على أبواب العهد الجديد في لبنان: لعبة البدل بين الاشكاليات الطائفية:بقلم-نصير الاسعد

خلال السنوات الماضية بعد الطائف, كان الوضع في لبنان غير طبيعي. كان بالتحديد التوازن السياسي المختل في غير صالح المسيحيين لاسباب متنوعة بعضها مسيحي, كان هناك خلل ناتج عن العلاقة المأزومة بين المسيحيين والنظام ... والدولة . عن هذه العلاقة المأزومة بين المسيحيين والنظام والدولة, نتج صعود للطائفتين الاسلاميتين السنة والشيعة بامكانات واسباب مختلفة لكل منهما, وكان افتراض بامكان وراثة (تركة) الطائفة المارونية. التعبير السياسي, عن ذلك كان صراع المحاصصة .. وكان (الترويكا) التي لا نص دستوريا عليها .. كان دورا متصاعدا لرئيسي المجلس النيابي والحكومة اذا. هذا الوضع لم يكن طبيعيا وهز الاستقرار السياسي للبلد, ويفترض اليوم واكثر من اي يوم مضى ان نعيه على هذا الاساس, وبمجيء رئيس مسيحي قوي للجمهورية مؤيد من بيئته من ناحية ومدعوم على نطاق واسع من ناحية ثانية ... يتعدل التوازن السياسي ويقل خلله, هذا ما يجب ان يفهمه المسلمون, وان يتقبلوه, بكلام آخر, ان على المسلمين ان يتقبلوا ان ثمة انتقالا الى مرحلة جديدة, لسنا في صدد انتقال (مبسط) من عهد الرئيس الياس الهراوي الى عهد الرئيس اميل لحود, نحن في صدد انتقال من توازن سياسي الى توازن سياسي آخر, من شراكة معينة الى مشاركة اخرى تقتضي صياغتها بتوازن, حكمة سياسية من الجميع. في المقابل, تعتقد جهات مسيحية عدة ان مجيء رئيس مسيحي قوي, سيعيد للرئاسة الاولى امجاد الجمهورية الاولى, قافزة بذلك فوق الدستور, وفوق حقيقة ان لبنان لايخضع لنظام رئاسي. الشعور المسيحي بـ (العودة) الى المعادلة , بالغ الايجابية ونقدره حق قدره, لكنه يبدو مصحوبا برغبة عارمة في استعادة صلاحيات, ويعتبر بعض المسيحيين ان التأييد الشعبي العابر للطوائف الذي لقيه انتخاب العماد لحود, قابل للتوظيف السياسي, اي انهم يعتبرون - او يكادون - ان التوازن السياسي المعدل يمكن ان يفرض تطبيقا مختلفا للنصوص, متناسين ان لرئيس الجمهورية صلاحيات محددة, وهي ليست قليلة على كل حال. سيكون الوضع آن ذاك غير طبيعي ايضا, نفهم ان تطبيق النصوص يخضع لتوازن سياسي ولكننا نفهم في الوقت نفسه ان احدا لايستطيع تجاوز التفاهم المحتوم مع الآخر ... وان المسألة تسويات في النهاية. نلخص ما سبق بالقول, ان ذهنيتين ليستا طبيعيتين, ذهنية استعادة الصلاحيات, وذهنية الخوف من تقلص الصلاحيات, فلا استعادة (الصلاحيات) منطقية, ولا اخذها كلها في ظرف مأزوم كان طبيعيا, لاهذه ولا تلك اذا, لان لبنان بلد (العيش المشترك) والتفاهم والتسوية. لسنا نتحدث هنا في القانون الدستوري, وللقانون اربابه على كل حال. نتحدث هنا في السياسة, و (الرسالة) التي نبثها من خلال هذه السطور, واضحة, ان تأسيس نظام سياسي يتجاهل الاشكالية المسيحية او يحاول القفز فوقها, هو سبب لأزمة وطنية - وافتراض اعادة تأسيسه بما يولد اشكاليات اخرى, هو سبب لأزمة وطنية ايضا. ولعبة (البدل) في الاشكاليات , بالغة الخطورة, ان ثمة اشكاليات بعدد الطوائف في لبنان, ولايجوز استمرار (تناوبها) على غير انقطاع .. ولابد ان يدرك الجميع انه بانتظار الغاء الطائفية السياسية في ظرف محدد وبتوازن محدد, لا بديل من الشراكة ... والحكم هو الدستور. صياغة شراكة جديدة ان تناولنا لهذا الموضوع اليوم, مرده الى ما يجري التداول فيه في بعض الكواليس السياسية , وفي بعض التحليلات الصحافية - السياسية, الموضوع السياسي الرئيسي هو هذا اذا, وعندما يكون الموضوع السياسي الرئيسي هنا فعلا, فمعنى ذلك ان البحث يجب ان يسبق اي بحث آخر, هو بحث في الوفاق الوطني اللبناني بامتياز .. في وقت نبدو فيه وقد عدنا الى نقطة البداية, الشراكة ونظام الشراكة. كيف لايتحول نظام الشراكة الى هيمنة, وكيف لايتحول الى محاصصة, وكيف لايكون سببا لأزمة وطنية كبيرة؟ ونسارع الى القول في هذا المجال ان الاستنفارات - الطائفية - المتقابلة خطيرة جدا. ومن الطبيعي ان نأمل بالا يشهد البلد نزاع صلاحيات معززا بالواقع الطائفي - المذهبي, من هنا, فان انطلاقة مسيرة التغيير والاصلاح مع العهد الجديد, تواجه هذا التحدي الاول والابرز. عند انتخاب العماد اميل لحود رئيسا للجمهورية , قلنا ان ثمة حالة شعبية رافقت هذا الانتخاب, هي (هذه الحالة) غاية في الايجابية لكننا ومنذ البداية, حذرنا من المبالغات, لان التأييد الذي حصل عليه الرئيس لحود, هو تأييد (متناقض) اي انه لا يقوم على حيثيات واحدة عند الجميع, وما تكلمنا عنه حتى الآن, يهدف الى القول ان العهد الجديد مضطر لان يفكك هذا (اللغم) الذي من شأنه اذا لم يفكك ان يحدث فرزا طائفيا في الحالة الشعبية المؤيدة للرئيس العماد, وان يشكل عقبة امام التغيير والاصلاح, وما نشير اليه, ليس وهما, انه حقيقة سياسية بدأت تتكشف خلال الايام القليلة الماضية. الاختبار, هو ان ينجح العهد رئيسا وحكومة في تحقيق شراكة جدية, ونجاح العهد في هذا الاختبار سيشكل مساهمة كبرى في اطلاق توازن لبناني ضامن للتغيير والاصلاح. ان النجاح في اختبار التأسيس لشراكة جدية بالعلاقة مع الدستور هو لمصلحة كل اللبنانيين, العلاقة متبادلة بين (الدولة) و ( والمجتمع) فكل نزاع في الدولة والنظام يعزز الفرز في المجتمع, وكل نجاح يقلص فرصة, والامل بالعهد الجديد, ان يؤسس لتفاهم يطلق دينامية تسوية تاريخية في البلد. نقول ذلك لاننا من اللبنانيين الذين تعبوا من الاشكاليات خصوصا عندما تبدو عائدة الى نقطة الصفر, ان جانبا من المسألة يتعلق بسوريا, فسوريا التي رعت النسخة الاولى من النظام السياسي بعد الطائف, سترعى النسخة الثانية منه, وسوريا - في توازن القوى السياسي - هي عامل اول. ان دعم سوريا لانتخاب العماد اميل لحود رئيسا للجمهورية , ينجم عن رغبة سوريا في قيام تركيبة سياسية لبنانية متماسكة .. على توازن . والمناسبة الآن, ممكنة للتفاهم على شراكة جدية بحكم الدستور فيها .. ولا مبالغة في القول ان هذه هي رصاصة الطائف او خرطوشته (الاخيرة) تفاهم بين (اقوياء) ! لن تتأخر (الصورة) عن الاتضاح ففي 24 ديسمبر الجاري يلقي الرئيس العماد اميل لحود خطاب القسم المتضمن ملامح العهد وفكره وثقافته ونهجه. لن يخيب الرئيس لحود الآمال المعقودة عليه ... لكننا نفترض انه سيجعل من خطاب القسم كتاب توعية لبنانية الى القضايا وحجمها والجهد المطلوب بذله ... اي اننا نفترض انه مسلحا بالدعم الشعبي , سيسعى الى عقلنة التوقعات حتى يستطيع اللبنانيون استقبال كل انجاز, وحتى يحول دون احباطات لاحقة لامبرر لها. لقد اردنا من خلال ما تقدم ان نقتحم الامال اللبنانية على خط عقلنتها, بطرح قضية قائمة, لابل قضية تطالع العهد الجديد ... قضية لم نفتعلها, بل هي موجودة فعلا. عندما نقول ان لبنان - الطائف امام خرطوشة اخيرة مع مجيء الرئيس اميل لحود , فمعنى ذلك اننا من المؤمنين باهليته وكفاءته وطاقته فضلا عن تجربته الناجحة. لكن من واجبنا كمحللين سياسيين ان نلفت الانتباه الى حيث هناك (مشروع مشكلة) , وهذا ما فعلناه. المهم اننا مع ايماننا بسيد العهد واهليته, نطرح امرين متلازمين: تأسيس شراكة جدية في الدولة والنظام من جهة, وانطلاق دينامية لبنانية في المجتمع تحصن صيغة الشراكة وتطورها وتفتح طريق تسوية تاريخية ... وتحقق الاصلاح والتغيير من جهة ثانية, ان من واجب التيارات اللبنانية ان تحضر بقوة في هذه المرحلة, والهدف تشكيل سد منيع في وجه التجاذبات المؤذية, والتأسيس لتوازن وطني - سياسي تغييري, والديمقراطية السياسية هي السلاح. نتمنى للعهد الجديد النجاح اولا في اطفاء (البؤر) بالسياسة الحكيمة, وثانيا في انطلاق مسيرة اصلاحية متدرجة تنقل لبنان الى المستقبل وفي يد الرئيس لحود شطر من امكانات النجاح, وفي يد الاخرين الشرط الآخر, حتى تصبح للوطن ضمانته الذاتية في تسوية كبرى بين بنيه!.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات