جيش جائع بأنياب نووية:بقلم-عادل محمد حسن

روسيا بلد الغرائب، فهي أغنى بلدان العالم من حيث الثروات الطبيعية وطاقاتها العلمية والبشرية في حين يعيش 40 مليون نسمة من الروس دون حافة الفقر . وغرائب هذا البلد لا تعد ولا تحصى. الا ان ابرز هذه الغرائب وأكثرها خطورة هو جيشها، الذي كان ثاني اقوى جيش في العالم أيام زمان وأصبح أفراده الآن لا يحصلون حتى على مرتباتهم بسبب الازمة الاقتصادية المعروفة التي تحيق بروسيا. فعلى سبيل المثال فإن ميزانية القوات المسلحة الروسية البالغ عددها مليون ونصف شخص هي اقل من الميزانية الدفاعية لدى دولة اوروبية مثل الدنمارك التي يبلغ عدد افراد القوات المسلحة فيها »33« ألف فرد، وليس لديها اي اسلحة نووية أو اسلحة الدمار الشامل. ورغم تصدع الماكينة العسكرية فإن الجيش الروسي مازال يحتفظ بأكثر من 25 الف رأس نووي رغم الاتفاقيات الدولية التي عقدتها روسيا في اطار تقليص الاسلحة النووية ورغم انسلاخ الجمهوريات السوفييتية السابقة عنها والتي كانت تحوز بعض هذه الاسلحة المدمرة. الازمة الاقتصادية الاجتماعية المخيمة الآن على روسيا تترك اثارا مضاعفة على القوات المسلحة الروسية. فلقد كثرت حوادث القتل والانتحار والسرقة والموت من جراء البرد وضعف التغذية في السنوات الاخيرة. ويكفي الاشارة هنا الى ما أوردته اخيرا الاحصائيات الرسمية الروسية حول مقتل »1270« فرداً من المجندين الروس في العام الماضي. هذا العدد يقارب ما خسره الجيش السوفييتي في اعوام الصراع في افغانستان. ففي تلك الاعوام التسعة راح »15« ألف عسكري سوفييتي ضحية المواجهة مع الميليشيات الأفغانية اي بمعدل »1666« فرداً في العام. ويزيد من خطورة هذه الظاهرة ان الاصلاح لم يطل بنية القوات المسلحة الروسية. فالعلاقة بين الجنود ورؤسائهم قائمة على التعسف والقهر وفرض اعمال السخرة على المجندين. وقد نصحت وزارة الدفاع الروسية الجنود أخيرا بصيد الاسماك وجمع الفطر في الغابات وذلك لتحسين التغذية للأفراد. ويضطر الجنود وحتى الضباط الى العمل كسائقي تاكسي أو حراس أو عمال بناء أو حتى في المضاربة بالتجارة وسوق الاسهم والتهريب وذلك بسبب قلة الرواتب أو انقطاعها. ولا تقوم بالمهمات العسكرية الا تلك الوحدات المتمركزة في اطراف موسكو او على الحدود مع الجمهوريات الشرقية أو تلك الوحدات العاملة في السلاح النووي. ويشير فلاديمير سكريبكين، من الاتحاد الراديكالي المناهض للعسكريتريا، الى »ان الجيش هو عبودية، واننا جميعا نتصرف كعبيد«. اما ديميتري ترينين، وهو جنرال متقاعد، فإنه يصف الجيش الروسي حاليا بالعبارات التالية: »انه ليس جيشا، ففي الواقع انهم اناس عاديون يلبسون البدلة العسكرية«. الوضع الاجتماعي والصعوبات الاقتصادية أديا الى تخلخل الضبط العسكري في الجيش الروسي من ناحية، ومن ناحية اخرى زاد من العصيان والجريمة مما يهدد مؤسسة مازالت تمتلك من سلاح التدمير ما يكفي لتدمير كرتنا الارضية مئات المرات. ففي منتصف سبتمبر الماضي بادر مجند الطوربيدات الكسندر كوزمينخ العامل في احدى الغواصات الذرية الروسية في بحر الشمال الى قتل ثمانية من افراد طاقم الغواصة واعتصم في غرفة الطوربيد النووي وانتهى هذا الامر الخطير بعد ان انتحر هذا الجندي على ظهر الغواصة. وتكررت حوادث مماثلة في وحدات اخرى من القوات المسلحة الروسية. وتشير التقارير الواردة عن هذه الاحداث الى ان العامل النفسي والاقتصادي كانا وراء تكرار مثل هذه الحوادث. وازدادت هذه الحوادث بسبب ان نظام الفحص النفسي للمجندين العاملين في الوحدات الذرية قد تهاوى مع انهيار الاتحاد السوفييتي. ويشير الجنرال محمود قراييف، رئيس الاكاديمية العلمية العسكرية الروسية الى ان »الازمات الاقتصادية ادت الى تدني مستوى التعليم والصحة لدى الشباب في القوات المسلحة بشكل حاد. وهذا ما ادى الى هروب الشباب المتعلم من القوات المسلحة، بحيث اضطر اسطول الشمال اخيرا ولأول مرة منذ 80 سنة الى قبول مجندين أميين!«. هذه الحالة تهدد البناء العسكري الروسي كما تشكل تهديدا للعالم اذا لم تتخذ السلطات الروسية التدابير المناسبة لمواجهة احتمالات الانفلات الخطيرة في جيش ما زال يمتلك الكثير من اسلحة الدمار الشامل.

تعليقات

تعليقات