مع الناس:بقلم- عبدالحميد أحمد

عاد طالب يدرس في الخارج الى قريته, وهو للعلم واتخاذ اللازم ليس صعيديا ولا حمصيا ولا ايا من الذين طارت شهرتهم الى الآفاق بوصفهم اغبياء او مغفلين ومادة خصبة للنكت , وفي أول صباح له في القرية جلس مع أمه وأبيه على مائدة الافطار الحافلة باللبنة والزيتون والشاي الاحمر والخبز البلدي والجبنة, فقال الطالب لأمه: اريد لافاش كيري, وما كاد يكمل حتى رأى أباه منتفضا كمن لدغه عقرب وهائجا يقول له: ماهذا ياولد, انت ليس لك سوى ابنة عمك, وابنة عمك لك. غير ان الولد صاح بدوره محاولا الشرح, الا ان اباه قاطعه : بس ياولد, هل تريد ان توطي رؤوسنا في الارض, فعاد الولد يحاول: لكن, اسمعني يا أبي, فقاطعه غاضبا مرة اخرى ابوه: لن استمع لك, هذه المسألة منتهية من زمان, ثم ما ذنب ابنة عمك الجالسة في البيت تنتظرك لحين حصولك على الشهادة, ثم تتركها من اجل بنت مفعوصة اسمها لافاش, وهنا قاطعة الولد بحدة: لافاش كيري جبنة , فصاح الأب بقوة اكثر: وبنت عمك قشطة. وهكذا فان الولد انتهى زوجا لابنة عمه, من دون ان يتذوق لافاش كيري التي يحبها, فالعادات والتقاليد الاصيلة لا تسمح , ولازم تتجوز بنت عمك يعني لازم تتجوز بنت عمك, وهو حل على كل حال ربما يكون في صالح الولد, وذلك عندما تفهمه بنت عمه جيدا بعد الزواج فتضع له على كل مائدة جبنة لافاش كيري التي يحبها, والتي تعرف عليها في سنوات دراسته في الخارج وعاد بها الى بلده, وأنا أتساءل كيف لم يتهمه احد في قريته بالتأثر بالافكار الغربية؟ الجواب هو انه لايوجد في القرية مثقفون عرب من الذين يحاربون الافكار الغربية حتى في منامهم ومع ذلك انتصرت عليهم هذه الافكار, لذلك افضل ان ابقى مع الجبنة والقشطة, فنحن ما بينهما لم نبتعد كثيرا نسبة لان اما واحدة تجمعهما هي البقرة التي يعود اليها الفضل اليوم في تربية اكثر الناس بعد ان تخلت عن ارضاعهم امهاتهم, فاذا لم يعد الفضل لها بالحليب الذي عليه شبوا ونموا, فعلى الاقل بالجبنة والقشطة والآيس كريم وبقية المشتقات البقرية, التي تشكل نسبة عظمى من مائدة الغذاء. هذه البقرة تغذيها الدول بالاموال كي تعطينا حليبا غنيا, اي دسما ومليئا بالمواد الغذائية, وهي نفسها التي تأكل العشب الاخضر في المراعي ثم بعد ذلك تنتجه حليبا أبيض, حتى ان احدهم سأل مرة بائع اللبن: هل هذا الحليب طازج, فرد عليه البائع: طبعا فقد كان عشبا منذ ثلاث ساعات فقط. وبما أننا بدأنا بالجبن والبقر فنبقى معه اليوم لكي نسلي القارىء في أول يوم له في العمل بعد اجازة شبه طويلة, فنسأل: ماذا تصنع اذا اردت الحصول على آيس كريم بدل الحليب؟ الجواب: ضع بقرتك في ثلاجة كي تحلب لك بوظة, وبالمقابل فإن القارىء قد يتصور ان البقر في طقس شديد الحرارة كطقسنا في الصيف مثلا يستطيع ان يعطي بخار الحليب بدل الحليب, وفي مثل هذا الطقس ولكي لايحمض الحليب فإننا يمكن ان نقترح ان يتم حفظه في اثداء البقرة نفسها, مقابل ان هناك من يتصور بإمكانية الحصول على حليب جاف بودرة من البقرة مباشرة في مثل هذا الطقس. وعلى العموم فإن معاناة البقر الذي منه لافاش كيري وغير لافاش كيري لاتنتهي ولاتتوقف مع الطقس الحار وحده, فهي في الطقس البارد أشد معاناة, لا لأن الحليب يتجمد في الضروع فيحتاج الى نار لكي تجعله يسيح مرة اخرى, وانما لأن الطقس البارد يجعل ايدي المزارعين شديدة القسوة, حتى ان بقرة لمستها يد مزارع روسي مؤخرا فقفزت حتى وصلت الى القمر, ياحرام!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات