أبجديات: بقلم- عائشة إبراهيم سلطان

في أواخر الستينات ظهر في أدبيات السياسة مصطلح (الدولة الرخوة) وهو اسم يستخدم تحديدا للاشارة الى استعداد معظم حكومات الدول النامية للفساد , ولتجاهل القانون ولتغليب المصالح الفئوية الفردية على المصلحة العامة, وهذا تحديدا ما يحدث اليوم مع تيار العولمة, الذي يحتاج الى دول من هذا النوع ليتمدد في كل المسامات والفراغات دون رادع. فهل هذا الخوف الذي يبديه البعض حيال العولمة, خوف حقيقي, أم مجرد تظاهرة مطلوب من الاعلام, واساتذة الجامعات ورجال الدين, والمثقفين القيام بها من قبيل الواجب وذر للرماد في العيون؟ اعتقد ايضا ان السؤال الاكثر أهمية هو: من هم الخائفون من العولمة؟ ومن هم المهللون لها؟ ان التيار المهلل للعولمة يدعي انها عملية (تحرر) من مختلف صور الاستعباد في كافة مستويات المنظومة الحضارية القيمية والمادية لأية أمة, اما الخائفون, فيرون ان هذا الاعتقاد محض خرافة, وان الاخطار اكبر من التصورات. ما الذي يجري عولمته على وجه الدقه؟ ومن الذي يقوم بهذه العولمة؟ معروف ان العولمة هي فرض نمط معين من الحياة على الجميع, اداتها الاساسية هي الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تمارس هذه المهمة بكفاءة عالية, تشهد بها محلات الاطعمه السريعة المنتشرة بسرعة الضوء, وشبكة المصارف, وشركات الائتمان والتأمين, ومحطات التلفزة و...الخ. وهنالك مفارقة, أو مطب من نوع ما ازاء العولمة نلاحظه جميعا, فنحن نمارسها ونهاجمها في الوقت نفسه, لماذا؟ ربما لأننا لا نفهمها حقيقه, أو لاننا نخشى الوقوف في وجهها (ضعفا أو انبهارا فالامر سيان) وربما لانها الحقيقة أو البديل الوحيد الاكثر بريقا وسطوة على أمزجة البشر. وفي النهاية هناك موقف غامض من العولمة يتأرجح بين الخوف والقبول, وهذا شأننا في كل أمور الحياة, نتأرجح بخوف وتردد حتى نسقط في النهاية الى حيث لاندري! ان الذي يجرى عولمته ليس إلا سلعا أو خدمات بعينها ــ كما يقول د. جلال أمين ــ سلع ذات طبيعة وخصائص معينة, افرزتها ثقافة بعينها, وليس هناك اي التزام قانوني أو ديني أو خلقي أو فني يجبرنا على قبول هذه السلع والخدمات والثقافة بالذات. إن شبكة الهيمنة الثقافية الامريكية على العالم, والتي تتجلى في القوة الاقتصادية والتكنولوجية لشركات انتاج الثقافة الامريكية تسهم في نشر وتكريس العولمة, ويكفي ان نعرف انه في عام 1997 تجاوز ماصدرته الولايات المتحدة للخارج من الانتاج الثقافي والفني ماقيمته (60) مليار دولار, يشتمل على الافلام السينمائىة, والاعمال التلفزيونية, والادب المقروء والمسموع والموسيقى. في عالمنا اليوم صار حتما ان نقتنع (عمليا) بأن السلع الافضل والمتاحة للجميع بسهولة وعدالة تتمثل في الهامبورجر, والكوكاكولا والمحطات الفضائية والدش وافلام هوليوود ووسائل الترفيه الغربية والعلاقات الاسرية والجنسية المتحررة, والتنظيم السياسي الليبرالي والاقتصاد الحر والثقافة الامريكية.. الخ. فهل حقا ليس هناك سلع وخدمات يمكن للعقل توليدها واختراعها في موازاة هذه السلع, بحيث تتناسب مع منظومتنا الحضارية؟ ام اننا اقتنعنا بشكل نهائي بأن هذه هي الافضل؟ اذا اقتنعنا فهذا هو الاعتراف الأخير الذي يسبق الاعدام مباشرة!

طباعة Email