اوجلان بين روما وبرلين: بقلم- رضي الموسوي

مرة اخرى ترتكب تركيا خطيئة جديدة في معالجتها لقضية حزب العمال الكردستاني الذي يتزعمه عبدالله اوجلان , وذلك حين وترت الاجواء السياسية الى اقصاها ضد ايطاليا التي افرجت عن الزعيم الكردي ووضعته قيد الاقامة الجبرية في منطقة روما, في وقت تقدم فيه اوجلان بطلب للجوء السياسي في ايطاليا. الخطيئة الاولى حين اصرت انقرة على اخراج عبدالله اوجلان من سورية وهددت, حينها, بتوجيه ضربة عسكرية موجعة لدمشق وحشدت عشرات الآلاف من الجنود على الحدود مع سورية فيما كانت دمشق ترفض التهديد وتبحث عن اساليب ديبلوماسية خلصت الى ابعاد اوجلان الذي وصل الى احدى ضواحي موسكو ومن ثم وصل الى روما. لقد قدمت تركيا من حيث لاتدري, بسبب التوتر النفسي الذي تعانيه الحكومة, خدمة كبيرة لحزب اوجلان الذي فقد حلفاءه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, واسدال الستار على الحرب الباردة فالرجل الذي يمسك حزب العمال الكردستاني بقبضة حديدية, وجد نفسه امام تغيرات عالمية جذرية تتطلب سرعة في اتخاذ قرارات استراتيجية ومصيرية بالرغم من تمسكه الظاهري بالحرب الشعبية طويلة الامد التي كان يمارسها الحزب منذ مطلع الثمانينات, وقد وجد الفرصة في احلك الظروف التي واجهته, وقرر التحول بناء على تغير مركز نشاطه, فإذا به في العمق الاوروبي الذي يتمتع فيه الحزب الكردستاني بعشرات الآلاف من الاعضاء والمناصرين والذين يعتبرون اوجلان ابو القضية الكردية وشعلتها التي لاتنطفىء, فتحولت حركته بسرعة مذهلة من عصابات ارهابية في نظر اوروبا الى قضية حية يجب الدفاع عنها وعن مبادئها, لذلك لم يجد رئيس الوزراء الايطالي ما سيمو داليما اية صعوبة في شرح وجهة نظر بلاده ازاء رفض تسليم اوجلان لانقرة, حيث اكد (ان الحكم لايعني فقط اتخاذ خيارات اقتصادية ودستورية وسياسية بل يعني ايضا الدفاع عن المبادىء والقيم السياسية وان الاشخاص ليسوا طرودا حتى تحتجز) , في اشارة واضحة الى المطالب التركية بتسليم اوجلان, في هذه الاثناء كان عبدالله اوجلان الملقب بـ (ابو) يتحول في خطابه وسلوكة ليصبح ضمير اكراد تركيا بعد ان كان ارهابيا مطاردا, ما يشير الى انقلاب جذري من جانب الرأي العام العالمي تجاه قضية اكراد تركيا, فقد استطاع (ابو) اقناع الاكراد واوروبا معا باستراتيجية الجديدة حين نبذ (الارهاب) ابان وجوده في موسكو وهيأ الاجواء لاطلاق الاستراتيجية الجديدة المتمثلة في السعي لحصول اكراد تركيا على الحقوق الثقافية والاجتماعية ضمن الدولة التركية وبوسائل نضالية لا تستفز احدا. هذا الموقف وضع انقرة في موقف حرج, خاصة مع تحريكها لقرابة خمسين الف جندي لجنوب شرق تركيا تحت يافطة مطاردة فلول الانفصاليين الاكراد, اذ من المتوقع ان تمحى قرى ومناطق برمتها من الخريطة, كما فعلت في السنوات القليلة الماضية. والموقف الجديد لاوجلان وحزبه, حدا بالاتحاد الاوروبي الى اصدار بيان مؤيد لايطاليا في رفضها تسليم الزعيم الكردي, فقد اكدت اوروبا (تضامنها التام مع ايطاليا في تصميمها على تطبيق قوانينها والتزاماتها وتعاقداتها) ولم يشأ الاتحاد الاوروبي قطع الخيوط جميعها مع انقرة وكذلك اعلن ادانته بشدة (الارهاب بجميع اشكاله بما فيه ارهاب حزب العمال الكردستاني) . لكن هذا الموقف يبدو انه سوف يستثمر لصالح ايطاليا وليس تركيا, فالمانيا التي تعتبر العضو القوي في الاتحاد جددت قبل ايام مذكرة قديمة بتوقيف عبدالله اوجلان, ما يفتح احتمالات تسليمه لالمانيا اذا طالبت به وليس الى تركيا التي تريد اعدامه, ثمة اصرار تركي على المضي في ذات السياسة التي انتهجتها انقرة منذ تأسيس حزب العمال, فبدلا من المعالجة السياسية لقضية قومية لاتزال تؤرق الدول التي تعيش فيها اقليات كردية, سعت انقرة الى وضع حلول امنية وعسكرية للمشكلة السياسية, وهذا ما جعل من الحملات التي قام بها الجيش التركي طوال السنوات السابقة تمنى بالفشل, فالتشخيص ليس له علاقة بالعلاج, وبالتالي فإن النتائج لابد وان تكون غير مجدية, ولايبدو ان جنرالات الجيش التركي في وارد التخلي عن ذات النهج, بل ان الظروف التي تعاني منها تركيا تجعلهم يقومون بتهريب المشكلة الاقتصادية ــ السياسية الداخلية نحو الاناضول, اي نحو الجنوب الشرقي الذي تقطنه غالبية عظمى من الاكراد الذين ينظرون الى اوجلان وحزبه مخلص الامة المنكوبة. لقد قضى اكثر من ثلاثين الف شخص في اتون حرب تركيا على الاكراد, ولايزال الحبل على الجرار مادامت الحلول العسكرية هي الخيار الوحيد لدى الحكومة التركية ففي ظل غياب الحوار الواقعي والاعتراف بالحقوق القومية للاقليات, لن يكون هناك حل دائم. وفي الجانب الآخر, وبالرغم من موقف ايطاليا الواضح والرافض لتسليم زعيم الحزب الكردستاني لانقرة, الا ان روما توابه ضغوطات ليست هينة, خاصة من جانب اليمين الذي يطالب بتسليم (ابو) الى انقرة, مستندا في ذلك الى قرار تركيا ايقاف العقود مع ايطاليا تنفيذا لتهديدات رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ الذي قال (ان ايطاليا ستدفع الثمن غاليا اذا لم تسلم اوجلان) , وبالفعل بدأت انقرة في مقاطعة المنتجات الايطالية, وجمدت صفقات عسكرية بقيمة ثلاثمائة مليون دولار سنويا تستوردها الشركة العامة للصناعات الميكانيكية والكيميائية الحكومية, واعلن البنك الزراعي الحكومي انه اوقف منح قروض لشراء الجرارات الايطالية والمعدات الزراعية الاخرى, بينما تتضاءل فرص فوز شركة (اغوستا) الايطالية بعقد ضخم مع الجيش التركي لانتاج 145 مروحية قتالية بالاشتراك مع شركاء اجانب وتبلغ قيمة هذا العقد اكثر من اربعة مليارات دولار. ان ابواب جهنم قد فتحت في انقرة, ويبدو ان الارباك بلغ اوجه مع الحال التي وصلت اليه الحكومة التركية المهددة بالسقوط في اي لحظة بسبب التهم الموجهة لاقطاب مهمين فيها والمتمثلة في اقامة علاقات سرية مع اوساط المافيا, واذا ما اضيفت الحالة الاقتصادية المتردية للاداء الاقتصادي في تركيا, فإن النظرة ستكون اكثر سوداوية, ومرجح ان تقدم الحكومة الحالية على اعادة خلط الاوراق من جديد في محاولة لالتقاط الانفاس ومواجهة جملة من الاستحقاقات التي تأخرت في ظل حكومة العسكر. نخلص الى القول بان انقرة تكاد تخسر معركتها الحالية مع عبدالله اوجلان وايطاليا, فالاول ليس نيلسون مانديلا الذي قضى في السجن قرابة ربع قرن وقاد شعبه الى اسقاط النظام العنصري في جنوب افريقيا, كما ان اوجلان ليس كارلوس الذي يقضي عقوبة السجن في فرنسا بعد ان تخلى عنه اصدقاؤه القدامى في المنطقة وخاصة في الجانب الفلسطيني الذي وجد في كارلوس بعد الحرب الباردة وماراثون المفاوضات الثنائية عالة على الفلسطينيين بعد سنوات قضاها معهم! ان اوجلان هو (ابو) صاحب قضية كردية لم يجر علاجها حتى الآن, لذلك فهي مرشحة لمزيد من التضاؤل والتوقف.

تعليقات

تعليقات