ظاهرة الديكتاتورية لا تنمو في فراغ, ولا يولدها الهواء, إنها ليست كيمياء ولا لاهوتا معبأ بالاسرار, الديكتاتورية حالة مجتمع, كل فرد فيه ديكتاتور ضد الآخر وضد نفسه, يستجدى الطغيان والمصادرة والتعذيب احيانا مستمتعا بدور الضحية والبطل المصلوب تكفيرا عن ذنوب كل القادمين في الزمن . ظاهرة الديكتاتورية كظاهرة الاستسلام العاجز سواء بسواء, ظواهر بلا منطق ولا لون ولا طعم ولا سند تتكىء عليه في مرحلة الأفول, برغم كل الثوابت التي مكنت لها, ومهدت كل الارضيات, ولكن بازاء ظواهر منحرفة كالعجز والطغيان يصبح الثابت متغيرا في لمح البصر, لان منطق المصالح لا يتعقل الاشياء. وفي لحظاته الاخيرة, يقدم القرن المثقل بالخطايا والآثام والبشاعات, كشف حساب في مجال حقوق الانسان لا يمكن تصور احتمال تكراره ثانية, او احتمال وقوعه من الاساس, ولكنه التاريخ على ما يبدو كان لابد له من كل هذه الشريعة البلهاء من قوانين الاستمرار وصراعات البقاء والشخوص المملوئين بكل التناقضات كي يراكم احداثه وبناءه, ويستمر في الزمان والمكان! عبدالله أوجلان مناضل وارهابي في نفس الوقت (بحسب الذي يوزع التهم والالقاب), عاش طريدا طوال حياته, باحثا عن العدالة لقضية شعبه الساقط في أتون الطغيان, وسيبقى مطاردا البقية الباقية منها, تجاذب لعبة كبرى مع أطراف اكبر, لعبة النضال والدعم الكاذب في مقابل القيام بدور مرسوم, وعندما انتهت المصلحة ولاحت مصالح أخرى, تخلى عنه الرفاق, وباعته موسكو لايطاليا! اليوم تقايض ايطاليا وأوروبا كلها بعبدالله أوجلان كي تخرس لسان تركيا الطامعة في عضوية الاتحاد الاوروبي, وهذه ديكتاتورية أخرى متشعبة في الأعراق, والأنظمة وفي جينات الحضارات أيضا. بينوشيه, ديكتاتور متقاعد, عاش الديكتاتورية في اكمل صورها وزهوها, قمع وعذب وقتل حتى الثمالة, وذهب يستريح محتميا بالحصانة والشيخوخة في بريطانيا, اليوم يصبح العالم كله مطالبا بمحاكمة ديكتاتور تشيلي السابق على جرائمه وبشاعاته, بينما يتقنع هو بأقنعة المرض والحصانة والجنون. سيناريو نهاية القرن يحاول أن يجمل التاريخ وهو يلج الالفية الثالثة, ولذلك يحاول جاهدا ازالة بعض ندوبه, ولهذا تصرخ القارة العجوز ــ أوروبا ــ أنه لا حصانة لديكتاتور مخلوع! العجيب في الحكاية دائما ان بدايتها واحدة, الشعوب لا تسأل ابدا فيما اذا كانت حصانة الطغاة فرض عين أم فرض كفاية؟ الشعوب احيانا تتدثر بالعجز والحاجة والخوف وجبروت السلطة, وعدم الوعي لتبرر عجزها وتفترض حصانة طغاتها, وتصادر أبجدية الحرية اختيارا لا قدرا! سوهارتو راكم ثروة تقدر بــ 45 مليار دولار عدا ونقدا حسب تقديرات المتابعين والمحللين, خلال فترة حكم استمرت 33 عاما, أي ما يعادل مليارا و400 مليون دولار سنويا, وحين سئل عن مصدرها على طريقة: من أين لك هذا؟ أجاب: إنها تراكم جيد لمدخراتي من راتبي الرئاسي الشهري!! انه المنطق الديكتاتوري الذي يفترض غباء الآخر دائما ويلغي شروطه الانسانية جهرا. المرتبات الشهرية مسؤولة على ما يبدو عن تكوين طبقة من الدكتاتوريين حسب قيمة المرتب, كما أن هناك وظيفة رفيعة في كثير من الدول مهمة اصحابها حراسة الفساد والدفاع عنه وتمكين كل الضمانات لاستمراره. (رجال الرئيس) مصطلح يطلقه علماء الادارة على (حراس) او صناع الديكتاتورية في كل مكان.