نجحت الولايات المتحدة في سنوات الحرب الباردة في القضاء على تقدم ورفاهية شعوب أمريكا اللاتينية تحت شعار(مواجهة الشيوعية)وبعد اختفاء الاتحاد السوفييتي السابق وتمزقه الى أشلاء , حاولت تغيير الشعار بشعار آخر مغاير لكنه يؤدي إلى الهدف نفسه, وهو شعار (الديمقراطية) , ديمقراطية على النمط الغربي يتم زرعها دون مراعاة لأوضاع تلك الشعوب ومصالحها, هذا لأن الهدف من تلك الديمقراطية لم يكن سوى ايجاد انظمة تابعة للسياسة الغربية بشكل عام والولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص, او مجرد انظمة تقوم على حراسة مصالح الغرب والولايات المتحدة الامريكية تحت ادعاء الحرية في كل شيء: الحياة والاقتصاد والتجارة. جاء الشعار في وقت كان يمكن فيه ان ينتج جديدا على ساحة دول امريكا اللاتينية التي اعتقدت شعوبها انها سوف تتنفس قليلا بعد انتهاء الحرب الباردة, لكن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهي السفن كما يقولون, فقد تحول الديمقراطيون الجدد الى زعماء من نوع جديد, في ظل علاقات خاصة بالغرب والولايات المتحدة, مما يجعل هؤلاء الزعماء الجدد يتمتعون بالحماية المباشرة لجنرالات الجيش, الذين كانوا في سنوات الحرب الباردة الحكام الحقيقيين, ثم تحولوا في النظام العالمي الجديد الى حراس لهذه الديمقراطية. ديمقراطية (تفصيل) حسب مقاس كل شعب وكل دولة, منها ديمقراطية يحرسها دكتاتور سابق مثل الجنرال بينوتشيه في التشيلي, وديمقراطية ينفذها مهندس زراعي تحت رعاية الجيش مثل ديمقراطية البيرتو فوجيموري في البيرو, أو ديمقراطية ترتدي لباسا مدنيا مثل ديمقراطية كارلوس منعم الذي أصدر عفوا عاما عن العسكريين الذين عذبوا وقتلوا أكثر من ثلاثين ألفاً من المعارضين في الارجنتين, أو ديمقراطية الرئيس أليمان في نيكاراجوا, الذي وصل الى كرسي الرئاسة تحت حراسة الاسلحة الأمريكية في مواجهة حراس الثورة الساندينية, وسمحت له ديمقراطيته ان يرفض عونا لشعبه كان في أمس الحاجة اليه بعد دمار عاصفة (ميتش) , لمجرد ان المتبرع يختلف عن الرئيس (الديمقراطي) في الأيدلوجية, أو انه لا يتفق مع أيدلوجية سيده الجالس في البيت الابيض. في أماكن أخرى تم زرع ديمقراطيات اخرى هشة تحت رعاية الشركات المتعددة الجنسيات كما في المكسيك وفنزويلا, فتحول سياسيو تلك البلاد الى مجرد موظفين لدى تلك الشركات, أو حراس لمصالحها, فتحولت ثروة البلاد من البترول الى نقمة بدلا من ان تكون نعمة على أصحابها, في المكسيك رئيس هارب تبحث العدالة عنه وعن أسرته بعد ادانتهم جميعا بسرقة أموال الشعب, وفي فنزويلا المتهمون بالعمالة لا يمكن احصاء عددهم, ورئيس البلاد السابق كارلوس اندريس بيريث في زمن الطفرة البترولية يرقد تحت حراسة خاصة, بعد إدانته والحكم عليه بالسجن, لكن أنقذه من السجن تقدمه في العمر. هذه الأوضاع جعلت شعوب تلك البلاد تقبل على الانتخابات في تلك الديمقراطيات وكأنها تدخل سيركا خاصا, تحاول فيه نسيان مشاكلها بالتخدير بعد أن فشلت كل الأحزاب والزعامات في أن تقدم لها بديلاً حقيقيا للمشاكل اليومية التي تعيشها. كانت نتيجة هذه الأوضاع ان انتخب شعب الاكوادور قبل سنوات مجنونا مثل (عبد الله أبو كرم) الذي أكد انه سوف يمنح كل فلاح أرضا وماعزا يرعاها لينتصر على الأزمة الاقتصادية, لا أعتقد ان نجاح ذلك المجنون يرجع الى ان شعب تلك البلاد صدق أقواله وآمن ببرنامجه, ولكن هناك اعتقاد راسخ أن الناخبين صوتوا لصالحه كما لو كان الأمر يتعلق بفرجة شعبية على طريقة مسرح السامر أو الحكواتي, أراد الناخبون رؤية تلك المسرحية من خلال المشاركة الفعلية في وضع بدايتها والحكم على بطلها في نهايتها. لم يكن نجاح المجنون فعلا خاصا بلحظة تاريخية خاصة في أمريكا اللاتينية, بل هو نتيجة حتمية لتلك الأوضاع التي أصبح فيها الضحك كالبكاء, خاصة ان هذا الأمر نفسه تكرر هذا الأسبوع في فنزويلا, حين أجمع معظم الناخبين على منح أصواتهم للكولونيل الانقلابي السابق (هوجو تشابث) الذي فشل قبل ثماني سنوات من قلب نظام الحكم باستخدام الدبابات ضد قصر رئاسة الرئيس المحكوم عليه بالفساد حاليا كارلوس اندريس بيريث, نجح العسكري الانقلابي بفضل هذه الأوضاع المقلوبة بأغلبية تبدو كبيرة على الرغم من أنه لم يكن يقف من خلفه أي من الحزبين الرئيسيين في البلاد, وعلى الرغم من تحالف الحزبين الرئيسيين ضده وتأييدهما لمرشح واحد, لكن الحزبين اللذين حكما فنزويلا بالتناوب خلال نصف قرن وصلت فيه البلاد الى حالة من الفقر والبطالة وانعدام الأمن رغم نعمة البترول التي تفجرت من تحت الارض فشلا, لأن الشعب الفنزويلي يعرف ان الحزبين تناوبا على الحكم لسرقة الثروة والدفع بها الى خزائن بنوك سويسرا وغيرها من بنوك أوروبا الغربية. لم يكن فوز العسكري الانقلابي الاحد الماضي في الانتخابات العامة التي جرت في فنزويلا مفاجأة لمن يتابع الأوضاع في تلك القارة الفريدة, لأنه يشبه تماما فوز (المجنون) عبدالله أبو كرم برئاسة الاكوادور. يمكن رؤية فوز الكولونيل الانقلابي السابق (هوجو تشابث) هذه المرة على انه نوع من المشاركة في مسرحية هزلية ايضا على الطريقة الاكوادورية, ويمكن ايضا التعامل معه على انه نوع من الاحتجاج ضد الأوضاع السياسية الفاسدة في فنزويلا, التي وصلت بالبلاد الي حد الفقر المدقع على الرغم من بترولها الذي تستمتع به الشركات الأمريكية, وتحقق من ورائه أرباحا خيالية. ولو حاول المحلل السياسي ان يأخذ الأمر على محمل الجد, يمكنه ان يصل الى نتائج صحيحة نابعة من الأوضاع الراهنة في تلك الدولة, التي فقدت طبقتها المتوسطة أكثر من 70 في المائة من قدرتها الشرائية خلال العشرين عاما الأخيرة, على الرغم من ان نظامها الحاكم لم يكن دكتاتوريا عسكريا بالمعنى المفهوم في معظم دول أمريكا اللاتينية المجاورة. بل كانت فنزويلا تتمتع بنظام ديمقراطي على النمط الغربي, لكن هذه الديمقراطية كانت تعتمد بشكل أساسي على دعم الغرب, وبشكل خاص من جانب الولايات المتحدة الامريكية, التي كانت مهتمة بأن يظل بترول فنزويلا شريانا خاصا يغذي احتياجاتها, باعتباره الاقرب الى حدودها الجغرافية. من أجل الحفاظ على هذه الطاقة الحيوية بعيدا عن أيدي غيرها من القوى المنافسة سياسيا واقتصاديا, زرعت الولايات المتحدة عبر شركاتها بذور الفساد في الطبقة السياسية الحاكمة بمختلف اتجاهاتها, هذا الفساد الذي تمكن من تحويل ثروة البلاد الى أرقام في حسابات البنوك الاجنبية لصالح قلة قليلة, بينما تعجز ميزانية الدولة عن اقامة بنية تحتية تساعد البلاد على التطور والتحديث, أو حتى مواجهة نفقات الخدمات الاجتماعية التي تحتاجها الطبقات الفقيرة المطحونة. طبقا لهذا التحليل يبدو الانقلابي السابق (هوجو تشابث) بطلا منتظرا, دفعه الشعب الى أعلى درجات الفروسية لينقذه من ذلك الفساد المستشري في البلاد, والشعب على استعداد للسير خلفه على أصعب الطرق التي يختارها في محاولة للاستمتاع بثرواته الخاصة التي نهبتها الشركات الاجنبية بمعونة حكامه السابقين. لكن يبدو ان هذا التحليل متفائل الى أبعد الحدود, لأن قراءة متأنية لمسيرة العسكري الفنزويلي خلال السنوات التي تلت محاولة انقلابه الفاشلة, وتطوره (الديمقراطي) بعد العفو عنه, الذي دفع به الى ترشيح نفسه لرئاسة البلاد تكشف عن ان الشركات الاجنبية لم تضع وقتا في انتظار وصوله الى كرسي الحكم, بل تقدمت اليه قبل ان يفلت من يدها, تماما كما فعلت مع حكام كل دول العالم بمختلف أنظمتهم وألوانهم الايدلوجية وأفسدتهم, باعتراف مدير الدعاية الانتخابية, الذي أكد ان حملة هوجو تشابث تم تمويلها ايضا بتبرعات شركة الكوكاكولا؟!! هذا الاعتراف لا يعدل الموازين المقلوبة, ويكشف عن حال باق على ما هو عليه وحتى (شعاراً) آخر. كاتب مصري مقيم في أسبانيا*