مرحلة جديدة من تمركز رأس المال:بقلم-عادل محمد حسن

منذ بداية القرن العشرين لوحظت ظاهرة جديدة للرأسمالية تتثمل في تمركز وتركز الرأسمال واندماج المؤسسات الرأسمالية وذلك في إطار الحدود القومية للدول الرأسمالية بشكل عام. والهدف بالطبع هو السعي للحصول على اعلى معدل للأرباح والثبات في عملية المنافسة . واستمرت هذه الظاهرة لاحقا لتتخذ أبعادا تتجاوز حدود الدول من ناحية, ومن ناحية أخرى السرعة الكبيرة التي يتم فيها تبلور هذه الظاهرة في الظروف الراهنة. تدل الاحصائيات على أنه منذ منتصف السبعينات بدأت مرحلة جديدة أكثر اتساعا وتأثيرا على الاقتصاد العالمي بل والسياسة العالمية بما يعرف الآن بالعولمة. فإندماج المؤسسات الرأسمالية والحاق بعضها بالبعض او ادعامها يتسارع ويتناسب مع حاجة السوق العالمية التي اصبحت اكثر فاكثر تحت تأثير الاحتكارات ما فوق القومية. وفي الوقت الذي نلاحظ فيه انهيار اقتصاديات بلدان عديدة, فاننا نرى تعاظم أرباح 500 من الاحتكارات ما فوق القومية بمقدار 15% في السنة الماضية وازداد دخلها الصافي بمقدار 11%. ومنذ عقد الثمانينات بدأت 200 شركة احتكارية تسيطر على السوق العالمية وإحكام قبضتها على 37 الفا من الشركات ما فوق القومية. هذا الامتداد مكن هذه المؤسسات الرأسمالية الكبرى من تفادي الأزمات الاقتصادية التي عصفت او تعصف الآن باقتصاديات دول أو مؤسسات رأسمالية اخرى. وكما تشير مجلة فورتشيون الناطقة بلسان الاحتكارات العملاقة الامريكية: (ان هذه المؤسسات العالمية تحطم الحدود الدولية في سعيها للوصول الى أسواق جديدة وابتلاع منافسيها في الداخل) . ونتيجة لذلك ازدادت نسبة الناتج الاجمالي لهذه المؤسسات بالنسبة للناتج الاجمالي العالمي من 17% في منتصف الستينات الى 24% في عقد الثمانينات و30% في عام 1995. ويكفي الاشارة هنا الى نموذج اندماج الشركات اليابانية العملاقة, ميتسوبيشي, وسومي تومو وميتسوبي التي بلغت ملكيتها 320 مليار دولار. ويشمل نشاط هذه المؤسسات الاحتكارية مختلف فروع الاقتصاد من الصناعة والزراعة والخدمات. وتتوزع ملكية هذه المؤسسات على عشر من الدول الصناعية. ففي عام 1995 كان لدى اليابان 61 والولايات المتحدة 53 وألمانيا 23 وفرنسا 19 وبريطانيا 11 وسويسرا 8 وكوريا الجنوبية 6 وايطاليا 5 وهولندا 4 مؤسسات احتكارية. ويسود نزاع داخلي حاد بين هذه المؤسسات العملاقة. ففي الفترة بين عام 1982 وعام 1995 تقلص حجم الشركات الأمريكية في هذه التركيبة من 80 شركة عملاقة الى ,53 وبريطانيا من 18 الى 11 في الوقت الذي زاد فيه حجم الشركات اليابانية من 35 الى 63 شركة عملاقة. ويصاحب هذا التمركز والاندماج في الاحتكارات ما فوق القومية تركز مواز في رأسمالها بمعدل 15% سنويا منذ عام 1986. واذا ما استمرت هذه الوتيرة على حالها فان قيمة ما تنتجه هذه المؤسسات ستبلغ 10 تريليونات دولار. وهذا يعني أن هذه المؤسسات ستفرض سيطرتها المطلقة على الفروع الأساسية من الفروع العالمية في الاقتصاد كصناعة الطائرات والسيارات والاجهزة الالكترونية والمعدات العسكرية اضافة الى المؤسسات البنكية. ان جميع المتابعين لظاهرة تركز وتمركز الرأسمال على النطاق العالمي في حيرة من مستقبل هذه الظاهرة خلال القرن المقبل. فهل يستطيع مثل هذا التركز والتمركز أن يستمر في ضمان سيطرة الاحتكارات ما فوق القومية في إحكام قبضتها على الاقتصاد العالمي؟ وهل هناك من مؤشر لتوقف مثل هذه الظاهرة في المستقبل؟ كل هذه الاسئلة مطروحة على الاقتصاديين ورجال الاعمال. ولكن الثابت أن مثل هذه الظاهرة ستؤدي الى المزيد من تعميق الهوة بين البلدان الفقيرة والغنية. وستتعمق الهوة في البناء السياسي والاجتماعي في كلا المجموعتين من الدول مما يؤدي الى تعميق حالة عدم الاستقرار والمواجهة بين الشعوب الفقيرة والبلدان الغنية.

طباعة Email