الاتحاد والمستقبل، بقلم: د. صلاح القاسمي

الاتحاد والمستقبل اطار كبير بلاشك, يجعل المتحدث فيه يبحث عن الرؤية المستقبلية للعديد من الامور التي تهم بناء الوطن والمواطن, ومن اجل تجلية حقائق هذا الموضوع لابد لنا من الاطلاع الواسع على مجريات الامور واقعا ومستقبلا, مع دراية بالماضي الذي صنع هذا الحاضر, فالحاضر بلاشك هو الذي يصنع المستقبل , حيث ان البنية التحتية لكل الامور تبدأ من الماضي, فبمقدار مانعد في هذا الحاضر للمستقبل بمقدار ما نجني من الثمار. ولعل اهم ما يوضع كبنية تحتية وكلبنة اساسية للمستقبل هو ما يوضع في مجال التربية والتعليم, التي تعتبر من اهم المجالات الحيوية التي يجب ان نركز عليها جل اهتمامنا ونسخر لها كل الامكانات, لكي نضعها على مسارها الصحيح لتكون عنوان المستقبل والثمرة اليانعة من ثمار الاتحاد. ولكي نصل الى ذلك لابد ان تتضافر كل الجهود في هذا الوطن المعطاء, ونسخر كل الامكانات بدءا من التخطيط السليم لوضع التعليم على عتبات القرن المقبل والذي تشير كل المؤشرات فيه بأنه قرن لا يحرم الضعفاء ولا حتى انصاف المبدعين. ولعل حلقة حوار الآباء من تلفزيون الامارات العربية المتحدة من دبي التي كانت تتحدث عن استشراف مستقبل التعليم والتي استضفنا فيها اساتذة افاضل, اعطونا ارقاما مخيفة ومذهلة ان لم ننتبه اليها, ضاعت بنا السفينة, ولعله من المفيد هنا ان نذكر ببعض ما ورد من نقاش في هذه الحلقة. انني اوضحت ان التربية بحاجة الى عملية تغيير واسعة بوضع استراتيجية جديدة وسياسة تربوية واضحة المعالم والاهداف, ماذا نريد للمستقبل وماذا يجب ان نضع في هذا الحاضر؟ ولعل من ابرز التحديات التي يجب وضعها في الاعتبار هنا: اولا: التعليم الفني والتقني: وهو من اهم ملامح حضارة الحاضر والمستقبل, فمن يريد دخول القرن القادم بقوة وثبات في هذا المجال فعليه بالتطور العلمي الحديث الذي يعتمد بشكل مباشر او غير مباشر على تكنولوجيا المعلومات, وانه في سبيل وضع الخطى على عتبات المستقبل, لابد من توسيع نطاق المعلوماتية لتشمل جميع المناحي التعليمية. والتعليم الفني والتقني رغم خصوصيته في بعض المجالات الا ان دوائر المعرفة فيه واسعة لابد لها من تعدد للمصادر بدءا من الاستفادة من الامكانات المتاحة والتي تهدف الى وضع لبنات تخريج جيل متسلح بأحدث الطرق العلمية مبدع واع لمسؤولياته الملقاة على عاتقه, والمتضمنة وضع الدولة في خضم القرن المقبل بقوة وثبات. وتعليمنا التقني الحالي ــ رغم بذل المسؤولين عنه الجهد المستمر لايفي بمتطلبات المرحلة المقبلة, قياسا بتزايد تعداد السكان في الاعوام المقبلة التي نحتاج فيها الى ملايين الايدي العاملة المدربة وليس كما هو الحال الآن الذي يعد بالعشرات فقط. ومن الضروري بمكان هنا الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة وليس من تجارب دول العالم الثالث التي تعاني من المشكلات اكثر بكثير مما نعانيها نحن فلماذا لانستفيد من تجارب اليابان او المانيا او الولايات المتحدة ودراسة ما يمكن ان نأخذ منها؟ وايضا من الممكن ان نتلافى اخطاء تجاربهم ونأخذ بحسناتها. ثانيا: البحث العلمي: التعليم والبحث العلمي صنوان متلازمان, ومن اجل تطوير التعليم لابد لنا من الاهتمام والتركيز على طرائق البحث العلمي, وطرق ووسائل البحث العلمي وتعلمها وتطبيقها اصبحت ضرورة لازمة لكل رقي وتقدم والمطلوب هنا: 1ــ ضرورة انشاء مراكز للبحث العلمي والدراسات لتشمل هذه المراكز كل الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة. 2ــ ضرورة تفعيل دور الجامعات الحكومية والخاصة لاداء دورها في خدمة المجتمع في مجال البحث العلمي خاصة وعلى رأس ذلك جامعة الامارات والتي نقترح ان تكون مركزا من مراكز البحث العلمي الرئيسية في العالم العربي وذلك بتوفير جميع الامكانات المادية وتشجيع الكوادر البشرية. 3ــ ايجاد ميزانية مستقلة للبحث العلمي وتطويره على مستوى الدولة وتفعيل دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي, ذلك لانه ما ينفق على البحث العلمي في الوقت الراهن لا يوازي الطموحات ولا التطلعات المستقبلية المنشودة وكما ذكر د. سعيد حارب في بحثه (تحديات امام مستقبل التربية والتعليم) عن ارقام لبعض الدول وماذا تنفق على البحث العلمي منسوبا لناتجها القومي فتجد مثلا: المانيا 2.86% من ناتجها القومي واليابان 2.8% من ناتجها القومي, هولندا 2.17% من ناتجها القومي وسويسرا 2.86% اما الولايات المتحدة مثلا فنجدها قد انفقت اكثر من 100 مليار دولار في السنة الواحدة. اما اذا رجعنا الى ما تنفقه الدول العربية مجتمعة, فأفضل التقارير تقول انها انفقت مبلغا يصل حتى الآن ما مقداره 200 مليون دولار!! 4ــ لابد للقطاع الخاص من ان يسهم وبشكل فعال في تشجيع البحث العلمي خاصة وان مردود هذا البحث يصل تلقائيا الى القطاع الخاص ويستفيد منه بطريقة مباشرة وغير مباشرة, وعلينا ان نقر هنا اسهامات بعض رجال الاعمال الناجحة في هذا المجال. ثالثا: محاربة الأمية: والتي تعتبر من أبرز التحديات التي تواجه كل أمة في الحاضر والمستقبل اذ على الرغم من التوسع في التعليم الا ان نسبة الأمية تزداد بصورها المختلفة في عصر تزداد الحاجة فيه الى تجاوز أمية القراءة والكتابة, حيث ظهرت لنا أمية جديدة وهي امية التعامل مع الآلة التقنية والاجهزة العلمية, بل امية التعامل مع الاجهزة التي تدخل في الحياة اليومية, واذا لم ننتبه الى هذه الامية التي برزت لنا في ثوب جديد فاننا سنجد ملايين لن يستطيعوا اكمال تعليمهم حتى الاساسي منه, اذا تم تطوير التعليم دون مراعاة تطور اساليبه وتطور معلميه الذين يتعاملون مع التقنيات الحديثة في العملية التربوية التعليمية. اما المجال الآخر الذي اود الحديث عنه بحكم تخصصي الاعلامي وامنياتي له بمستقبل اكثر اشراقا في ظل الاتحاد, خاصة مع وجود القيادة الشابة والمثقفة والواعية على رأس المؤسسة الاعلامية في الدولة والتي يقود دفتها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام. وما نراه كل يوم من بشائر تعطي الامل في اننا سنسير على طريق المستقبل. ذلك انه لا مراء بأن وسائل الاتصال الجماهيري الحديث سواء كانت مرئية او مسموعة او مقروءة يمكن ان تكون ذات نفوذ واسع في تطور مختلف جوانب الحياة في الدولة. ذلك ان تقدم امة من الامم يعتمد اولا وقبل كل شيء على تقدم شعبها, فمالم يتم تجميع الأمة وطاقاتها البشرية فهي غير قادرة على ان تجني أي شيء سواء منها المادي او الاقتصادي او السياسي اوالثقافي. فالمشكلة ليس الفقر في الموارد الطبيعية وانما التخلف في الموارد البشرية, ومن هنا كان الواجب الاول هو بناء الافراد قبل بناء رأس المال البشري, ولعل صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله قد نبه لهذا (عندما قال بأن الانسان اغلى ما نملك) . معنى هذا انه لابد من رفع مستوى ايصال التعليم ومهاراته المختلفة وبث الامل في نفوس الناس, وبالتالي تحسين الصحة الفعلية والجسمانية للرجال والنساء, والاطفال وبمعنى آخر, تأكيد المعرفة لدى الناس واعطائهم ما يمكن ان يعرفوه لتحديد موقفهم ازاء التنمية القومية بصفة عامة وهذه هي الاعتبارات التي يتعين على الناس ان يتغيروا فيها قبل ان يمكن للأمة ان تتغير وهذا ما يسمى بتعبئة الموارد البشرية, والذي يقع على عاتقه اولا وقبل كل شيء على وسائل الاعلام المختلفة. فالاعلام هو الذي يرسخ وحدة الامه ويبرز هويتها الوطنية فيربط كل امارة بالامارة الاخرى, بالناس والفن والعادات والسياسات, ويجعل القادة يحدثون الشعب والشعب يحدث القادة كما يحدث نفسه, ويجعل الحوار فيما يتعلق بسياسة الدولة ميسورا على نطاق البلد كله, ويجعل الاهداف والمنجزات الوطنية ماثلة دائما في اذهان العامة, ومن هنا فان الاعلام العصري اذا احسن استخدامه وتوطينه يصبح المساعد الاكبر على توثيق عرى البلاد بدءا بالانسان وانتهاء بالتنمية لتصبح التنمية والتحديث المنشودان خطة وطنية وحقيقية. ففي ظل عصر الفضاء, ووصول وسائل الاعلام الى اقصى مداها بين الشرق والغرب حتى اصبح العالم قرية واحدة, اصبح لزاما علينا ان نواكب هذا التطور. ونطرح ماهو جديد ومفيد والا يتحول مشاهدونا الى محطة اخرى, وتضيع بذلك كل الجهود والتوجيهات والاهداف في الفضاء ولا مستقبل لها. فلا شك ان لدينا حاليا التقدم التقني او التكنولوجي, الذي يطور الاجهزة بصفة عامة وهو سريع ويقفز قفزات هائلة, اي ان الدولة لا تبخل في هذا المجال ولكن تقدم المضمون التلفزيوني عاثر لا ينبىء ببشارة, فهذا التناقض الصارخ يثير في النفس الشعور بالاحباط, فمازال لدينا المخرج الذي لم يعرف التطور وكذلك المذيع والصحفي والاذاعي وغيره وغيره من اصحاب الثقافات المحدودة حتى انهم يصلون الى مرتبة الأمية في بعض الاحيان وكان اظهار المادة هو الدور الاساسي, اما نوعية المادة, ومن تخاطب؟ وماذا تهدف؟ فهذا أمر غير وارد في كثير من الاذهان, ومع ذلك فان الافئدة تعلق بأهداب الامل على المسؤولين الذين يريدون التطور دون شكل من اجل ذلك وفي ظل العولمة المفروضة علينا نتساءل في اية صورة سيكون اعلام الغد؟ هل سيكون الاداة المسيطرة على افئدة الجماهير يجذبهم كما يجذب المغناطيس الحديد ام انه فقط سيكون معطلا لتفكيرهم لدرجة الشلل؟ ام سيكون دوره بماله من قدرة تكنولوجية مجرد حشد وتجميع للمستمعين؟ ان الاداة التي تملك القدرة المذهلة علي ربط الناس بعضهم ببعض لا تعاب او تؤاخذ اذا هي اخفقت في تحقيق النتائج, انما الذي يعاب هو صاحب الرسالة واصابع التشغيل, الذي لا يعرف كيف يترجم هذه الحقائق الى اشياء لها مغزى ينفع الناس, فالثورة التكنولوجية تجري بسرعة الاعصار ونحن حيالها عاجزون لا نملك ان نحدد او نقدر مداها ومنتهاها. ويصبح الاعلام بكل وسائله ليس مجرد اداة تسجل الاحداث في عصر بالغ السرعة والتطور, فالاعلام بطاقته الفورية وقدرته على الاقناع تجعل منه قوة لا نظير لها لتشكيل العصر, فالادوات الالكترونية في كل وسائل الاعلام, ادوات محايدة لنا ولغيرنا, ومن هنا يأتي دور البشر الذين اعدوا لمسايرة الواقع والنظرة الى المستقبل لمجابهة تحديات العصر. فكلنا امل بمستقبل دولتنا ــ الامارات العربية المتحدة ــ خاصة وان الله سبحانه وتعالى حباها بقيادة حكيمة متمثلة بصاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واخيه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولةرئيس مجلس الوزراء حاكم دبي واخوانهما حكام الامارات الذين لم يألوا جهدا في سبيل رفعة وتقدم هذا البلد, ووضعه على عتبات القرن المقبل بكل ثقة وثبات, وعلى الرغم من كثرة الآمال الا اننا اذا نظرنا الى بدايات الاتحاد وما وصل اليه الآن وما وصلت اليه الامة والبلاد, نجد ان وقوفنا على عتبات المستقبل امر يسير بعون الله, اذا اعتمدنا التخطيط والاسلوب العلمي وتجنبنا العاطفة والعبارات الانشائية, فتحية لكل بان لصرح دولتنا الحبيبة, وتحية لقادتنا العظام, وتهنئة من الاعماق لشعبنا حكاما ومحكومين بعيد الاتحاد عيد دولة الامارات العربية المتحدة, وكل عام وانتم جميعا بخير وعيشي بلادي عاش اتحاد اماراتنا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات