قمة باريس وعلاقات العرب الثقافية بافريقيا:بقلم- يوسف الشريف

دعتني الدكتورة نازلي معوض مديرة مركز الدراسات السياسية التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة, الى اعداد بحث للنقاش امام المؤتمر السنوى الثاني عشر الذي ينظمه المركز هذا الاسبوع, يتضمن رؤيتي الصحفية لعلاقات مصر الثقافية بدول حوض النيل والقرن الافريقي في الماضي, والحاضر, والمستقبل ! يتزامن انعقاد المؤتمر مع نهاية اعمال القمة الفرنسية الافريقية, التي شاركت فيها مصر ممثلة في الرئيس حسني مبارك لاول مرة, مما يطرح سؤالا حول حاضر ومستقبل العلاقات المصرية الافريقية بشكل خاص والعلاقات العربية الافريقية بشكل عام, في الوقت الذي يشهد العالم خلال النصف الاخير من القرن العشرين ظاهرة قيام التكتلات الدولية والتجمعات الاقليمية التي تسعى الى خلق صيغ للتعاون والتنسيق بين الدول الاعضاء في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والامنية! واذا كانت فرنسا قد نجحت في تعزيز روابطها في البداية مع الدول الافريقية التي رزحت ردحا من الزمان تحت نير الاستعمار الفرنسي, حفاظا على مصالحها الحيوية في افريقيا واعلاء مكانتها الدولية, ومن ثم اختارت التكفير عن عقدة الذنب الاستعمارية, عبر تنمية العلاقات الثقافية مع الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية المعروفة باسم الفرانكفونية في مؤتمري القمة الاول عام 1973, والثاني عام 1975. الا ان فرنسا لم تأل جهدا بعد ان تخلصت من عقدة الذنب في الولوج الى افريقيا عبر البوابة الثقافية, في استيعاب المزيد من الدول الافريقية غير الناطقة بالفرنسية في مؤتمرات القمة وحضورها بصفة مراقبين عام 1981, ثم اعضاء اساسيين في قمة عام 1987, وحتى وصل العدد في قمة (واجادوجو) عام 1996 الى خمسين دولة افريقية. وقد لجأت فرنسا الى اسلوب مبتكر للقمة, حين الغت جدول اعمالها مسبقا على غير العادة وتركت للرؤساء الافارقة تحديد القضايا والمشكلات الملحة الاولى بالبحث والنقاش, ومن ثم تراوحت ــ حسب الظروف والمستجدات ــ بين التنسيق والتعاون في مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية والادارية, فيما اقتصرت قمة باريس الاخيرة على موضوع الامن في ضوء تصاعد النزاعات العرقية والدينية والحدودية, كونها اخطر مهددات التنمية والاستقرار والرفاهية, على نحو ما يجرى الان في الصومال والقرن الافريقي والجزائر ورواندا والكونغو والسودان. ومن هنا تبدو الحاجة ماسة والمهمة عاجلة ازاء مراجعة ودراسة التجربة الفرنسية الافريقية, والاستفادة من العامل الثقافي كمدخل اليه لدعم جسور العلاقات العربية الافريقية, عبر وصل ما انقطع من وشائجها. وتروي البرديات وكتابات وصور المعابد والمقابر الفرعونية, الكثير من الحقائق التاريخية الموثقة حول العلاقات المصرية الافريقية, ودور النيل كشريان للحياة وهمزة وصل جغرافي وديمغرافي وسياسي وثقافي واجتماعي بين مصر والشعوب والممالك والسلطنات التي كانت حاضرة على حوض النيل وحتى بلاد بونت التي عرفت بعدئذ بالصومال, وكيف كان ملوك مصر الفراعنة يتبادلون الحكم على ربوع وادي النيل مع اقرانهم السودانيين وبينهم الملك بعانخي وترهاقا. وقد تميزت اللغة المصرية بأنها اكثر اللغات الحامية تأثرا بالسامية او العربية القديمة عبر اتصال المصريين بالكنعانيين والسريان, وهكذا ايضا تأثرت افريقيا ثقافيا بالاغريقيه الرومانية وبالمسيحية والاسلام عبر البوابة المصرية السودانية, وبالهجرات العربية عبر الصحراء الغربية والبحر الاحمر. الافريقية والعروبة, خاصة وان ثقافة الاسلام, لاتعتمد على اللغة الا كونها اداة للتواصل, بنيما اعتمادها الاساسي على العقيدة المتمكنة من عقلية المسلم كيفما كانت لغته ولهجته, الامر الذي مكن للافارقة المسلمين تدوين تعاليم الاسلام بلغاتهم المحلية, ثم ان الاسلام يعتمد العقيدة فقط ولا يعتمد العرقية او اللونية او اللغة, ودعوته تكمن في السلام والمساواة وتآزر البشرية مصداقا لقوله تعالى (فكلكم من تراب) وقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, ان اكرمك عند الله اتقاكم) , وهكذا ما ان دخل الاسلام الى افريقيا حتى وجدت فيه ما يؤكد شخصيتها, فلا شوفونيه ولا تعصب ولا استغلال ولا استيطان, وانما رسالة سامية تحافظ على القوميات والشخصية الذاتية للشعوب في اطار وحدة التوحيد, او هي وحدة عقائدية داخل التعدد القومي, وتلك على حد تقدير الاستاذ عبدالهادي بوطالب المدير العام للمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة عبقرية الاسلام وسر خلوده. بعد نكسة يونيو 1967 عبر اجماع الدول الافريقية على قطع علاقاتها مع اسرائيل, ثم ان تعود العلاقات الافريقية الاسرائيلية افضل مما كانت عليه, عندما تراخى الاهتمام العربي بافريقيا, وذلك ان علاقات الدول والشعوب اخذ وعطاء ومصالح متبادلة, ولعل اقرب مثال يؤكد هذه الحقيقة موقف الزعامات الافريقية عندما كسروا الحصار الدولي المفروض على ليبيا وفاء لمعوناتها المادية ودعمها للقضايا الافريقية, وفي كل الاحوال يظل تعزيز العامل الثقافي في علاقات العرب بافريقيا مطلبا حيويا وهدفا استراتيجيا, وذلك ان الثقافة ليست ترفا في علاقات الشعوب, وانما عامل قوة يصب في مجرى السياسة واالتجارة والاقتصاد, كما وان ازدهار العلاقات السياسية من شأنه ان يفتح الطريق امام نمو وازدهار العلاقات الثقافية!

طباعة Email