلغ في مجمله حوالي 30 مليون نسمة ورغم أشكال الاضطهاد والقهر التي يعانيها برفض تذويب كيانه وتعجز كل حركات الإبادة عن القضاء عليه كليا أو جزئيا, كما أنه يعيش في أراض مجزءة وموزعة بين دول عدة الأمر الذي خلق نوعا من ازدواجية الهوية وتمثل ايضا في ثقافات متباينة. ومن سوء حظ الاكراد أنهم وجدوا في منطقة جغرافية ظلت قلب الصراعات المستمرة بين ثلاثة شعوب كبرى ــ العربية والايرانية والتركية.. كما أن الصراع العربي الاسرائيلي الذي كان ومازال يمثل هاجسا رئيسيا في المنطقة كان ولابد وأن يعكس نفسه على القضية الكردية. ولقد تداخلت اعتبارات سياسية استراتيجية لهذه الشعوب الثلاثة في تشكيل الصورة المعاصرة للمشكلة الكردية, كما دخلت الحلبة قوى أخرى من خارج المنطقة يهمها التلاعب بطموحات هذا الشعب. فالاكراد كانوا دائما ضحية قوى ومصالح خارجة عنهم ترى في تحقيق أهدافهم خطرا مباشرا عليها. أيضا لابد من الاعتراف بأن بعض القيادات الكردية لعبت ومازالت تلعب دورا يؤدي الى فشل الوصول الى أهداف محددة وما نراه في كردستان العراق والحروب والصراعات الدائرة بين الحزبين الرئيسيين هناك ولجوء أي منها الى قوى خارجية أخرى بما فيها قوى تضطهد الاكراد داخل أراضيها, قد أدى في فترة من الفترات الى افتقاد الثقة والتأييد في المحافل الدولية. وفي اطار الأوضاع الجغرافية والصراعات السياسية القائمة في المنطقة تحتل المسألة الكردية وتطوراتها حيزا هاما لابد وأن يوضع في الاعتبار عربيا, خاصة بعد أن أصبح الرأي العام العالمي مهيأ واكثر استعدادا لايجاد حلول لتلك المشكلة المتفجرة. والسياسة العربية تجاه القضية الكردية مازالت متداخلة وغير واضحة الى حد كبير وهي تتراوح بين تفهم وتعاطف في مصر وسوريا الى صراع وقتال في العراق الى موقف شبه حيادي بين كثير من الدول العربية الاخرى, أما ليبيا فقد انفردت بموقف خاص يدعو الي حقوق الاكراد في دولة مستقلة. وشعار الدولة الكردية المستقلة لا ترفعه القيادات الكردية نفسها بما فيها حزب العمال الديمقراطي الكردي وزعيمه عبدالله أوجلان فهم من الحكمة بحيث اعتبروا ان قيام دولة كردية مستقلة ومقتطعة من أراضي ست دول أخرى يعتبر ضربا من الخيال وأحلام اليقظة المستحيلة, ولذلك تركزت مطالبهم في اعطاء الاقاليم الكردية المختلفة داخل هذه الدول الحق في الحكم الذاتي والاعتراف بهويتهم ولغتهم وثقافتهم داخل البلدان التي يعيشون فيها. وأحسب أن ذلك يمكن أن يمثل موقفا عربيا كرديا مشتركا نتفق عليه يخدم مصالح الطرفين ويبعد الكثير من الأيدي الآثمة التي تحاول استثمار الورقة الكردية لخدمة مصالحها الخاصة. مدير مركز الابحاث والدراسات (الجمهورية)*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات