مسكنات (الصندوق)تهدد ميركوسور!بقلم- الدكتور طلعت شاهين

احيانا ما تكون الحلول المؤقتة للازمات الاقتصادية كالمسكنات أسوأ من الازمات نفسها, لان محاولات التخفيف من حدة تلك الازمات , وبشكل خاص الازمات الاقتصادية الناتجة عن عوامل خارجية يؤدي الى ازمات جديدة وربما أسوأ, خاصة اذا انتهت تلك المسكنات الى انتكاسة, اضافة الى ان تلك المسكنات تتطلب التضحية بمصالح آخرين في الداخل والخارج على حد سواء, وهذا يعني ان الازمة تزداد منذرة بانفجار ازمات جديدة على جميع المستويات القريبة والمتوسطة والبعيدة. من تلك الازمات التي ينطبق عليها نتيجة هذا التحليل, تلك الناتجة عن موافقة صندوق النقد الدولي على تقديم قروض جديدة للبرازيل لمواجهة عجزها الناتج عن هروب رأس المال الاجنبي من البلاد, بعد ان تأثر الاقتصاد الوطني البرازيلي بشكل كبير بالازمة الاقتصادية الآسيوية لان الشروط غير المعلنة, ولكنها معروفة مسبقا, حتى من قبل الموافقة على تلك القروض الجديدة, تعني تطبيق بعض الاجراءات الصارمة, التي يعلن صندوق النقد الدولي دائما انها مطلوبة, على الرغم من عجزه عن اثبات فاعليتها, بل كانت في الاغلب الاعم سببا في المزيد من الصعوبات الاقتصادية, التي تواجه الحكومات التي تطبقها, ومنها حكومة الرئيس كاردوسو في البرازيل. وذلك لان الاجراءات الداخلية وتأثيرها على الطبقات الاكثر حاجة الى المساعدة تعتبر من الامور الكلاسيكية في سياسات صندوق النقد الدولي وشروطه المجحفة التي تكرس في النهاية لنوع جديد من الاستعمار الاقتصادي, الذي يتخذ من رهن مستقبل الشعوب والامم وسيلة لمزيد من المعاناة. لكن هذه المرة, نجد ان شروط صندوق النقد الدولي كانت تأثيراتها ابعد من ان تكون مؤثرة فقط على السوق المحلي, او الاستثمارات الوطنية, او حتى فقدان الطبقة الفقيرة للحماية في مجالات الصحة والتعليم, وغيرها من الخدمات الاساسية. شروط صندوق النقد الدولي هذه المرة اثرت وبشكل مباشر على مشروع مستقبلي عملاق, كانت تعول عليه معظم دول النصف الجنوبي من امريكا اللاتينية لاخراجها من وضعها الاقتصادي المتردي المزمن, وهو مشروع (سوق الجنوب) او كما يطلقون عليه هناك (ميركوسور) الذي بدأت في تطبيقه منذ سنوات قليلة, بعد عناء ومباحثات مطولة, بين كل من البرازيل, والارجنتين, والبارجواي, والاورجواي, اضافة الى التشيلي والبيرو كدول متضامنة وراغبة في الدخول كأعضاء كاملي العضوية في المستقبل, او على الاقل كدول هامشية العضوية في هذه السوق الضخمة, التي يمكن ان تكون من اكبر الاسواق المستهلكة في النصف الغربي للكرة الارضية. لكن ما ان بدأت الحكومة البرازيلية في تطبيق الاجراءات المطلوبة للحصول على قروض صندوق النقد الدولي الجديدة, حتى بدأت المشاكل على الحدود مع الارجنتين تطفو على السطح, وتعيد الى الذاكرة سنوات المنافسة فيما قبل تطبيق اتفاقيات (ميركوسور) , لان من شروط صندوق النقد الدولي التقليل من حجم الاستيراد من الخارج, حتى لو كان الامر يتعلق بالمواد الغذائية الاولية للسواد الاعظم من الشعب البرازيلي. وبما ان تلك الشروط السرية او شبه سرية, او الغير معلنة على الملأ, لا يمكن تطبيقها على السلع المستوردة من الدول الاعضاء في تلك السوق, طبقا لاتفاقية اقامتها, فان السلطات البرازيلية بدأت في تطبيق سياسات جديدة فيما يتعلق بالاستيراد من الدول الشريكة في (ميركوسور) وحتى لا تحدث مواجهة مع دولة عضو كامل العضوية في تلك السوق مثل الارجنتين, فقد تقرر تطبيق قواعد لا تتحدث عن وقف الاستيراد, بل قواعد خاصة بالحجر الصحي, وتحليل عينات معينة من تلك المواد قبل التصريح بدخولها بشكل رسمي, مما يعني تأخر وصول تلك الشحنات من السلع المستوردة الى الاسواق البرازيلية في الوقت المناسب, خاصة ان اكثر من 40 في المائة من تلك السلع قابلة للفساد في حالة تأخير الافراج عنها من مخازن الدوائر الجمركية. لانه بالنسبة للسلطات البرازيلية يمكن لهذه الاجراءات ان تؤدي الى وقف تعامل المصدرين مع السوق البرازيلية تجنبا للخسارة الناتجة عن تأخير الافراج عن تلك السلع وفسادها, او تجنبا للاجراءات الكثيرة المعقدة التي لم يكن المصدر الارجنتيني على علم بها, وبهذه الطريقة يمكن لتلك السلطات ضرب عصفورين بحجر واحد: تنفيذ طلبات صندوق النقد بالتقليل من حجم الاستيراد من الخارج, ونفض اليدين امام الشريك الارجنتيني في (ميركوسور) , دون حاجة الى تقديم تفاصيل او تفسيرات تهدد بوقف تنفيذ اتفاقيات تلك السوق كمشروع تكاملي كبير بين دول المنطقة, وان كانت تلك الاجراءات تؤخر بعض الشيء مسيرته الى ان تتحسن الاوضاع الاقتصادية المتدهورة في البرازيل. لكن يبدو ان ساسة البرازيل لم يحسبوا حساب الربح والخسارة سياسيا مع شركائهم في (ميركوسور) وبشكل خاص الجانب الارجنتيني الذي تنبه الى تلك اللعبة, وكان رد الفعل الرسمي حادا, والذي يمكن فهمه من تصريحات وزير الاقتصاد الارجنتيني (روكي فرنانديث) , الذي اعتبر تلك الاجراءات عودة الى اجراءات الحماية القديمة التي تخطاها البلدان في علاقاتهما بعد البدء في تنفيذ مشروع (ميركوسور) . ويمكن لتطور الاحداث بين البرازيل والارجنتين ان يدفع بعلاقاتهما التجارية الى حالة من المواجهة, مما قد يعيق تقدم تنفيذ الاتفاقيات المشتركة, لان صادرات الارجنتين الى البرازيل تقدر بحوالي 30 في المائة من صادرات الارجنتين الخارجية, وهو ما يقدر باكثر من 8 بلايين دولار سنويا, وتأثير ما يقرب من نصف هذه الصادرات بالاجراءات الاخيرة يمكن ان يضع الاقتصاد الارجنتيني في حالة مشابهة لما وصل اليه الامر في الجانب البرازيلي. الوضع حتى الآن بين البلدين في حالة من سكون قلق في انتظار اجتماع القمة بين زعماء (ميركوسور) المنتظر عقده في ريو دي جانيرو يومي 9 و 10 ديسمبر المقبل, وفي هذا اللقاء على الرئيس البرازيلي ان يقنع الارجنتيني كارلوس منعم بجدوى هذا الوضع, وكيفية حل هذه المسألة بما يضمن وقف انتقال دوامة الازمة من البرازيل الى الارجنتين. تأثيرات اجراءات صندوق النقد الدولي السلبية على السوق الداخلية في البرازيل ايضا سلبي على غيره من اقتصاديات مجموعة دول (ميركوسور) لان الاقتصاد البرازيلي يمثل في النهاية جزءا من اقتصاديات تلك الدول, بل الجزء الاكبر في هذه المجموعة, والخبراء في هذه الحالة متشائمون, لانه نتيجة لتلك الاجراءات, من المنتظر ان ينخفض حجم الانتاج الصناعي في البرازيل بنسبة تصل الى 2.5 في المائة, وينعكس هذا بالتالي على انخفاض الاستهلاك المحلي, الذي بدأت تتراجع فيه مستويات الاستهلاك من المواد الاكثر حيوية, حيث انخفضت مبيعات السيارات بنسبة تزيد على 28 في المائة, مما ادى الى خفض الانتاج في مصانع السيارات بنسبة 23 في المائة, وما يعني ذلك من زيادة حدة البطالة. لذلك يتحدث الخبراء الاقتصاديون في البرازيل عن ازمة اقتصادية مفتوحة تشبه تلك التي تعصف بروسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, ويحذرون من دورة ثانية من الازمة الاقتصادية, ويؤكدون ان زيادة حدة الازمة وانتقالها الى الدول الاخرى في ميركوسور, يمكن ان يدفع الحكومة البرازيلية وحكومات الدول الشريكة الاخرى في السوق الى اتخاذ اجراءات من شأنها ان تعيد المنطقة الى حواجز الحماية الجمركية, واذا حدث هذا فان هناك شك في الاستمرار في تطوير السوق المشتركة بين دول جنوب امريكا اللاتينية (ميركوسور) وهذا سوف يكون نتيجة مباشرة لمسكنات صندوق النقد الدولي. الازمة تكمن في صندوق النقد الدولي وسياسته الملوثة بفيروس الاستعمار. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات