لا حرية للبشر دون ان تتوفر لديهم القدرة على اتخاذ القرار:بقلم- د. تيسير الناشف

يحاول نهج, يطلق عليه تجاوزا واصطلاحا النهج العلمي, ان يحدد (الحقائق) وان يصدر الاحكام على اساس الدلائل. ينحو هذا النهج نحوا اكبر الى الموضوعية. ومن الضروري اتباع هذا النهج لأنه يحقق قدرا أكبر من الفهم, ومن المستحيل تحقيق الفهم التام . ومما لها اهمية كبرى العلاقات التي يقيمها المرء بهذه الدلائل الاكثر موضوعية. كل مرء يقرر ما هو الموقف الذي يتخذه حيال هذه الدلائل التي هي عوامل اكثر موضوعية. وعلاوة على هذه العوامل الاكثر موضوعية للمرء شواغل ذاتية وهي عوامل تؤثر في موقفه. والمحيطان: الاجتماعي والطبيعي, بما في ذلك العاملان: النفسي والبيولوجي, يحددان هذه العوامل الموضوعية والذاتية. والعوامل الموضوعية والعوامل الذاتية مختلفة ومتناقضة ولا يمكن التوفيق بينها. وبالتالي يقوم توتر بين مجموعتي العوامل هاتين. ولابد للمرء ان يتعلم ان يتكيف مع ذلك التوتر والتناقض وان يعيش في ظلهما. وفي الحياة التي يعيشها البشر ويتمتعون بها لديهم ميل الى تجنب الالتزام, لأنهم يعتبرونه مقيدا (بكسر الياء). وهو كذلك حقا. والاختيار نوع من الالتزام. وبالنظر الى ان الالتزام مقيد ينزع المرء الى تجنب القيام بالاختيار. ولكن تمر على المرء أوقات وظروف حياتية معينة لا يمكنه فيه تجنب القيام بالالتزام او اختيار قرار الالتزام او القرار الملزم. حينئذ يضطر المرء الى ان يقرر الاختيار., وتوجد خيارات مختلفة ومتناقضة. وحينما يقوم مرء بالاختيار لابد له من ان يختار خيارا من هذه الخيارات البديلة والمتناقضة. واذا اتخذ ذلك القرار ادى الى قدر اكبر من الجدية والاستقرار في الحياة. ولا يكون ذلك المرء فردا الا اذا اتخذ القرار بالالتزام. واذا اتخذ آخر او آخرون قرارا عنه او اذا سمح لهم بأن يتخذوا قرارا عنه فقد هو فرديته. ان تقدم العلوم وتطور المجتمعات وارتقاء الحضارات لا ترفع عبء مسؤولية اتخاذ القرار عن الفرد. وبهذه العملية, عملية اختيار خيار من خيارات مختلفة ومتناقضة, تنمو شخصية المرء وتتطور. وعدم القيام بالاختيار ليس من شأنه ان يساعد على نمو الشخصية وتطورها. ومن هنا يتضح ان نمو الشخصية يكون بتفضيل خيار على خيارات اخرى. والفهم البشري ليس موضوعيا. انه مقيد بقيود فكرية وأيديولوجية ونفسية وثقافية وقيمية وتراثية. وهو مزيج من الموضوعية والذاتية والانتقائية والتقييم. ولا يمكن الفصل التام لاحدى هذه العوامل عن الأخرى. وبما ان الفهم البشري ليس موضوعيا فإنه ليس كاملا. وفهم التاريخ ايضا ليس عملية مكتملة ناجزة ولكنه عملية متطورة مستمرة. فبالنظر الى ان الفهم الحالي هو الذي يسهم في تحديد فهمنا للماضي فإن الماضي ــ في المفهوم البشري ــ ليس عملية مكتملة. ان الماضي في المفهوم البشري عملية مستمرة تنشط بديناميكية الظروف المختلفة التي تشكل الفهم البشري. ونظرا الى ان التاريخ نابع من الفهم البشري, اي ان التاريخ يجري بالفهم البشري, فإنه, أي التاريخ, يعاني من العيوب التي يعاني منها هذا الفهم, ومنها الانتقائية والذاتية. وبالتالي يأتي التاريخ مشوبا بهذه العيوب. ومن ثم فإن التاريخ لا يطابق السجل التاريخي الحقيقي. وللقيود التي تقيد الفهم البشري أثر في الفهم البشري للتاريخ. ومن هنا تتضح العلاقة المتبادلة بين الماضي والحاضر, وتبعا لذلك بين الماضي من ناحية, والحاضر والمستقبل من ناحية اخرى. وحتى حينما يمارس الماضي بالقيود المذكورة. وبالتالي, حينما نقول ان الماضي يمارس تأثيره في الحاضر فإن ذلك انعكاس لفهمنا الحالي للماضي على حاضرنا. ويبين ذلك ان الماضي لا يتحكم بالحاضر وان فهمنا الحالي المنبثق عن ظروفنا الطبيعية والاجتماعية والنفسية في الحياة يؤكد نفسه على الواقع عن طريق تسخير الفهم الحالي للماضي في عملية فهم الحاضر. وكما ان الماضي ليس ثابتا فإن المستقبل منفتح على شتى البدائل. والقرار الذي يتخذه البشر في الحاضر هو احد العوامل المهمة التي يتوقف عليها المستقبل, ويمكن التوسل بوسائل مختلفة لتحسين الفهم البشري للماضي. ومن هذه الوسائل زيادة الوعي بتدخل ميولنا الذاتية في فهمنا للماضي, ولتحسين هذا الفهم ثمة حاجة ايضا الى استعمال انفتاح المستقبل نموذجا لفهم كيفية حدوث الماضي. واتخاذ مرء لقرار عبارة عن ممارسته للحرية, ولا حرية دون توفر الفرصة لان يتخذ المرء القرار, والبشر بحاجة الى اكتشاف حريتهم لان هذا الاكتشاف من شأنه ان يساعد في ممارسة الحرية ويحقق هذا الاكتشاف باكتشاف كيفية غياب الحاجة الى ان يقرر الماضي المستقبل ونحن البشر بحاجة الى ان يكون بوسعنا ان نقرر مقدار الماضي الذي نريد ان ندخله في حاضرنا. وبالنظر الى ان الفهم البشري محدود بحدود موضوعية وذاتية فانه لايساعدنا على معرفة كل الاحداث والحقائق التاريخية لهذه المحدودية يمكن ان يوصف الفهم البشري بأنه حاجز بين الانسان من ناحية والاحداث والحقائق من ناحية ثانية وتلك العوامل المذكورة ــ أي محدودية الفهم البشري واستحالة الفصل التام بين الذات والموضوع والانتقائية ــ وغيرها تحول دون تحقيق الاتصال الفكري الامثل وعدم تحقيق هذا الاتصال سبب رئيسي في عدم وعي الحقيقة او في نقص وعيها. وتتسم حياة البشر الداخلية بالافتقار الى البنيوية وعلى الرغم من انها قد تبدو بنيوية فإنها ليست كذلك وكون حياة البشر الداخلية مفتقرة الى البنيوية يعني ان حياة البشر غير مقررة وان لقرار المرء دورا كبيرا في تقرير حياته ولمجموعة الامكانيات والاحتمالات والمصادقات والفرص والحظوظ دورها في حياة البشر, ومن الطبيعي ان تلك المجموعة تحدث احيانا, وحدوث تلك في احيان مختلفة يعني اهمية اقتناص الوقت لتحقيق تلك الامكانيات والاحتمالات وللاستفادة من المصادفات والفرص والحظوظ. ويختلف البشر بعضهم عن بعض في مدى وعيهم بهذه الظواهر, ووعي الانسان بوجود هذه الظواهر من شأنه ان يكون عاملا في تشكيل حاضره ومستقبله, فبتوفر الوعي والقدرة على اتخاذ القرار يمكن للانسان ان يكون له دور اكبر في اغتنام الفرص وانتهاز المصادفات والاستفادة من الاحتمالات والحظوظ وتحقيق الامكانيات, وبتوفر الوعي والقدرة على اتخاذ القرار يمكن للانسان ان يتحكم في الامور وان يكون مؤثرا في الارض التي يعيش على سطحها وفي الفضاء وفي الكواكب. ويمكن تحقيق قدر اكبر من الوعي بالحقيقة وبالمشاكل التي ينطوي عليها التوصل الى الحقيقة عن طريق التوعية من جانب من يتوفر لديهم قدر اكبر من الوعي, والذين يتوفر لديهم قدر أكبر من الوعي هم الذين حققوا قدرا اكبر من الفصل بين الموضوع والذات والذين حسنوا فهمهم بازالة قدر اكبر من الحواجز بين الوعي والموضوع, وتكون عملية التوعية هذه اماقولا او كتابة. وعن طريق هذه التوعية تتحقق لدى الفرد قدرة كبرى على اتخاذ القرار على اساس اكثر وعيا, وبالتالي تتعزز لدى ذلك الفرد صفة التحكم والحرية ويقل توقف قراره بشأن حياته وحاضره ومستقبله على المجهول. كاتب وباحث عربي مقيم في نيوجيرسي*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات