شكرا لبنان شكرا للرئيسين:بقلم- فايز سارة

وسط حالة من الدهشة يختلط فيها الفرح والحزن, تابعت كواحد من المواطنين العرب عملية تسليم وتسلم الرئاسة الاولى في لبنان, وتابعت كغيري من العرب تفاصيلها عبر التلفزة , لأرى باوضح ما يمكن من التفاصيل والاجراءات, والتي بدأت بوصول الرئيس اللبناني الجديد اميل لحود الى مجلس النواب اللبناني, وقيامه بأداء القسم الرئاسي, ثم القائه خطابا حدد فيه توجهاته واطار سياساته المنتظرة, قبل ان ينتقل الى مقر الرئاسة اللبنانية, لتتم هناك آخر اجراءات التسليم والاستلام, بحيث يسلم الرئيس القديم لسلفه كل سلطاته الرئاسية وليخرج بعدها من قصر بعبدا بصفته مواطنا لبنانيا لاول مرة منذ ان تسلم رئاسة الجمهورية اللبنانية قبل تسع سنوات مضت. ولم تكن اجراءات الاستلام والتسليم ببساطتها هي التي ادهشتني فقط, بل ان ما ادهشني ايضا تلك التصرفات التي بدت في سلوك الرئيسين القادم والذاهب على السواء, حيث لم يتعرض احدهما الى الآخر بسوء ظاهر او مبطن, بل ان كليهما امتدح الآخر, فثمن الرئيس المقبل عهد الرئيس المغادر, وقدر المغادر مسؤولية الرئيس الجديد, بل انه اضاف الى ذلك اجراء اخيرا وآخرا في عهده الرئاسي, بان قدم له وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الاستثنائية وهي المرة الاولى التي يمنح فيها الرئيس الهراوي هذا الوسام في عهده كله. لقد تجاوزت دهشتي الاجراءات والخطوات البروتوكولية, وربما كلام قد لايخلو من مجاملة, يبديها الرئيسان امام الجمهور, الذي يتابع حركتهما عبر شاشات التلفزة, محاولا استقراء ما ظهر منها وما بطن, الامر الذي يدفعهما للحرص على كل صغيرة وكبيرة في تصرفاتهما في محاولة للقول انه ليس بالامكان اصح ولا اجمل مما كان, ومن اجل ان تكون صورة الرئيسين في احسن حال, وكذلك صورة لبنان. ان تجاوز دهشتي حدود الاجراءات والخطوات البروتوكولية, وصلت الى الخطابات التي القيت في المراسم, وكان خطاب الرئيس لحود في اتجاهه العام متقاطعا مع كثير من مواقف وسياسات الرئيس الهراوي, بل ان فيه روح الخطابات والكلمات الاخيرة التي قالها الرئيس الهراوي في السياسة اللبنانية في مستوياتها المحلية والاقليمية والدولية, وقد زاد عليها الرئيس لحود آماله وطموحاته المنتظر تحقيقها في عهده, مبرزا انه لا احد في لبنان فوق القانون, بما في ذلك الرئاسة الاولى, التي ينبغي ان تكون نموذجا ومثالا في احترام القانون وفي متابعة تنفيذه حتى اقصى الحدود. ربما هذه النقطة, بل كل ما احتواه خطاب الرئيس لحود امام مجلس النواب ابان حضور جلسة القسم, كانت بين الدوافع التي جسدها سلوك الرئيس الهراوي وهو يستقبل الرئيس لحود ويسلمه الرئاسة, وقد زاد على ذلك باعلان شديد البساطة عميق المعنى باعلانه العودة الى صفوف مواطنيه, واضاف انه يضع نفسه الى جانب الرئيس في تحقيق طموحاته. وسط حالة الدهشة المفرحة تابعت كل ما جرى بتفاصيله وحيثياته, لكن دهشتي تلك كانت مترافقة بحزن شديد, والاخير لم يكن متصلا مباشرة بما حدث امام ناظري, بمقدار ما كان يتصل بخلفية الحدث وتداعياته التي اخذت تتراكم في داخلي كمواطن عربي عايش السياسة العربية عقودا, تبدل فيها كثير من الزعماء والقادة في بلدان العرب, لكن ما كان منها علنيا واضحا او منظورا بدرجة ما, كان قليلا للغاية, بل ربما علينا العودة تفصيليا الى تاريخ المنطقة في اربعة عقود للتأكد من ذلك. ان صور تبدل القادة والتغيير في سدة السلطة في البلدان العربية, تحتشد في اطار واحد اساسه التغيير في سدة السلطة عبر القوة والقوة اساسا, حيث يأتي الزعماء والقادة عبر انقلابات تدعمها جيوش واجهزة, بل ان بعضهم يأتي مباشرة على ظهر دبابة الى القصر الرئاسي, ثم يستقر في موقع المسؤولية الاولى الى ان يأتي غيره, ويعيد الدورة, فيطيح بالقائم على السلطة, وينصب نفسه مكانه, معلنا انه يمثل الارادة الشعبية, وانه سيحقق الاهداف المطلوبة, واعدا شعبه بالمستقبل, لكنه عندما يرحل, يكتشف مواطنوه الى اية كارثة وصلوا. وما هو خارج اطار تلك الصور من التغيير في سدة السلطة في البلاد العربية, قد لايكون احسن من سابقه, حيث في ذلك دسائس ومؤامرات تحاك من داخل السلطة, دون ان تبلغ حد الانقلاب الواضح, فيقال ان شاغل سدة السلطة مريض, او هو عاجز عن اداء مهام منصبه, فتتم تنحيته, ويجري تنصيب حاكم غيره في انقلاب ابيض, ولا بأس اذا لونته بعض من خيوط اللون الاحمر التي لاتظهر في مشهد التغيير واضحة. قليلة, بل تكاد تندر حالات تبديل رأس السلطة في العالم العربي التي حدثت خارج تلك المضامين من اجراءات الليل ودورات العنف لكن حتى القليل هذا لم تكن له تلك الشفافية, والعلنية المطلوبة, وروح التوافق التي يبديها القادم والذاهب, ومن حق المواطن العربي ان يراها ويلمسها, بل هي من ابسط حقوقه في الاطلاع ومعرفة كيف يجري تبدل رأس السلطة في بلده وفي اية ظروف. بلد مثل لبنان, كغيره من بلدان المشرق العربي التي حددت مستقبلها ومصيرها اتفاقية انكلو ــ فرنسية هي سايكس ــ بيكو, بلد ولد من خاصرة شقيقته سوريا, ومنذ تلك الولادة والتي سبقت الاستقلال باكثر من ربع قرن, كونت النخبة اللبنانية مفاهيمها عن الدولة والمجتمع والتعددية, ورغم كل الامراض التي صاحبت تلك التحديدات, فقد نجح اللبنانيون في الاتفاق على نظام له طبيعة ديمقراطية طبقوه في بلدهم بعد الاستقلال. ورغم ان الامور لم تجر باستقامة واحدة في لبنان الذي لم يكن معزولا عن التأثر بالتطورات الاقليمية والدولية, واساسا بالتحولات الاجتماعية الداخلية, وكلتاهما هزت لبنان مرات قبل ان تدفعه في آتون حرب اهلية, كادت تذهب بلبنان, غير ان ارادة الحياة عند اللبنانيين وتوافق بعض التوجهات الاقليمية والدولية معها اوقفت الحرب, ووضعت لبنان امام مرحلة جديدة ولاسيما في بناء نظام من طبيعة ديمقراطية, تمثل مجريات الاستلام والتسليم بعض مظاهرها. لبنان في انتخابه رئيسا جديدا بعد ثمانية وعشرين عاما من غياب الانتخاب, والرئيسان في عملية التسليم والاستلام قدما لنا شيئا من حلمنا الذي غاب, والذي لم يعرفه بعضنا ابدا, قدموا حدثا يثير الدهشة وبرغم ذلك فهما يستحقان الشكر, كل الشكر للبنان وللرئيسين اللذين قدما للمواطن العربي ما يحرك فيه مشاعر الدهشة والفرح والحزن في وقت واحد! كاتب وصحفي سوري*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات