السلاح السحري،في القضية الفلسطينية، بقلم: رياض ابو ملحم

لوحظ ان موقف الحكومة الاسرائيلية مما نشر حول اهتمام العلماء الاسرائيليين بتطوير سلاح بيولوجي فتاك يستهدف العرب, كان اقرب الى التجاهل ومحاولة تسخيف الموضوع بوصفه نوعا من المبالغات الساذجة, ومن الواضح ان الغاية من ذلك ليست فقط التقليل من شأن المعلومات المنشورة في هذا الشأن وانما اقفال هذا الملف وتجنب الخوض فيه, اعلاميا وعلى كل المستويات الاخرى. وفضلا عن ان التقرير الذي نشرته صحيفة (صنداي تايمز) بخصوص الابحاث الاسرائيلية السرية يعتبر محرجا للدولة العبرية لانه يبرز الجانب العنصري في توجهاتها وسياساتها الحالية والمستقبلية الا انه يرتبط بأمرين مهمين: ــ الامر الاول, هو التذكير بمحاولات مماثلة قام بها العلماء الالمان خلال الحكم النازي وكانت ساحتها الرئيسية معسكر الاعتقال في (اشفتز) ببولندا اثناء الحرب العالمية الثانية, وقد استهدفت تلك التجارب اليهود على نحو اخص, كذلك التجارب التي قام بها علماء جنوب افريقيا خلال حكم الاقلية البيضاء القائم على قاعدة التمييز العنصري, حيث عمل الباحثون هناك على تطوير بكتيريا وفيروسات موجهة ضد السود وتستهدفهم بوسائل علمية مختلفة. ويظهر تكرار هذه التجارب في اسرائيل حقيقة التماثل بين العقل النازي الذي بنى مقولاته الفكرية والدعاوية على اساس التفوق المطلق للعرق الآري, وكذلك التمييز العنصري للاقلية البيضاء في جنوب افريقيا من جهة, وبين الفكر العنصري التمييزي الذي تحكم الدولة العبرية بموجبة منذ قامت قبل خمسين عاما حتى يومنا هذا, من جهة اخرى. واكثر ما يعبر عنه هذا الترابط, او التماثل, هو انه يعيد انتاج اوهام قديمة قادت العالم نحو كوارث انسانية مرعبة لم يستطع احد حتى الآن التخلص من كل اثارها المدمرة. ــ اما الامر الثاني فيتصل بالتسوية السياسية للقضية الفلسطينية, لا سيما بعدما بلغت مرحلة مفاوضات الوضع النهائي. قد لا تكون الابحاث الاسرائيلية (العلمية) مرتبطة بالتسوية الحالية ومن الطبيعي القول انها بدأت قبل الآن بوقت طويل, لكنها ترتدي حاليا طابعا اكثر اهمية كونها تتعلق بارساء وضع دائم تحاول الدولة العبرية ان تستولي فيه على اكبر مساحة من الارض الفلسطينية بعد ان تعذر عليها تحقيق حلمها باقامة اسرائيل الكبرى. فعلى الرغم من امتلاك اسرائيل كل اسلحة الدمار الشامل, وتمتعها بتفوق عسكري على الدول العربية مجتمعة, فهي تبقى محكومة بعقدتين رئيسيتين: الاولى, الحفاظ على نقائها الديني, بحيث لايحدث اي اختلاط في المستقبل بين اليهود وغير اليهود فتظل الخصوصية اليهودية بارزة وحاضرة دائما, والثانية, محاولة التغلب على العامل (الاقلوي) ــ اذا جاز التعبير ــ الذي يشكل احد ابرز عوامل الضعف في بنية الدولة الاسرائيلية, فعدد مواطني هذه الدولة لن يتجاوز الستة ملايين في المدى المنظور, بسبب انحسار موجات الهجرة اليهودية الى اسرائيل من جهة, وعجز التنمية البشرية الطبيعية عن سد هذه الثغرة القائمة من جهة اخرى. وبدلا من ان تحاول اسرائيل الاندماج في المنطقة وبناء علاقات جديدة تقوم على الانفتاح والمساواة تفعل العكس تماما, اذ تبني سياساتها على اساس التميز اولا, وعلى اساس قهر الآخرين واضطهادهم ثانيا, والآخرون هم الفلسطينيون بطبيعة الحال. ومن المؤكد ان قضية اللاجئين تشكل النقطة الابرز, والاكثر اهمية في ملف مفاوضات الوضع النهائي, وتشير التقديرات, شبه الرسمية, الى ان عدد النازحين الفلسطينيين (نازحو 1948, ونازحو 1967) يقدر بحوالي ستة ملايين شخص موزعين على عدد كبير من الدول العربية والاجنبية اي ان هذا العدد يزيد على تعداد يهود اسرائيل بما يقرب من مليون شخص, بينما يشكل فلسطينيو 1948 داخل اسرائيل (او ما يطلق عليهم عرب اسرائيل) خمس عدد سكان الدولة العبرية حاليا. وتدرك اسرائيل ان سماحها بعودة النازحين الفلسطينيين الى ديارهم لاسيما نازحو 1948, سيحدث خللا فادحا في الوضع الديمغرافي داخل فلسطين المحتلة كلها, بصرف النظر عن نتائج التجاذبات التي تتناول الآن مصير الضفة الغربية وقطاع غزة وشكل الكيان الفلسطيني الذي سيستقر هناك. ولكن اذا كانت اسرائيل تستطيع, من خلال ميزان القوى الحالي بينها وبين الفلسطينيين, ان تفرض كل شروطها الامنية, كما يتضح من مضمون اتفاقاتها مع السلطة الفلسطينية وآخرها اتفاق (واي بلانتيشن) , الا انها لن تكون قادرة على مصادرة المستقبل والحفاظ على تميزها من خلال اوهام القوة التدميرية الخارقة التي تتيح لها تصفية كل اعدائها والرافضين لوجودها العدواني. وسواء استطاعت اسرائيل التوصل الى اختراع هذا السلاح (السحري) الذي تسعى اليه او لم تستطع, فان تجارب التاريخ البعيدة والقريبة تظهر ان مثل هذه الطرق تظل مسدودة في وجوه اصحابها, في نهاية المطاف, وليس من شك بان الدولة الهتلرية كانت اقوى من اسرائيل, بما لايقاس, ومع ذلك فهي لم تدم طويلا. بيد ان هذا لايمنع من القول ان ورقة اللاجئين الفلسطينيين هي رهان المستقبل, فهل تحسن السلطة الفلسطينية التصرف بهذه الورقة وتتجنب التفريط بها, خلافا لما فعلته مع اوراق عديدة اخرى؟ كاتب لبناني مقيم في باريس

تعليقات

تعليقات