أبجديات، بقلم: عائشة ابراهيم سلطان

الثلج يأتي من النافذة هكذا يعنون الاديب السوري الكبير حنا مينه روايته الرائعة, لكنه يؤكد ان دفء الحب والمشاعر وجلجلة الفرح تأتي من عمق الروح, حيث تتكدس التذكارات وصور الحنين وصوت الشجن, يستنطق كل الذي كان شفيفا حميميا في سنوات العمر الذي ذهب , مر من نوافذ الايام دون ان نشعره . في العمر البهي الذي عشناه, نتذكر كما اليوم, ليلة الرابع عشر من شهر شعبان, او ليلة (النص) كما تقول الجدات والأمهات, انه (يوم حق الليلة) في ذاكرة الصغار المغلفة بالسكر, والملونة بقوس قزح, والمليئة بحبات الشيكولاتة والجوز واللوز. اليوم (حق الليلة) وفيه كنا ومازلنا نمارس طقسا شعبيا حميما, لكنه اليوم يكتسب طعما آخر حيث يأتي من عمق الفرح, فرح الوطن بعيده ومجده الزاهي. في يوم (حق الليلة) ليلة النصف من شعبان كان الاطفال في كل الاحياء يتدافعون, كفراشات ملونة, يحملون الاكياس, ويطوفون على البيوت مرددين (اعطونا حق الليلة) بأصوات رقيقة جماعية, ويتباهون في آخر النهار بأكياسهم المليئة بالغنائم. (حق الليلة) تثير في نفوس الكثيرين منا شجنا دفينا, على ذلك الزمان الذي ذهب في الزمن, وحين امعن الابحار في ذاكرتي وفي تفاصيل الايام ارى في ضمير الامس صغارا يختبئون وراء النوافذ ينتظرون بلهفة يوم (حق الليلة) بكل طقوسه الاحتفائية الصارخة. أكاد اسمع همسهم, اراهم امام عيني, وكأن الزمن نسيهم, وكأن العمر لم يمر بهم, انهم هناك خلف النوافذ يحلمون كل مساء بيوم (حق الليلة) ويخرجون عصر كل يوم يطل فيه قمر الرابع عشر من شعبان, يحملون اكياسهم الملونة, ويرحلون في الازقة الضيقة وفي رائحة الزمان الذي مضى, حيث النسوة تتجمع حول اواني المكسرات والسكاكر بانتظار الصغار, وحيث الصغار يملأون الفضاء مرددين: (اعطونا الله يعطيكم , بيت مكة يوديكم) . صغار اليوم الذين جاءوا الى زمن آخر, واحياء اخرى, ماعادوا يتقافزون بنعومة الفراشات, وماعاد قوس قزح يرسم هالاته حولهم, السيارات والشوارع والغرباء سرقوا الفرحة والضجيج والامان, وصارت الفلبينيات يحملن الاكياس, ويتبعن خطوات الصغار, وصار الصغار لايرضون بالمكسرات القديمة وحفنة السكاكر الصغيرة, صاروا يطلبون الشبس وحلويات باتشي والنقود, وبعضهم لايعرف ماهو (حق الليلة) . (حق الليلة) اسم على مسمى, فالليلة لها حقها باعتبارها البشارة الاولى على اقتراب شهر العبادة والصوم, وحقها ان نفرح بها ونحتفي وان يفرح الصغار, وان نحفظ موروثنا الشعبي بعيدا عن جدل البعض الذي بلا طائل, ولذلك فكل التحايا لمن يحفظ هذا الموروث من جمعيات ومؤسسات واندية ومراكز وعائلات. ان هذا اليوم جزء من صورتنا, التي تربطنا بالامس واليوم وبالوطن وبانفسنا, انه مناسبة محفورة في الذاكرة الجمعية للشعب, مارسناها واحببناها واحتفظنا بطعمها في دواخلنا ولا نريدها ان تضيع ابدا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات