يأتي انعقاد مؤتمر وزراء الثقافة والاعلام العرب بدولة الامارات العربية المتحدة تعبيرا عن ارادة عربية ناضجة لدخول القرن الحادي والعشرين بروح جديدة وثقافة عربية واسلامية تأبى إلا ان تعبر عن نفسها وسط تحديات العولمة , ونأمل أن يمثل هذا المؤتمر نقطة تحول حقيقية في تاريخ الثقافة العربية تنقلها من وضعية التلقي الى وضعية الارسال ومن السكون الى الحركة ومن الاستسلام الى المجابهة, ومن رد الفعل الى الفعل, ولعل قيمة هذا المؤتمر تنبع من مجموعة من الاعتبارات يأتي على رأسها: 1- انه يعقد على أرض الامارات التي عهد عنها دعوتها الى التكامل العربي والمحافظة على التراث الاسلامي والعربي والتشديد على أهمية الهوية والشخصية العربية المستقلة غير التابعة. 2- ان العرب يواجهون تحديات مجتمعية شاملة لعل أكثرها خطورة هي تلك التي تسيء الى اسلامهم وحضارتهم الاسلامية وتطعنهم في امكاناتهم الثقافية وقدرتهم على دخول القرن الحادي والعشرين كأمة لها مستقبل, ولعل التوحد الثقافي يمثل البداية الطبيعية لمواجهة المأزق السياسي والاقتصادي العربي. 3- ان الغرب لا يزال يدرك الثقافة العربية والاسلامية من منظور القوالب الجامدة المبنية على معلومات مشوهة وحقائق منقوصة ولعل جوهر هذا الادراك الخاطئ هو ان الاسلام وثقافته ذو طبيعة رجعية تصقل صاحبها بالعنف وتدفعه الى العيش في الماضي ومن ثم فان العرب يعادون الحضارة المعاصرة وأدواتها واصحابها في الوقت الذي يمثل فيه الاسلام أعلى درجات التحضر والتحرر والتسامح والتعايش. 4- يمثل انعقاد المؤتمر في حد ذاته نجاحا وتحديا لمقولة ان العرب اتفقوا على الا يتفقوا. 5- لا تستطيع أية دولة عربية منفردة ايا كانت امكاناتها ان تعبر عن الثقافة العربية مجتمعة في صراعها الحضاري العالمي, ومن هنا فان قيمة العمل الثقافي العربي المشترك تكمن في تنمية القاسم المشترك بين العرب جميعا وما أعظمه, مع الاعتراف بالخصوصيات المحلية التي تميز الشعوب العربية فالتنوع الثقافي في اطار الوحدة الحضارية يمثل افضل الاستراتيجيات للتعامل مع واقع الثقافة العربية, المشتركة خاصة في تعاملها مع الآخر الأجنبي, فالتعدد الثقافي العربي عامل اثراء واخصاب أكثر منه عامل فرقة, لانه تنوع في الفروع المنبثقة عن جذر واحد هو الاسلام كما يتجسد في القرآن الكريم والسنة النبوية, وما نتج عنهما من حضارة وتاريخ اسلامي له طابعه المميز والفريد. 6- من أهم خصائص ثورة المعلومات والاعلام المعاصرة ان التدفق الثقافي والاعلامي يسير في اتجاه واحد من الشمال الى الجنوب ومن الدول المتقدمة تقنيا الى الدول الاقل تقدما, كما انه يخضع لاحتكارات تمارسها الشركات المنتجة لتقنيات الاتصال ووكالات الانباء وغيرها من مصادر المعلومات التي توجد كلها خارج النطاق العربي, وتعتبر الولايات المتحدة الفاعل الاساسي في هذا النظام الاعلامي, حيث تسيطر سيطرة شبه مطلقة على مضمونه وادواته وتملك 75% من اجمالي الانتاج العالمي من البرامج التلفزيونية و90% من المعلومات المخزنة في الحاسبات الالكترونية وتهيمن على البث المباشر عبر الاقمار الصناعية الذي لا تصمد امامه عوائق التشويش المحلية مما يعني ان النموذج الامريكي سوف يسيطر على حياة الفرد العالمي الشخصية من مأكل ومشرب وملبس وغيرها, ويأتي العالم العربي في المقدمة من حيث اعتماده على المنتجات الثقافية الغربية اذ تشير احصاءات اليونسكو الى ان شبكات التلفزيون العربية تستورد ما بين ثلث اجمالي البث (كما في سوريا ومصر) ونصف هذا الاجمالي (كما في تونس والجزائر) اما في لبنان فان البرامج الاجنبية تزيد على نصف اجمالي المواد المذاعة, وتبلغ البرامج الاجنبية في لبنان 70% من اجمالي البرامج الثقافية, ان أخطر ما في هذه البرامج الثقافية هي تلك التي تتجه الى الطفل العربي الذي يفتقر الى اي حصانة تمنعه من ان يتشكل عقليا ونفسيا وتربويا و فق ما تبغاه البرامج الاجنبية, اذا أضفنا الى هذا الخلل الثقافي القدرات الفائقة للقنوات الفضائية الاجنبية وضعف امكانات الانتاج الثقافي والاعلامي العربي المشترك ادركنا حجم التحديات التي واجهت مؤتمر وزراء الثقافة والاعلام العرب. 7- يمثل هذا المؤتمر صحوة ثقافية عربية ادركت تخلي اليونسكو عن رسالتها الخاصة باعادة التوازن في التدفق الثقافي والاعلامي من الدول المنتجة الى الدول المستهلكة للثقافة وقصة تخلي اليونسكو عن موقفها ليست بخافية على اعضاء هذا المؤتمر, فقد انسحبت الولايات المتحدة وبريطانيا من اليونسكو اثر مناقشتها تقرير لجنة ما كبرايد في أوائل الثمانينات لحمل منظمة دولية على تحجيم اندفاعها في اتجاه تصورتا انه يلحق الضرر بمصالحهما الاستراتيجية بعيدة المدى, فالهدف الاستراتيجي لهذا الاختراق الثقافي الانجلو - ساكسوني اكثر من مجرد تحقيق مكسب مادي من تصدير السلع الثقافية ولكنه يتمثل في فرض ثقافة الأقوى لتشكيل نمط حياة وشخصية وهوية الأضعف, فهل يستجيب مؤتمر وزراء الثقافة والعرب لهذا التحدي بتأسيس آلية عربية ثقافية تنجز ما أخفقت اليونسكو في انجازه بضغط أمريكي بريطاني مشترك؟! 8- ان أكثر الكتابات العالمية شيوعا في مجال التحولات الحادثة في النظام الدولي الحالي ترى ان هذه التحولات تدفع في اتجاه بلورة ثقافة عالمية موحدة ونموذج حضاري نمطي يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع على العالم, وترفض هذه الكتابات فكرة التعددية الثقافية, وترى في التأكيد على الخصوصيات الثقافية خطرا على البشرية لأنه يؤدي الى تغذية المشاعر المتطرفة والعنصرية ويمثل حجر عثرة أمام صياغة فكر انساني عالمي موحد يلبي حاجات الانسان بغض النظر عن دينه وجنسه ولغته, الا ان الخطير في هذه الكتابات انها ترى في الحضارة الغربية تجسيدا حيا لهذا النمط الحضاري المأمول, وهو بلا شك أعلى درجات الهيمنة ويحمل في طياته خطرا على الثقافة والدين والقيم والنظام العربي ككل. اسئلة ثقافية تطرح نفسها هل يمكن أن تواجه الثقافة العربية تحديات الثقافة العالمية في غياب انتاج ثقافي عربي قادر على اختراق العقل الغربي؟ هل نواجه الثقافة الغربية من خلال التوجه نحو الداخل لتحصين العقل العربي؟ على الرغم من أن أفضل ما يتمتع به العرب هو ثقافتهم المبنية على وحدة الدين واللغة والتراث المشترك؟ لماذا يقل أو يختفي الانتاج الثقافي المشترك؟ ما هي آليات وقنوات التعبير عن الثقافة والاعلام العربي المشترك هل هي قناة فضائية عربية, صحيفة عربية, اذاعة عربية, المكاتب الاعلامية والثقافية العربية في الخارج, انترنت عربي, أم كل هذا؟ ما هي العلاقة بين هامش الحرية المتاح للمثقف والاعلامي العربي وقدرة الثقافة العربية على تحقيق الهدف منها؟ هل يمكن لصناعة الثقافة والاعلام العربية ان تمثل مصدرا حقيقيا للدخل يحقق التنوع في مصادر الدخل ويدفع الى الاستقرار الاقتصادي؟ كيف يمكن للعمل الثقافي العربي المشترك ان يقفز فوق الاعتبارات السياسية ولا يصطدم بالاختلافات الايديلوجية؟ كيف يمكن الاستفادة من تجربة الاتحاد الاوروبي المتعدد ثقافيا والمتحد اقتصاديا؟ هل من بين اولويات العمل الثقافي العربي المشترك التركيز على اعادة القدس للعرب؟ يدرك المؤتمر انه لا جودة للتخطيط الثقافي في غياب البحث العلمي, فهل هناك تصور لمشروع بحثي مستقبلي يحدد اولويات العمل الثقافي ومخاطر الثقافة الغربية وأوجه تكامل الثقافة العربية؟ كيف يمكن تقديم الثقافة الاسلامية والعربية باعتبارها ثقافة حوار لا صراع؟ ما العلاقة بين نجاح العمل الثقافي المشترك وحرية الابداع؟ لماذا تؤدي الاختلافات الثقافية الى خلافات سياسية في عالمنا العربي في حين تؤدي الى الوحدة السياسية في عوالم أخرى؟ ما هي الميزانية التي تكفل نجاح المشروع الثقافي المشترك الذي يمكن أن ينتهي اليه المؤتمر؟ اذا كان المشروع الثقافي العربي الجديد يتطلب رؤية جديدة فهل هناك كوادر اعلامية وثقافية تترجم هذه الرؤية الى واقع؟ ما هو دور المواطن العادي في تنفيذ هذا المشروع الثقافي؟ هل هناك آلية لمتابعة نتائج هذا المؤتمر؟ على اي نحو نريد للعالم ان يرانا ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين؟ واخيرا كيف يمكن ان نواجه الدعاية المضادة ورد الفعل المضاد لما نريد أن نفعله؟ ان هذه بعض تساؤلات أثق في انها تمثل جزءا من كل وربما لا تكون أهم الاسئلة, والمثقف العربي على ثقة من ان هذا المؤتمر الذي يتمتع بتمثيل رفيع في مستواه واعداد مسبق متميز سوف يضع الثقافة العربية والانسان العربي في الوضع اللائق بهما في عالم المستقبل. أستاذ بقسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات