لاول مرة منذ توقيع القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقية اوسلو, ينعقد في دمشق, خلال الايام القليلة المقبلة اول مؤتمر وطني فلسطيني موسع, لمن يمكن وصفهم بممثلي المعارضة الفلسطينية لهذا الاتفاق في الشتات . لقد سبق هذا المؤتمر المرتقب لقاءات متعددة بين الفصائل الفلسطينية العشرة, في محاولات لايجاد ما بينها من قواسم مشتركة تؤهلها للعمل المشترك في اطار جبهوي جديد يكون قادرا على تأسيس حالة سياسية يمكنها لجم النهج التنازلي للسلطة الفلسطينية, واستنهاض الجماهير الفلسطينية والعربية لتصعيد مقاومتها للاحتلال الصهيوني ولافشال اسرائيل في فرض مشاريعها لتصفية قضية فلسطين. غير ان جميع هذه المحاولات قد باءت بالفشل لاسباب عدة ليس الآن مجال سردها, منها ماهو موضوعي ويتصل بطبيعة المرحلة وما تعرضت له من متغيرات وما فرضته من وقائع وما افرزته من اولويات, ومنها ماهو ذاتي ويتصل بمدى ما تتمتع به بعض هذه الفصائل من صدقية في أهليتها وقدرتها على الاسهام في مجابهة التحديات الوافدة مع ما يسمى بـ (خيار السلام) لحل مسألة الصراع العربي ـ الصهيوني. على كل حال, ان يأتي هذا المؤتمر متأخرا افضل من الا يأتي بالمرة, خصوصا وانه لم يبق من عمر ما اسمته اتفاقية اوسلو بـ (المرحلة الانتقالية) سوى اشهر قليلة لتبدأ بعدها المفاوضات حول الوضع النهائي لفلسطين والفلسطينيين, ولعل في اتساع دائرة المشتركين في هذا المؤتمر الذي يضم بالاضافة الى الفصائل العشرة, عددا لا يستهان به من الفعاليات الفلسطينية المستقلة ذات التأثير الفكري والسياسي والثقافي في الساحتين العربية والفلسطينية ما يبعث الامل في امكانية نجاح هذا المؤتمر ولو في تشكيل النواة الاساسية لحركة وطنية تكون قادرة على الاسهام في وضع المخططات الاستراتيجية المطلوبة, فكرا وتنظيما, الكفيلة باستمرار العملية النضالية وحسم العملية الصراعية لصالح شعب فلسطين, اي استرداد ارضه وحقوقه غير القابلة للتصرف. ولكن.. ولكي لا يفشل هذا المؤتمر ويلحق بما سبقته من اللقاءات التي أشرنا اليها, لابد من الاتفاق مبدئيا, ومنذ البداية, على جملة من الأمور, وذلك بصراحة ودون مواربة أو أية محاولات للتذاكي ولا سيما من ممثلي الفصائل بالذات. أولا: الاقرار المسبق بأن المشاركين في هذا المؤتمر ليسوا من ذوي الرأي الواحد, وان اجمعوا على رفض اتفاقية اوسلو ونهج السلطة التنازلي, وان هذا المؤتمر ليس مؤتمرا حزبيا في اي حال من الاحوال, وانما هو مؤتمر وطني تتمثل فيه معظم (والمرجو كل) الاطياف والالوان السياسية والعقائدية في الساحة الفلسطينية, وبالتالي فان اي اطار تنظيمي للعمل المستقبلي المشترك لا يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار لا يمكن له ان يستمر. ثانيا: الاتفاق المسبق على ان هذا المؤتمر الوطني لا يدعي ولن يسعى ليكون (الممثل الشرعي والوحيد) لشعب فلسطين, وانما يدعو ويسعى لايجاد المرجعية التي تستطيع ادعاء هذا التمثيل الشرعي, وذلك بعد خروج القيادة الرسمية الحالية على النظام الاساسي للمنظمة سواء بالنسبة للمضمون السياسي (الميثاق) او على القوانين التي تحكم العلاقات بين مؤسسات هذه المنظمة وبخاصة مجلسها الوطني, وهو في هذا المجال سيسعى للتلاقي مع جميع المؤتمرات واللقاءات والتجمعات التي تدعو لنفس الهدف. ثالثا: التأكيد المسبق على ان هذا المؤتمر الوطني وان كان كل المشاركين فيه من فلسطينيي الشتات, لتعذر المشاركة الشاملة, فانه يرفض منطق تقسيم الشعب الفلسطيني, بين من في الداخل ومن في الخارج, او بين مقيم ونازح ولاجئ, ويؤكد حرصه على وحدة هذا الشعب وعلى اعتباره جزءا من امته العربية, كما يؤكد قناعته باستحالة تجزئة الحقوق الفلسطينية وبخاصة تلك التي اقرت بها الشرعية وحددت نصوصها قرارات الامم المتحدة, كالعودة وتقرير المصير والسيادة الوطنية. ومن هنا فان المؤتمرين في الشتات يتطلعون الى التكامل النضالي مع اخوتهم في الداخل والعمل على توظيف التبعثر الفلسطيني لصالح العملية النضالية بحسن توزيع الادوار والانسجام مع الاولوليات التي يفرضها كل مركز من مراكز التجمع الفلسطيني. رابعا: التأكيد على عروبة القضية وأهمية وحتمية الربط بين النضال الوطني والنضال القومي, وعدم السماح لأي نظام عربي من التخلي عن مسؤوليته تجاه هذه القضية واعتماد المقولة المشبوهة بالمواقف الوطنية المستقلة التي من شأنها التمهيد للمخطط الاسرائيلي باستفرادنا كما يحدث الآن دون اية خشية من عمل مشترك او حتى مجرد عقد قمة عربية. ولابد من التركيز على ان عروبة هذه القضية لا تنبع من الوجدان القومي وما يختزنه من ارث فقط, وانما تنبع من منطق عقلي ورصد واقعي لما يربط الاقطار العربية من مصالح مشتركة ابتداء من الحفاظ على امنها واستقلالها وصولا الى مشاريع التنمية الاقتصادية وتأمين مواردها الطبيعية. خامساً: التأكيد على أهمية البعد الدولي في التأثير على مسار القضية مما يستدعي استعادة الزخم السياسي المؤيد الذي كانت تحظى به القضية في المحافل الدولية والتكتلات الدولية والاقليمية ولا سيما منظمة المؤتمر الاسلامي التي لها من القرارات المتراكمة ما يكفل تفعيل النضال الفلسطيني وتصعيده فيما لو وضعت موضع التنفيذ. بعد هذه الملاحظات, وهي في قناعتي من نوع البديهيات التي لا يجوز الاختلاف من حولها, فان باستطاعة هذا المؤتمر ان يسير في اعماله في يسر وان يحقق بعض الانجازات المرجوة منه. وأول هذه الانجازات تسجيل موقف تاريخي بالاعلان عن رفض شعب فلسطين لأي مساس بالميثاق الوطني الفلسطيني, الذي لا يحق لغير شعب فلسطين, وعبر استفتاء شعبي دقيق المساس به, وخاصة فيما يتعلق بمضامينه الوطنية, وهذا انجاز غير قليل باعتباره الرد الوحيد الممكن على ما سيجري في غزة بعد ايام من محاولة لتجاوز الشعب بشهادة زور تقر رئيس السلطة الفلسطينية على رسالته للرئيس الامريكي الذي يتنازل فيها عن الميثاق تحت عنوان (تعديل) بعض بنوده. كذلك باستطاعة هذا المؤتمر الاعلان عن رفضه لاتفاقية اوسلو وما تفرع عنها واعتبار كل ما تم الاتفاق عليه بين السلطة وحكومة اسرائيل يبقى غير شرعي وبمعزل عن ممارسة شعب فلسطين لحقه في تقرير مصيره, ولكن لابد في نفس الوقت من الاعتراف بما عكسته هذه الاتفاقية من وقائع مادية على الارض, الامر الذي يستدعي التأمل في ايجاد الوسائل والطرق النضالية الكفيلة بتطوير هذا الواقع بما يضمن استمرار النضال وصولا الى الاهداف المرجوة, وفي هذا الاطار لابد من تحديد الاولويات والتمييز بين الخلاف مع السلطة والتناقض مع اسرائيل, ان لغة الخطاب السياسي, بعد اتفاقية اوسلو باتت بحاجة ماسة الى تطوير يتناغم مع اوضاع شعبنا ومآسيه الجديدة. وثاني هذه الانجازات, هو ايجاد هذه النواة التأسيسية لاعادة تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية, وذلك من خلال لجنة للمتابعة والاتصال يكون في طليعة اهتماماتها البت في مصير منظمة التحرير والسبل الكفيلة باستردادها لكنف الشرعية, او البدائل التي يمكن اعتمادها في حالة عدم الاقتناع بهذه الامكانية او العجز عن استردادها. وثالث هذه الانجازات: هو خلق عنوان جديد, ولو مؤقت للشعب الفلسطيني من خلال هذا المؤتمر الوطني ولو كمرجعية للمعارضة ولجماهير شعبنا المقيمة في الشتات وتعاني من العديد من المشاكل الحياتية في الوقت الحاضر بانتظار استرداد العنوان الاصيل الذي يمثل الجميع دون استثناء. ورابع هذه الانجازات: يتجلى في هذه الفسحة السياسية الجديدة لابناء الجيل الجديد من شعب فلسطين, ممن انعكست عليهم التجربة النضالية السابقة بايجابياتها وسلبياتها, وذلك بهدف تعزيز اواصر التواصل بين الاجيال ومحاولة الافادة من التراكمات النضالية والتجارب السابقة, وضرورة الحرص على تداول السلطة وتسليم الشعلة من جيل الى آخر. وبعد, ان هذا المؤتمر الذي سترصده كل الدوائر السياسية المعنية بمسيرة التسوية, وتتطلع اليه قطاعات واسعة من ابناء شعب فلسطين, وبخاصة تلك التي تعيش في المنافي في اجواء من الاحباط واليأس الرهيب, يضع (المعارضة الفلسطينية) في الميزان, ومن موقع الحرص على ان تكون لشعب فلسطيني معارضة بناءة وقوية, فإني اتمنى على القيمين على هذه المؤتمر ان يزنوا وان يدققوا في كل ما سيصدر عنهم, لان المسألة اخطر من مناورات المزايدات ومغامرات التنازلات, انها مسألة المصير الفلسطيني, لا المصير العربي بأسره, وبخاصة الدول المضيفة للاجئين. فاذا لم يتميز هذا المؤتمر عما تعودنا عليه من (همروجات) الماضي التي كانت تقاد من وراء الكواليس من دون شفافية وصراحة, فلن يكون مصيره سوى الفشل المبين. فلتكن بداية متواضعة وجادة فتنمو وتكبر مع الممارسة, لخير ألف مرة من صوت عال وصراخ ضاج مآله الذهاب وادراج الرياح.