وسقط الجنرال في (مصيدته)! بقلم- الدكتور طلعت شاهين

يمكن خداع النفس والآخرين لبعض الوقت, ولكن لا يمكن الاستمرار في هذا الخداع لطول الوقت, وتطبيقا لهذه الحكمة او تلك المقولة فان الإنسان منذ الأزل استخدم الخداع لبعض الوقت باعتباره أحد الأدوات الممكنة التي يمكن من خلالها تحقيق هدف معين , ثم العودة بعد ذلك الى الواقع حتى يمكن الاستمرار في مسيرة الحياة بشكل عادي, او اقرب الى العادي, مع المحافظة بالطبع على ما أمكن تحقيقه عبر الخداع, أو على الاقل الحصول على شرعية ما تم تحقيقه. الخداع في الحرب والسياسة من الامور العادية جدا, خاصة في ظل شعار (الغاية تبرر الوسيلة) , الذي كان ولا يزال يرفرف على الحياة السياسية في الماضي, وسوف يظل كذلك في المستقبل, ولا فارق في هذا بين نظام أو آخر, أو بين سياسي وآخر, لأن الممارسة السياسية في النهاية نوع من الحرب, أو ما يمكن تسميته (الحرب الباردة) , وعلى الرغم من أنها حرب باردة إلا ان لها ضحايا أيضا, تماما كالحرب (الساخنة) , ولكن مع فارق واحد, ان ضحايا الحرب الساخنة يمكن مشاهدتهم وهم يسقطون, أما ضحايا الحرب الباردة يمكن اخفاء جثثهم عن الأعين, وتقديم بعضهم على انهم من الخونة والاعداء, بل يمكن أن يتم التخلص منهم على مرأى من الجميع. لكن يبدو أن بعض الذين يدخلون معترك السياسة لا يفهمون مقولات معقدة مثل تلك, ولا علاقة لهم بحكمة الخداع, ولا حتى بممارسته على هذا النحو, وإنما يبدأون بخداع الآخرين لبعض الوقت, وعندما ينجح خداعهم فإنهم يصدقونه كل الوقت, ويمارسون سفك دماء الابرياء طول الوقت دون أن يرف لهم جفن, لأنهم بخداعهم للآخرين وصلوا الى مرحلة خداع النفس بأن كل شيء يسير حسب واقعهم الموهوم, أو واقعهم المتخيل. جنرال التشيلي السابق (أوجوستو بينوشية) من تلك النوعية التي لا تعرف حدودا بين الوهم والواقع, خادع زملاءه في الجيش منذ أن كان برتبة صغيرة لا يقيم أحد لاهميتها وزنا, وظل يرتقي سلم العسكرية في بلاده تحت شعار خداع الآخرين, والشاهد على ذلك ملف خدمته العسكرية الذي ظل نظيفا دون أدنى شبهة يمكن أن يكتشفها رئيس في مرؤوس له في ظل قوانين صارمة كالقوانين العسكرية. تطبيقا لهذا المنطق نجح أيضا في خداع قائد جيش التشيلي السابق, حتى قام بترشيحه دون زملائه ليحتل هذا المنصب الهام من خلال انخداعه بما كان يعلنه أمام الجنرال من ولاء للوطن والنظام, وحتى الولاء لحكومة الائتلاف اليساري, التي وضعت الدكتور سلفادور الليندي على كرسي الرئاسة. خدع الرئيس السلفادور الليندي ايضا, وقدم له نفسه على أنه خادمه الأمين وذراعه الأيمن منذ أن أقسم على ذلك أمامه في حفل القصر الجمهوري, الذي جرى فيه تعيينه قائدا عاما للجيش. استمر الخداع مع الزملاء عندما تقرر تنفيذ الانقلاب الذي خططت له المخابرات المركزية الامريكية للإطاحة بالحكومة الشعبية الديمقراطية المنتخبة عام ,1973 لأنه لم يكن على رأس هذا الانقلاب منذ البداية, بل كان واحدا من الجنرالات الذين قبلوا لعب مخلب القط الامريكي, لاستعادة مناجم النحاس للشركات الامريكية التي فقدتها بالتأميم. ما أن تم الانقلاب حتى بدأ يتخلص من الأقوياء من زملاء الانقلاب, ويبقي على الضعفاء الذين يقبلون أن يكون الجنرال المخادع (رأسهم) , كل هذا أيضا تم بالخداع وتحت شعارات يعرف الجنرال قبل غيره أنها كانت كاذبة ولا ظل لها من الحقيقة, لأن الرئيس المنتخب سلفادور الليندي لم يكن شيوعيا, ولا حكومته كانت كذلك بل أن حكومة الليندي كانت أضعف من أن تكون خطرا على أحد من اليمين أو اليسار, لأنها كانت حكومة أقلية, ولم تكن تملك من المقاعد في البرلمان ما يمكنها من تنفيذ برامجها الاقتصادية إلا بصعوبة بالغة, وبعد تقديم تنازلات لليمين المسيطر على المعارضة, ولم يذهب الليندي الى ممارسة تأميم المناجم إلا بعد أن فشل في إقناع اليمين والشركات الأجنبية بجدوى تقديم بعض العون لمواجهة الأزمة الاقتصادية في بلاده, والتي كانت في الأساس أزمة مصطنعة من جانب اليمين وأصحاب رؤوس الاموال والشركات الاجنبية ذاتها, أي لم يكن هناك خطر حقيقي من هذه الحكومة يبرر انقلابا دمويا. نجاح الجنرال أوجوستو بينوتشية في كل تلك المراحل كان يرجع في البداية الى العون الذي كان يتلقاه من الذين خططوا له, وساندوا تنفيذ تلك الخطط, هذا جعله لا يرى سوى حقيقته الخاصة على أنها الحقيقة الواقعية, لذلك ما أن انتهى من زملاء الانقلاب وتنصيب نفسه (دكتاتورا) بلا منازع, حتى بدأ ينفذ خططه الخاصة في التخلص من الجميع, الأصدقاء قبل الأعداء, وعلى الرغم من مرور الوقت, وتغير الأوضاع الدولية من حوله ظل الجنرال لا يرى سوى حقيقته التي صنعها بنفسه. مع تغير الأوضاع العالمية والمحلية في التشيلي, حيث فقد النحاس أهميته عالميا, ولم يعد هناك خطر شيوعي يمكن رفع شعاره ضد أي نظام, تحول الجنرال الى ما يشبه العقبة امام الذين صنعوه وبدأوا يدخلون مرحلة الاستياء من وجوده. كانت نصيحة من صنعوه ان يتخلى عن الدكتاتورية, ويسلم الحكم للمدنيين لأنه لم يعد هناك مبرر لوجود حكومة عسكرية في الوقت الذي بدأت السياسة الخارجية الامريكية تضرب على وتر الديمقراطية ودعمها, ولأن الجنرال لم يكن مستعدا لتنفيذ الأمر, اضافة الى الولايات المتحدة لم تكن راغبة في وقوعه في أيدي الذين نكل بهم من قبل حتى لا تكون محاكمته محاكمة لسياسة الولايات المتحدة, سمحت له أن يقيم ديمقراطيته الخاصة وطبقا لحقيقته الخاصة مع تعديل واحد, أنه تنبه الى أن حقيقته لم تعد كما كانت, وفي حاجة الى عملية تجميل. للخروج من المأزق قام الجنرال بتفصيل دستور خاص جدا, دستور لا يشبهه اي دستور آخر في العالم, دستور يسمح بقيام أحزاب وانتخابات عامة وحكومات منتخبة, لكن مهما كان لونها عليها أن تنفذ ما يمليه عليها الجنرال من خلال منصبه كقائد عام للجيش على الرغم من بلوغه عمرا لا يسمح له باحتلال هذا المنصب في أي قانون عسكري في العالم. ولأنه لم يكن على يقين من رحيله من هذا العالم قبل أن يصل الى قرار تخليه عن قيادة الجيش, فإن دستوره كان يضمن له أيضا ممارسة رقابة الحكومات المنتخبة في بلاده, وذلك من خلال عضويته بمجلس الشيوخ مدى الحياة (؟!), اضافة الى حقه في تعيين عدد من أعضاء هذا المجلس يضمن له الأغلبية, أي تحول الوطن الى رهينة في قبضة جنرال عجوز يعيش في ظل حقائق وهمية لا يراها ولا يعيها أحد غيره. المصيدة التي صنعها الجنرال لاعدائه كانت صالحة لبعض الوقت, لكن بما أن الجنرال كان يرى أنها صالحة لطول الوقت, فقد استمر الوضع, ولم يعد يشعر بأي تغير من حوله, وفي غفلة قرر السفر الى لندن لتناول شاي الساعة الخامسة مع صديقته (تاتشر) . هنا كانت المأساة, حقيقة الجنرال تقول أن رئيسة الوزراء البريطانية والمرأة الحديدية يمكن أن يظل نفوذها مدى الحياة, تماما كنفوذ الجنرال في (المصيدة) التي نصبها لغيره. من شاهدوا الجنرال مؤخرا, قالوا أنه يجلس (تحت الحراسة) في غرفة منعزلة في انتظار ان تسيطر حقيقته على الواقع, ويطير الى بلاده في الطائرة التي لا تزال تنتظره في أحد المطارات العسكرية, لأنه لم يع حتى الآن ان الحقائق المحيطة به تغيرت, وان عليه أن يقبل بأن واقع الآخرين وحقائقهم غير واقعة وحقيقته, لكن في النهاية, الجنرال بينوتشية ليس حالة شاذة, بل نموذجا. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

طباعة Email
#