الذي يزور الامارات لأول مرة, يؤخذ من بعد مظاهر الحضارة والعمران والمدنية الممتدة, بما هو اغزر من المظاهر, بالاعماق, التي من الكاد يجد مثلها في بلاده اليوم, فيعتبر ما يراه ويلمسه ويسمع عنه ضربا من الخيال, أو نوعا من المستحيل . فهو مثلا لا يصدق حين يرى كبار المسؤولين عندنا, من شيوخ ووزراء, من مستوى الحاكم احيانا إلى مستوى نائبه وولي عهده وبقية المسؤولين من الوزير إلى وكيله إلى المديرين العموم, يحضرون المناسبات العامة ويمارسون نشاطهم الرسمي الاعتيادي ونشاطهم الخاص, ويخالطون الناس, من كافة الفئات, أو يتجولون كغيرهم من المواطنين ويتنقلون من مكان إلى آخر, من دون حراسة ودراجات نارية تسبقهم وأخرى تلاحقهم, بزمامير وتعطيل السير, ولا رجال أمن ببنادق, فيعتبر ما يراه مثيرا للدهشة. وبما ان العدل اساس الملك, واساس الامن ايضا, فان ما يندهش له الزائر لا معنى له سوى أن المسؤول عندنا مهما كان وزنه, يأمن على نفسه كما يأمن كل مواطن آخر على حاله, وان من العدل تنتشر المحبة بين المسؤول وبين الرعية, فيذكرنا ذلك بمن قال لعمر بن الخطاب, عدلت فأمنت فنمت قرير العين. وهكذا فان دولتنا التي نحتفل اليوم بعيدها الوطني السابع والعشرين, قامت منذ البداية على مجموعة من المبادىء التي شكلت نسيجها الداخلي وسياستها الخارجية ونظرتها إلى المستقبل, مستمدة من عراقة التراث والتقاليد ومن سماحة الدين الاسلامي ومن الطموح في الوقت نفسه إلى بناء مجتمع عصري متكافىء. وعليه, فمن العدل اساس الملك, إلى توزيع الثروة بشكل يجعل المواطنين في اكتفاء, بما في ذلك الخدمات المجانية كالمسكن والتعليم والصحة, إلى نشر الامن والامان والطمأنينة, ما يشكل دعامة السياسة الداخلية, إلى حفظ المواثيق والعهود واحترام المعاهدات والدعوة المستمرة إلى نبذ الخلافات وحلها بالطرق السلمية إلى تحفيز الوحدة والاتفاق والتضامن, ما يشكل دعامة السياسة الخارجية, تبرز دولتنا وجهها الناصع إلى العالم كله, منذ نشأتها وحتى اليوم. وبما ان الامارات نموذج وحدوي ناجح بين التجارب الاقليمية والعالمية معا, فان من اتحادها واتفاقها على العمل الجماعي وبروح الفريق الواحد, سواء بين الامارات ككيانات سياسية قائمة بذاتها قبل الاتحاد, أو بين القيادة السياسية العليا والشعب, تمتح هذا المعين من المبادىء والسياسات العامة, التي تشكل اليوم ابرز انجازاتها وعطائها وهويتها, وهو ما لم تنجح دول كثيرة في ترسيخه وتكريسه, ولا في اجتراح تكوينه وبلورته, فطغت فيها السلطة على العدل, وغابت فيها مظاهر الوحدة الداخلية بين السلطة والشعب وتراجعت عنها قيم الوفاء والامن والطمأنينة, فتحولت إلى دول لكن بأنياب واظافر, داخليا وخارجيا على السواء. طبعا نستطيع أن نفخر نحن ابناء هذه الدولة, بما تم إنجازه في قطاعات العمران والاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة والتعليم والصحة والكهرباء والمياه والطرق والنقل والاتصالات وكافة مظاهر الحياة المعاصرة التي يشهد لنا بها العالم أجمع, غير اننا اليوم ونحن نحتفل بعيدنا الوطني المجيد نستطيع ان نفخر اكثر بما هو اعمق من هذه المظاهر, بوحدتنا وتماسكنا الداخلي وامننا ومبادئنا وقيمنا وسماحتنا وعدلنا, وغير ذلك مما يشكل عمقنا الداخلي الحقيقي وهويتنا وثقافتنا, مما يجدها بعض زوارنا مثار دهشة, ونجدها نحن مثار فخر.