قمة التعاون في مواجهة التحديات: بقلم - د. حنيف القاسمي

هل كانت الفترة السابقة - الأعوام السبعة عشر من عمر مجلس التعاون الخليجي كافية للحكم على تجربته؟ وكيف نصف المقارنة بين توقعات الخليجيين من المجلس بما أنجزه المجلس بالفعل؟ وهل تكفي إنجازات المجلس لبعث التفاؤل بمستقبل التعاون الخليجي ؟ وهل هناك معوقات حالت دون تحقيق الآمال العريضة التي كان يحلم بها الخليجيون عند قيام المجلس؟ الأجوبة عن هذه الأسئلة وغيرها, والحديث عن المجلس وتطلعات الخليجيين إليه يكثر عند عقد كل قمة خليجية في كل عام, وإذا كان الجميع ظل يردد بأن كل قمة سابقة, وربما لاحقة, لها وضعها الخاص بسبب الملابسات والظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة عند عقد كل قمة, فإن قمة أبوظبي هذا العام تعقد في أجواء يتشابه بعضها بما كان سائدا في العام الماضي, ويختلف في بعضها الآخر. أما أوجه الشبه فتتمثل في تلك الأزمة المستمرة بين العراق واللجنة الدولية المكلفة بإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية (اليونيسكوم) فكلما أعلنت بغداد عن ترددها في التعاون مع اللجنة قامت واشنطن بحشد القوات العسكرية والأساطيل والتهديد باستخدام القوة لإجبار العراق على (التعاون) مع اللجنة المذكورة, وفقا لتعريفها الخاص لهذا التعاون وكيفيته. وليست الأزمة المستمرة هنا منحصرة بين بغداد والأمم المتحدة, أو الولايات المتحدة وإنما تتجاوز آثارها وتتجلى انعكاساتها السلبية على المنطقة الخليجية, بل والعربية بأسرها كما أن مشكلة المفتشين الدوليين مع العراق تعد أحد الأمثلة على الآثار التي أفرزتها أزمة الخليج الثانية بسبب غزو العراق للكويت في أغسطس ,1990 وكذلك في حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة إثر تلك الأزمات حيث ما زال بعض آثارها باقيا حتى الآن. يضاف إلى ذلك مسألة التخويف من الخطر الإيراني المهدد لدول المنطقة, والذي وصل في بعض الأحيان إلى الإثارة والتصعيد من قبل بعض الأطراف والجهات التي افتقدت الدقة في حساباتها, أو تلك التي لها مصلحة في استمرارها. وهنا لابد من الإشارة والإشادة بالموقف المتزن لدولة الإمارات, والتي على الرغم من تعرض جزء منها للاحتلال الإيراني, إلا أنها سلكت منهجا حكيما في التعامل مع مشكلتها مع إيران بشأن الجزر, ويبدو ذلك واضحا من خلال الدعوات المتكررة (كانت آخرها دعوة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بمناسبة العيد الوطني) لحل تلك المشكلة سلميا, وبالحوار الأخوي الذي يرد الحقوق إلى أصحابها, ويضمن الاستقرار, وينأى بالمنطقة عن التدخلات الخارجية, والتي تجد دوائرها في الخلاف حول الجزر فرصة مواتية لتحقيق مصالح استراتيجية كبرى ومآرب أخرى. ويجب أن نضيف إلى موقف دولة الامارات من الاحتلال الايراني لجزرها والحرص على علاقات مستقرة مع إيران التطور الإيجابي الذي شهدته العلاقات السعودية الإيرانية بعد سنوات من التوتر الشديد, ولا شك أن تلك العلاقات والتي بدأت بزيارة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله ومشاركته في القمة الإسلامية في طهران في العام الماضي سوف تسهم في ترسيخ الاستقرار والأمن في المنطقة, بل وسوف تسهم في وضع أسس للتعاون بين دول الخليج وإيران. والمرجو أن يستمر الحوار بين الطرفين, الخليجي والإيراني, للمشاركة في مواجهة التحديات المشتركة, بدلا من الانشغال بالخلافات والنزاعات أو الصراعات الإقليمية, وهي الصراعات التي ذاق أبناء المنطقة مراراتها, ودفعوا ثمنا باهظا فيها, وما زالت الذاكرة الخليجية تحتفظ بمظاهر مأساوية عن فترة الثمانينات ومطلع التسعينات التي شهدت كارثتين كبيرتين. ولست هنا بصدد الخوض في تلك التفاصيل المتعلقة بالشؤون الخارجية لدول المجلس, حيث ان أولويات أخرى بدأت تلح على الساحة الخليجية, أهمها التحدي الذي يواجه عملية التنمية في الدول التي تعتمد وبشكل أساسي على البترول كمصدر للدخل القومي, ومن المؤكد ان يمثل التدهور الكبير في أسعاره تحديا خطيرا لتلك الدول في سبيل استكمال خططها وبرامجها التنموية. والأمل كبير في تجاوز دول الخليج هذه الأزمة المالية كما تجاوزت مثيلاتها في السابق, ومن المتوقع في ظل هذه الظروف أن يكون البحث عن مصادر أخرى غير النفط من القضايا الملحة التي سوف تشغل هذه الدول, خاصة بعد وجود إدراك متزايد بأن الاعتماد على مصدر وحيد فيه مخاطرة كبرى, ربما مثلت تهديدا كبيرا لمستقبل الإنسان الخليجي. في هذا السياق وقبيل انعقاد القمة الخليجية السابقة في عام 1997 كتب الدكتور خلدون النقيب حول خطورة الاعتماد على مصدر وحيد للدخل القومي فقال: إن قناعة دول الخليج بالاكتفاء بدخل النفط كمصدر وحيد للدخل القومي, مع استمرار فقرها للموارد الطبيعية والبشرية وللأمن الإقليمي يجعلها غير قادرة على التكيف مع نظام العالم الاقتصادي وقوى العولمة. لنأخذ موضوع الافتقار إلى الموارد الطبيعية (مثل الزراعة والمعادن والمياه) فهذا الافتقار ليس معوقا كافيا للتنمية الشاملة, وهناك أمثلة كثيرة في أوروبا وشرق آسيا على دول تفتقر إلى الموارد الطبيعية ولكنها نجحت في تحقيق معدلات عالية في النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة. الأداة التي مكنت هذه الدول من تحقيق معدلات عالية في التنمية الشاملة, هي تنمية الموارد البشرية, عن طريق خطة وطنية أحدثت ثورة في التربية والتعليم والتدريب والثقافة, وأطلقت العنان لروح الابتكار وعمقت مستودع المهارات الوطنية فيها, هذه المهارات التي تجعل أفراد المجتمع قادرين على التعامل مع التقانة العليا والمتمثلة بارتفاع المستوى الثقافي العام, هي التي أوجدت قنوات جديدة للتنمية في بلدان تفتقر الى الموارد الطبيعية. فتنمية الموارد البشرية هي الاستراتيجية (أو خطة العمل) التي توصل بشكل أفضل إلى التنمية الشاملة, من بين بدائل الاستراتيجيات التنموية الأخرى, وبدلا من أن تأخذ تنمية الموارد البشرية الأسبقية على البدائل الأخرى وبعد انقضاء ثماني عشرة سنة ما زلنا نرى دول الخليج بمواردها البشرية المجزأة, وأسواقها المنفصلة, ونظمها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة, وإن استمرار هذه الحالة مع تجانس هذه المجتمعات الديمغرافي والاجتماعي التاريخي أمر يصعب فهمه وتفسيره. بتأمل الواقع الخليجي اليوم, وفي هذه المرحلة, يبدو التساؤل حول العائق الرئيسي نحو تحقيق الحلم الخليجي بشأن التكامل مشروعا, خاصة إذا أدركنا أن الشعارات المرفوعة بشأنه ليست شعارات مجردة, تخاطب القلوب والمشاعر وتدغدغ العواطف فينا, بل هي شعارات معبرة عن وجدان أبناء هذه المنطقة, وتعكس الإيمان الراسخ بوحدة الهوية والانتماء والمصير. ولعل الدكتور غازي القصيبي, وفي كتابه الأخير (حياة في الإدارة) قد أشار إلى سبب بسيط لكنه يمثل عائقا رئيسيا نحو تحقيق المزيد من الانجازات على صعيد مجلس التعاون الخليجي, وذكر بأن المجلس بدأ بداية متواضعة, ثم قطع شوطا لا بأس به وحقق عددا من المنجزات, ثم عاد إلى مسيرة الإنجاز المتواضع, الأحلام العريضة التي كانت تداعب العقول والقلوب في الخليج - السوق الواحدة والعملة الواحدة والجيش المشترك وإلغاء كل القيود والعقبات - تبخرت الواحدة بعد الأخرى حتى كدنا نقنع من الغنيمة بالوجود, مجرد بقاء المجلس على قيد الحياة. الأسباب التي عاقت مسيرة المجلس متشعبة وعديدة, وسوف أكتفي هنا (ما زال الكلام للدكتور القصيبي) بالحديث عن عقبة واحدة هي العقبة البيروقراطية, من طبيعة الأمور أن يركز الموظفون على مجال اختصاصهم دون أن يمدوا أنظارهم إلى ما هو أبعد من ذلك. ويرى الدكتور غازي القصيبي أنه ما لم تستطع الإدارة السياسية انتزاع زمام المبادرة من الأجهزة البيروقراطية المحلية فإنه لن تكون هناك إنجازات تذكر في السنوات المقبلة, لا أتصور بأن الوصف المتقدم لمسيرة التعاون الخليجي فيه إسراف في التشاؤم, ولكنه وصف للواقع الذي - في الغالب - لا يعكس رغبة القيادات السياسية في المنطقة فضلا عن شعوبها. ويبقى السؤال المهم قبل كل اجتماع خليجي هو: ما هو حجم الإنجاز الممكن تحقيقه فعلا, لا حجم التوصيات التي تظل قولاً؟! وهو أمر لا يتعارض مع مبدأ الاعتراف بالواقعية والقناعة بملابسات الواقع وظروفه, والأهم من ذلك ألا يتم حصر ذلك في المتاح حاليا, بل تجاوزه إلى حدود الممكن الذي نتفاءل دائماً بعظم مساحته لتشمل كافة الطموحات الخليجية. ومع هذا وذاك يبقى الأمل الكبير في قادة الخليج لتحقيق التنسيق والتكامل الخليجيين. مدير جامعة زايد بالإنابة*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات