المهنة والاخلاق(1/2)بقلم:الدكتور محمد قيراط

المهنة هي الصحافة ونقصد هنا الممارسة الاعلامية بمختلف انواعها واشكالها والاخلاق هي الحدود والمواثيق والاعراف والاداب التي يجب ان تتقيد بها هذه المهنة حتى تبقى شريفة, نزيهة, ونبيلة تؤدي مهمتها على احسن وجه بعيدا عن المزايدات والمساومات وكل ما يسيىء الى المهنة واخلاقياتها . في الايام القليلة الماضية كانت (قناة الجزيرة) وبرنامج (الرأي المعاكس) محل نقاش كبير وانتقادات لاذاعة, في الوقت نفسه اثيرت مشكلة اخرى على صفحات جريدة (البيان) وهي شرعية نشر صور المتهمين في الصحف, وهل يحق نشر هذه الصورام لا؟ واذا تمت عملية النشر من هو المسؤول؟ وفي قضية ثالثة شنت الصحافة البريطانية وبالتحديد (الهاندي تلجراف) هجوما عنيفا على مصر حيث اتهمتها باضطهاد الاقباط والتميز الديني ضدهم وهذا بالاعتداء على اكثر من الف منهم, الموضوع الرابع والذي يستدعي ان نقف عنده كذلك وننظر اليه من زاوية مهنية واخلاقية هو الفيلم الامريكي (الحصار) والذي بدأ عرضه في دور السينما الامريكية في الاسبوع الماضي والذي يكرس مرض الاسلاموفوبيا والعنصرية ضد كل ماهو عربي ومسلم. قناة الجزيرة جاءت كفضاء اعلامي عربي جديد عود الجمهور العربي في مختلف بقاع العالم على الطرح الجريء ومعالجة المواضيع الحساسة التي تكون في غالب الاحيان مجالا للنقاشات الساخنة والرؤى المختلفة لكن مايعاب على قناة الجزيرة هو ان بعض برامجها جاءت على شاكلة بعض برامج (الشوبيز) الامريكية التي تعتمد على الاثارة وعلى التناقض الكبير في الطرح وعلى التعارض الجذري في التحاليل ولهذا فإنك تجد في بعض الاحيان علامة وفقيه يجلس بجانب ماركسي ملحد لمناقشة بعض الامور وان تجد كذلك في حلقة اخرى ضيفين يتناقضان تناقضا صريحا في الطرح وفي الايديولوجية وفي المبادىء وفي ختام الحلقة يبقى المشاهد على عطشه لايصل الى نتيجة والى حل والى اجابة عن الاسئلة العديدة التي طرحها منشط الحلقة في بدايتها, لان في اخر الامر تبقى الحلقة كلها شجارا وتنافسا على الميكرفون ومن هو الذي يستولي على الكلمة ؟ المنشط ام الضيف (أ) ام الضيف (ب) ام المشارك عن طريق الهاتف, هذا التناقض الصارخ يعتبر ضعفا في المهنية والاحترافية وفي الاداء وغالبا ما ينعكس بالسلب على مخرجات المؤسسة الاعلامية. ماذا حدث في قناة الجزيرة وفي برنامج (الاتجاه المعاكس) الذي تناول موضوع السلام بين الاردن واسرائيل في الذكرى الرابعة لتوقيع اتفاقية وادي عربة؟ ماحدث في البرنامج خرج عن نطاق وحدود اخلاقيات المهنة حيث وصل الى حد القذف والشتم والتشهير وهنا بطبيعة الحال تنقلب المهنة الشريفة الى شيء اخر يتنافى جملة وتفصيلا مع الهدف الاسمى من المهنة الاعلامية, هذا لايعني أننا ضد حرية الصحافة او حرية الرأي او اننا نطالب بالرقابة على المؤسسات الاعلامية في الوطن العربي, ولكن مانطالب به هنا هو المهنية الاحترافية واحترام الاخر, فالتهم والالفاظ الجارحة والتشهير والقذف كل هذه الامور لا تخدم المصلحة العامة ولا الحقيقة ولا السوق الحرة للافكار ولا حرية الصحافة والرأي. وكان من الاجدر هنا ان يتدخل الدكتور فيصل القاسم معد ومقدم البرنامج ليوجه الحوار في الاتجاه السليم وان يوجه ضيفه لاحترام آداب واخلاقيات الحوار والجلسة فالضيف اساء الى العائلة الهاشمية الحاكمة في الاردن, وخرج عن نطاق اللياقة والكياسة وآداب واخلاقيات الجلسة والحوار, وليعلم الدكتور فيصل القاسم انه كان في مجالس ملايين البيوت العربية ومن خلال برنامجه اعطى الفرصة لضيفه ان يشتم ويقذف ويشكك في اصل دولة بكاملها وهذا يتنافى مع كل الاعراف والقوانين واخلاقيات الصحافة في جميع انحاء العالم. فحرية الرأي والصحافة لا تعني بأي حال من الاحوال الفوضى والطعن والتجريح والشتم والتشهير وكان من واجب منشط الحلقة وضيوفه التحلي باللياقة والكياسة واحترام الاخرين, على الاقل المتفرج الذي دخلت قناة الجزيرة بيته بدون اذن, والاشكال المطروح هنا هو اين هي اخلاقيات مهنة الصحافة؟ واين هو ميثاق الشرف الذي ترتكز عليه وتعود اليه المؤسسة الاعلامية في الوطن العربي؟ فالمؤسسة الاعلامية وفق الاصول والمقاييس يجب ان تعمل جاهدة لخدمة حرية الرأي وحرية الفكر وحرية التعبير بعيدا عن المزايدات والمساومات والانحيازات المغرضة, كما انه لايجوز اخلاقيا ان نستعمل القلم والمهنة لخدمة اهداف ومصالح غير البحث عن الحقيقة وكشفها للرأي العام. من الملاحظ كذلك حول الكثير من الكتابات والتحاليل والاطروحات وكذلك البرامج التلفزيونية العديدة والمختلفة ان بعض الكتاب والباحثين نصبوا انفسهم فوق الاخرين واصبحوا يقومون بالفتاوى والانتقادات للكثير من الدول العربية رغم ان ظروف دولهم واوضاعها اسوأ بكثير من الدول التي يوجهون لها الانتقادات واذا قمنا بجرد الدول العربية التي تناولتها قناة الجزيرة في موضوعات الرأي السياسية لوجدناها قليلة لاتتجاوز اصابع اليد وقد نتساءل هنا لماذا التطرق لبعض الدول العربية دون دول اخرى؟ والى مواضيع معينة دون مسائل اخرى؟ وهناك اشكاليات كثيرة تستحق الدراسة والبحث والتحليل في الكثير من الدول العربية لكنها بقيت مغلقة وممنوعة من التداول. وهنا تفرض الاسئلة التالية نفسها على المسؤولين في قناة الجزيرة: * ماهي المقاييس التي تعتمدها قناة الجزيرة في اختيار المواضيع التي تناقشها في برامجها؟ * ماهي المقاييس التي تعتمدها قناة الجزيرة في اختيار الدول التي تكون موضوع الحوار والنقاش؟ * ماهي المقاييس التي تعتمدها الجزيرة في اختيار ضيوفها والمشاركين في برامجها ــ (الخبراء والمختصون) الاعلام الجاد والهادف هو ذلك الاعلام الذي يبتعد على الفانتازيا والفولكلور و (الشوبيز) و الاثارة والتقليد نحن في الوطن العربي لسنا في اوروبا ولا امريكا, ونحن لسنا بحاجة الى تقليد (اوبرا وينفري) و (دنهيو) نحن كذلك لاندعو الى صحافة التملق لكن مايحتاجه العالم العربي هو لا هذا ولاذاك وانما اعلام يخدم المواطن العربي في الكشف عن الحقيقة والممارسة السياسية والمشاركة في اتخاذ القرار. الاعلام العربي بحاجة الى ادماج المواطن العربي في جميع مجالات الحياة, الاعلام العربي بحاجة الى ان يغير ويصلح ويوجه ويوعي اكثر من ان يثير الفتن والمشاكل الجانبية المفتعلة التي لاتخدم الا اصحاب المصالح الضيقة. حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الرأي هي قبل كل شيء مسؤولية اجتماعية والمسؤولية هنا تأتي بالدرجة الاولى لخدمة الصالح العام والسوق الحرة للافكار, وليس الاساءة للآخرين والنيل منهم عن طريق الشتم والمساس بكرامتهم وسيادتهم واصولهم والمسؤولية في الممارسة الاعلامية لاتعني في اي حال من الاحوال الرقابة او التسلط على المؤسسة الاعلامية او الحذف او الضغط بمختلف اشكاله بقدر ماتعني التحلي بأخلاقيات المهنة وبالمهنية والاحترافية. ونظرا للأهمية الاستراتيجية لمهنة الصحافة ودورها المحدد في المجتمع فإنه من الاهمية بمكان على القائم بالاتصال والمؤسسة الاعلامية نفسها التقيد والامتثال بالثوابت والمحددات والمستلزمات التي تحكم هذه المهنة والتي نلخصها فيمايلي: ان حرية الصحافة هي مسؤولية اجتماعية قبل كل شيء والمقصود بالمسؤولية الاجتماعية هو ان المؤسسة الاعلامية هي مؤسسة اجتماعية في خدمة الحق والفضيلة, فحرية الصحافة ليست فوضى وليست الافصاح والتطرق لكل مايجول ويصول بالبال, وانما هناك قوانين وتشريعات وضمير مهني لتقديم مادة اعلامية تخدم الحق وتكشف عن الواقع وتثير الرأي العام من اجل عطاء اكبر ومن اجل تصحيح الاخطاء والاقتداء بالمثل العليا وبالاخلاق والفضيلة. فالفرد في المجتمع له الحق في المعرفة وفي نفس الوقت له الحق في الخصوصية وصيانة حياته الخاصة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات