بين التمويل الاجنبي والحصار الوطني: حقوق الانسان ... وحقوق الوطن: بقلم- جلال عارف

أعلنت منظمة حقوق الانسان المصرية تجميد نشاطها احتجاجا على حبس امينها العام حافظ ابو سعده 15 يوما على ذمة التحقيق في واقعة تسلمه شيكا بخمسة وعشرين الف دولار من السفارة البريطانية بالقاهرة ... قالت النيابة انه كان على سبيل الرشوة لتقوم المنظمة بكتابة تقرير عن احداث (الكشح) الطائفية يسيء لسمعة مصر .. بينما نفت المنظمة ذلك, وقالت ان الشيك جزء من اتفاق قديم لتمويل بعض نشاطات المنظمة, وقد تسلمت المنظمة مبالغ اخرى قبل ذلك وفقا لهذا الاتفاق, وانه لاعلاقة على الاطلاق بين (الشيك) وبين التقرير الذي تناول تجاوزات الشرطة مع اهالي قرية (الكشح) عند التحقيق في مقتل اثنين من الاقباط اثناء لعب القمار, وهو التقرير الذي اساءت استخدامه بعض الجهات الاجنبية لتوجيه حملة تزعم اضطهاد الاقباط في مصر. وهكذا انفجرت قضية جمعيات حقوق الانسان في مصر مرة اخرى, بعد سنوات من الاخذ والجذب منذ الولادة القيصرية التي تمت بها في اعقاب انشاء المنظمة الام, المنظمة العربية لحقوق الانسان التي رفضت كل الحكومات العربية ان يعقد مؤتمرها التأسيسي على ارضها, وكانت النتيجة ان تم مولد المنظمة العربية في قبرص, بل وكادت تولد في عرض البحر حيث كان هناك اقتراح باستئجار باخرة لعقد المؤتمر عليها في المياه الدولية للبحر المتوسط. بعدها بدأت المنظمات القطرية في الظهور, واستطاع بعضها انتزاع الشرعية القانونية واستطاع بعضها انتزاع شرعية الامر الواقع كما حدث في مصر, حيث نشأت المنظمة المصرية كمشروع تحت التأسيس رفضت السلطات منحه الموافقة على تحويله لجمعية رسمية ومع ذلك كانت البداية قوية وكانت المنظمة تمثيلاً حقيقياً لكل المناضلين من اجل حقوق الانسان من مختلف التيارات السياسية. ثم بدأت النزاعات والانشقاقات, التي رافقتها احاديث كثيرة عن التمويل الاجنبي الذي لجأت اليه الكثير من هذه المنظمات التي ترفع لافتة حقوق الانسان وتفاوتت مواقف هذه المنظمات من قضية التمويل الاجنبي.. المنظمة العربية الام لم تلجأ لهذه الوسيلة.. ربما لتوافر التمويل الداخلي من اعضائها البارزين, وبعض المنظمات وضعت قيودا على قبول التمويل واشترطت الا يكون من جهات حكومية وان يبتعد عن الاغراض المشبوهة, والبعض الآخر فتح الابواب على البحري. ويبدو ان هذا الوضع كان مريحا للجميع الذين اتخذوا من حقوق الانسان قضية حقيقية لنضالهم ووجدوا المجال لتحقيق شيء من ذلك, والذين ارادوا تحويلها لمشاريع خاصة وجدوا المجال لذلك, والسلطة كانت راضية الى حد ما, فالمنظمات تعمل لكي تحقق شيئاً من الوجاهة الديمقراطية الموجودة, وفي نفس الوقت تمسك الحكومة بالكثير من اوراق اللعبة واولها عدم الترخيص لهذه المنظمات كجمعيات اهلية, وهو الامر الذي احتالت عليه المنظمات اخيراً باعلان نفسها كشركات تخضع لوزارة الاقتصاد استغلالا لبعض الثغرات القانونية المتاحة. ولا شك ان العديد من هذه المنظمات قد ادت خدمات كثيرة للديمقراطية والحريات, ولكن ظلت قضية التمويل الاجنبي احدى السلبيات التي ترافق نشاطها مع السلوك الشخصي لبعض القائمين على بعض الجمعيات الصغيرة الذين جعلوا هذه النشاطات, وهو امر تتحمل الحكومة مسؤوليته, فلو أنها وفرت الشكل القانوني المحترم لهذه الجمعيات, واضفت الحماية على نشاطاتها, ووضعت الضوابط لعملها, والزمت الجميع بأن يكون كل شيء في النور, وان تخضع كل الحسابات للمراجعة الرسمية وان يكون مبدأ الشفافية هو السائد, وان يتم الاعلان عن حقيقة التمويل ومصادره ووجوه انفاقه... لو تم ذلك لتغيرت الصورة. لكن ذلك لم يكن ممكنا فيما يبدو, في ظل فوضى ضاربة كانت تظلل موضوع المعونات الاجنبية ومازال المجتمع يعاني منها حتى الآن, كان صعبا على جهات رسمية تعتمد على المعونات الاجنبية في الكثير من نشاطاتها ان تدين التمويل الاجنبي للجمعيات الأهلية ومنها جمعيات حقوق الانسان او تطالب بوضع الضوابط عليه, خاصة ان المنظمات التي كانت تعرض المعونات على هذه الجمعيات كانت هي نفسها المنظمات التي تقوم بتمويل برامج لتنظيم الاسرة وبرامج لتحديث اجهزة الاعلام وغيرها من البرامج التي شهدت فوضى ومخالفات كانت مجالا للتحقيق وحديثا للمجتمع. وايضا كان الحديث عن تمويل الجمعيات يفتح ابوابا اخرى لا يريد الكثيرون ان تفتح ومنها قضية البحث العلمي وفوضى التمويل الاجنبي الذي تسرب اليه, والذي ادى الى انفراط عقد مؤسسات علمية مصرية محترمة, ذهب الباحثون فيها للعمل في مشروعات بحثية بتمويل اجنبي ولاغراض تتفق مع مصالح الممولين حتى ولو كانت على حساب المصلحة الوطنية والامن القومي ومستقبل البحث العلمي ومؤسساته المحلية. وفي الاونة الاخيرة بدا ان هناك خطوات تصحيحية كثيرة يتم اتخاذها, سواء لضبط العمل في مجال البحث العلمي وانهاء الفوضى فيه واخضاع التمويل الاجنبي للرقابة والمحاسبة أو في الانتهاء من مشروع جديد للجمعيات الأهلية يضفي الشرعية القانونية على المنظمات التي تعمل في هذا المجال, ويفتح أمامها أبواب العمل في حدود القانون وتحت حمايته, وهو مشروع قانون يفترض ان يبحثه مجلس الشعب في هذه الدورة, وأن يكون مجالا لحوار وجدال قبل اقراره. في هذا التوقيت بالذات تتفجر أزمة المنظمة المصرية لحقوق الانسان, ويتم حبس امينها العام احتياطيا, وترد المنظمة بتجميد نشاطها. ولاشك ان السلطة تريد ان تبعث برسالة للجميع ــ في الداخل والخارج ــ بأن الوحدة الوطنية هي قدس الأقداس, وبأن محاولة اثارة الطائفية في مصر لن يكون معها اي تسامح. وقد تكون النوايا طيبة, ولكن الاعمال ليست بالنيات, فالحبس الاحتياطي هنا لا مبرر له ولا حاجة اليه, وتوجيه تهمة الارتشاء لمنظمة تقودها اسماء مثل يحيى الجمل وسليم العواد وعبدالعزيز محمد أمر يثير الشكوك, وتقرير المنظمة عن حادث (الكشح) قد يكون فيه بعض المبالغة كما قيل (لم أطلع عليه للأسف الشديد) ولكن التقرير ليس هو الذي خلق القضية, وإنما القضية خلقتها تصرفات حمقاء لبعض رجال الشرطة, وتعتيم اعلامي لا مبرر له, وغياب للحوار حول قضايا الوطن مما يخلق مناخا غير صحي وغير ديمقراطي تطل منه اتجاهات التطرف. تفجرت أزمة لا مبرر لها, وسوف يتم استغلالها كالعادة من المتربصين بمصر للاساءة اليها, وسوف يعود الحديث مرة اخرى عن احداث (الكشح) مضافا اليها وقائع (الهجمة) على حقوق الانسان من جهات نعرف انها لا تفعل ذلك لوجه الله ولا لوجه حقوق الانسان. إن الأمر يحتاج من الجميع الآن إلى وقفة شجاعة مع النفس قبل أن تكون مع الآخرين, وقفة تحافظ على كل ما كسبناه في مجال حقوق الإنسان, ولا تفرط في شيء من حقوق الوطن, وقفة تدرك فيها السلطة أنها تخطىء حين لا تفتح الأبواب للتطور الديمقراطي الطبيعي, فيقفز البعض من الشبابيك, وتدرك فيها هذه التنظيمات حاجتها الماسة إلى التصحيح وتجاوز الأخطاء والتطلع إلى المستقبل. إننا بحاجة الى منظمات قوية للدفاع عن حقوق الانسان, ومثل هذه المنظمات لايمكن أن تقوم إلا إذا تحولت لحركات شعبية حقيقية, ولا يمكن أن تؤدي مهمتها اعتمادا على التمويل الأجنبي من جهات بعضها مشبوه وبعضها معروف بارتباطاته بأجهزة مشبوهة. إن من يضع جيبه في يد الآخرين لا بد أن يتبع مسيرتهم, ومن يمد يده لاقتناص المعونات من أي جهة لا بد أن يخضع لشروط من يدفع, ولابد له - مهما حسنت النيات - أن يجد نفسه يعمل لحساب المانحين. لقد أحسنت المنظمة المصرية لحقوق الانسان حين اعلنت - قبل تجميد نشاطها - أنها ستمتنع عن قبول التمويل الأجنبي, وليت ذلك يصبح دستورا لكل الجمعيات التي تعمل في هذا المجال, ساعتها لن نسمع الأقاويل عن ثراء البعض من هذا الطريق, ولا عن مخالفات في أوجه الانفاق, وساعتها لن يكون في الساحة إلا من يناضل بحق من أجل حقوق الانسان لوجه الله والوطن والمواطن, وساعتها سوف نسمع من هذه الجمعيات عن حقوق الانسان التي لا نسمع عنها الآن, حقه في التعليم والعلاج والعمل, وهي حقوق تختفي الآن من برامج هذه الجمعيات أو معظمها لأنها لا ترضي المانحين ولا تتفق مع النظام الدولي الجديد! فليسكت المتربصون حتى نستطيع تجاوز الأزمة الى ما فيه الخير للوطن والمواطن. ولتصدر الدولة القانون المنتظر ليمنح هذه المنظمات شرعيتها القانونية, ويفتح أمامها أبواب التمويل المحلي والتبرعات التي لا تشوبها شائبة, ولتنغلق كل أبواب الشبهات وكل ما يؤثر في مصداقية هذه المنظمات,وليدرك الجميع ان معركة حقوق الانسان هي معركة المجتمع كله.. الحكومة والاحزاب والجمعيات والمنظمات, وانها معركة لا مجال للخسارة فيها, فمصر بتراثها ومكانتها وطموحاتها قادرة على كسبها تماما اذا تم تصحيح الأخطاء وتعاونت كل الاطراف, وفهم الجميع اننا لا ننشىء هذه المنظمات للزينة, ولن نترك للأجانب ان يحددوا جدول أعمالها, ولن نسمح ايضا للمتربصين بأن يستغلوا خطأ هنا أو هناك لكي ينقضوا على المسيرة بأكملها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات