أبرز ما كشفت عنه التطورات الاخيرة في الجنوب اللبناني هو خطورة المأزق الذي تواجهه اسرائيل بمواصلة احتلالها لجنوب لبنان من جهة, وعدم تقدم الموقف الاسرائيلي خلال الاشهر التي اعقبت إعلان حكومة بنيامين نتانياهو في ابريل الماضي عن استعدادها للإنسحاب, من جهة اخرى. وفي الواقع فان الضربات الموجعة التي وجهتها المقاومة الوطنية اللبنانية الى قوات الاحتلال في الآونة الاخيرة احدثت تأثيرها المطلوب, ليس فقط بتأكيد دور المقاومة ومسؤولياتها الوطنية واسلوب تعاملها مع الاحتلال, وانما ايضا بتذكير الحكومة الاسرائيلية بمأزقها المستمر.. وبأنها لا تستطيع ان تحوّل هذه المشكلة الى واقع دائم تتعايش فيه المناطق المحتلة مع الاحتلال. فاذا كان هذا هو الخيار الاسرائيلي الحقيقي, بغض النظر عن ردود الفعل الداخلية ــ بوجه خاص ـ وعن الاصوات التي ترتفع بالشكوى والاحتجاج بين الحين والآخر بسبب تزايد الخسائر البشرية بين الجنود الاسرائىليين, فلا مجال أمام قوات الاحتلال الا ان تستمر في دفع هذا الثمن الباهظ, ولكن الى متى؟! لابد من ملاحظة ان المأزق الاسرائىلي في لبنان ازداد تعقيدا في اعقاب اتفاق (واي بلانتيشن) على عكس ماذهبت اليه بعض التحليلات المتسرعة. فالاتفاق الاسرائيلي ـ الفلسطيني الاخير كرس قاعدة (الامن مقابل الارض بدلا من قاعدة (الارض مقابل السلام) التي اعتبرت ابرز مبادىء التسوية السلمية. ومن الطبيعي ان تحاول الحكومة الاسرائيلية اعتماد هذه القاعدة ايضا في أية محاولة للتسوية على المسارين السوري واللبناني, على الرغم من ان محاولتها الاخيرة في هذا الشأن (ابريل الماضي) رفضت جملة وتفصيلا. فالكلام الاسرائىلي الرسمي, قديمه وجديده, يربط الانسحاب دائما بالشرط الامني اساسا. والشرط الامني, كما عبرت عنه حكومة نتانياهو بوضوح كامل يعني الحصول على ضمانات امنية تشبه ــ الى حد كبير ــ الضمانات التي استطاعت ان تفرضها على الجانب الفلسطيني في مفاوضات (بلانتيشن) تضاف اليها مسألة ضمان مستقبل المتعاونين معها في جنوب لبنان من جماعة انطوان لحد, وذلك بجعلهم جزءا من التسوية النهائىة. الى ذلك, فان الحكومة الاسرائىلية مازالت تصرّ على فصل المسارين اللبناني والسوري توصلا الى عقد اتفاق منفرد مع لبنان على الرغم من معرفتها الاكيدة بان مثل هذا الاحتمال مستبعد كليا وغير قابل للبحث (في بيروت ولا في دمشق كما اظهرت ملابسات المواجهة الدبلوماسية السابقة. ولقد اعاد الرئيس اللبناني الجديد العماد اميل لحود تأكيد هذا الموقف لدى ادائه اليمين الدستورية قبل ايام قليلة وهو كان عبر عن موقف مماثل في مناسبات عديدة سابقة بصفته قائداً (للجيش اللبناني) . ومن الواضح انه ليس ثمة ما يشير الى وجود رغبة اسرائىلية في استئناف المفاوضات على المسار السوري بل على العكس من ذلك فان كل الخطوات الاسرائىلية الحالية, كما السابقة, تدل على التمسك ببقاء الاحتلال في مرتفعات الجولان السورية ورفض الدخول في اية مفاوضات جدية تتعلق بالانسحاب منها. ويجمع المراقبون على ان بنيامين نتانياهو سيواصل اتباع سياسة اقفال الباب امام أية محاولة تستهدف احياء المفاوضات على المسار السوري, من الآن وحتى إجراء الانتخابات التشريعية الاسرائىلية على الاقل. فهو يرفض التخلي عن هذه الورقة الانتخابية القوية والتي يأمل ان تعيده الى رئاسة الحكومة مرة اخرى, الى جانب ورقة المكاسب الامنية التي حققها على المسار الفلسطيني, في الوقت الذي يواصل سياسة التوسع الاستيطاني في مختلف انحاء الضفة الغربية. فوثيقة التفاهم التي تم التوصل اليها برعاية الادارة الامريكية لوقف كل الاجراءات الاحادية الجانب, لاسيما تلك التي تسبق مفاوضات الوضع النهائي ونتائجها, تصبح في هذه الحالة وكأنها مخصصة للجانب الفلسطيني فقط وتستهدف تقييد حركته, ومن المؤكد ان ذلك يصبح كله مكسبا اسرائىليا خالصا. ازاء ذلك ليس من المتوقع ان تسحب اسرائىل قواتها خلال الفترة المتبقية من ولاية بنيامين نتانياهو, لامن مرتفعات الجولان السورية ولا من جنوب لبنان, برغم مايقال عن محاولات امريكية تبذل الآن في هذا السبيل. فاقصى ما تريده الادارة الامريكية في هذه المرحلة هو مواصلة تطبيق اتفاق (واي بلانتيشن) من جهة, وتجنب التصعيد العسكري بين القوات الاسرائىلية ومقاومي احتلالها من جهة ثانية. وفي هذا المجال فان الموقف العام اصبح محكوما بحالة افتراق حاسمة. ذلك ان اسرائىل تبدو مصرة على مواصلة احتلالها لمرتفعات الجولان وجنوب لبنان. وبالمقابل فان القيادة السورية تصر بدورها على استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها قبيل اغتيال اسحق رابين. كذلك يرفض لبنان أية تسوية منفردة ومستندة الى العامل الامني فقط. فقرار مجلس الامن الرقم 425 ينص على انسحاب اسرائيلي غير مشروط من جنوب لبنان, والحكومة اللبنانية تتمسك بتنفيذ هذا القرار بنصه الحرفي دون إدخال أية تعديلات جديدة عليه. وهكذا تبقى المشكلة تتراوح مكانها: فكما ان الانسحاب الاسرائىلي من جانب واحد غير وارد في الوقت الحاضر, فليس ثمة فرصة لأية مفاوضات جدية تتعلق بالمسارين اللبناني والسوري في الوقت الحاضر. وامام هذا المأزق تظل عملية التصدي للاحتلال الاسرائىلي هي الحقيقة الوحيدة القائمة مهما تكن خطورة الموقف الناشىء عن هذه المواجهة. كاتب لبناني مقيم في باريس*