سلطة الرأي العام: بقلم- الدكتور محمد قيراط

اصبح الرأي العام يمثل اساس السلطة في اواخر هذا القرن, قرن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وعصر الصراع الحاد على من يملك المعلومة والمعرفة , والرأي العام يلعب دورا استراتيجيا في المجتمعات الديمقراطية, وتزايدت اهميته في اواخر هذا القرن حيث انه اصبح يمثل المرجعية الاساسية في صناعة القرار وفي الفصل في الكثير من القضايا الحساسة والمصيرية, فالرأي العام هو الوجه الاخر للديمقراطية وحرية الصحافة حيث انه يتفاعل ويتأثر ويؤثر في كل منهما, فالديمقراطية التي لا تعتمد على الرأي العام لا نستطيع أن نسميها ديمقراطية, والصحافة الحرة التي لا تشكل وتكون الرأي العام وتؤثر فيه وتتأثر به, لا نستطيع ان نسميها صحافة حرة وفاعلة. قضية (مونيكا جيت) ومشاكل الرئيس الامريكي الاخيرة امتحنت سلطة الرأي العام في الولايات المتحدة الامريكية وكشفت عن قضايا عديدة ومهمة وفجوات في استراتيجيات وطرق عمل مختلفة, الجمهوريون عملوا كل ما بوسعهم لاستغلال قضية (مونيكا جيت) لزحزحة بيل كلينتون الرئيس الامريكي من الرئاسة قبل انتهاء مدته الرئاسية وهذا للانتقام من الديمقراطيين واخذ الرئاسة منهم, وهكذا بذلوا كل ما بوسعهم لاستغلال وسائل الاعلام بمختلف مشاربها واتجاهاتها وباستعمال مبدأ حرية الصحافة وحق المواطن الامريكي في معرفة فضائح رئيسه. الجمهوريون اذا راهنوا على الفضائح الجنسية للرئيس لتعبئة الرأي العام ضده وبذلك ترجيح الكفة لصالحهم, وهكذا جاءت حملتهم الانتخابية مركزة على فضائح كلينتون, وتجاهل الجمهوريون المشاكل العويصة واليومية التي يعيشها معظم الامريكيين والتي تتمثل في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والبطالة وغيرها, إذا استراتيجية الجمهوريين ركزت على تشويه سمعة كلينتون عند الرأي العام الامريكي والتأكيد على انه كذب على شعبه وخان زوجته وعائلته وبذلك وانطلاقا من منطق بسيط فبإمكانه أن يخون الامة بكاملها, اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري اذا راهن على الفضائح الاخلاقية للرئيس واستعمل المحقق المستقل كينيث ستار وشركات التأمين والتبغ لكسب الرأي العام الامريكي للتصويت لصالح الجمهوريين ونبذ كل ما هو ديمقراطي. ونلاحظ هنا ان وسائل الاعلام الامريكية انحرفت عن خطها الصحيح ورضخت كلية للجمهوريين وظنت أنها ستستطيع ان تشكل رأيا عاما امريكيا مناهضا ومعاديا للرئيس كلينتون وللديمقراطيين, كما اعتقدت الشركات الكبرى أنها تستطيع أن تسيطر على الرأي العام الامريكي من خلال وسائل الاعلام, لكن هذه المرة لم تهب الرياح بما يشتهيه الجمهوريون واليمين المتطرف وأباطرة شركات التبغ والتأمين, وهكذا اثبت الرأي العام الامريكي للجمهوريين وللعالم كله انه يستطيع أن يدلي برأيه ويخرج من قبضة الاخطبوط الاعلامي الخطير الذي بذل قصارى جهوده للقضاء على سمعة كلينتون وعلى الديمقراطيين. من جانب آخر نلاحظ ان الديمقراطيين اتخذوا من المشاكل اليومية للأمريكي البسيط برنامجا لحملتهم الانتخابية وركزوا على هذه المشاكل ودرسوها وحاولوا ان يقدموا حلولا لها كما ركزوا كذلك على انجازات كلينتون سواء فيما يتعلق بالاقتصاد الامريكي حيث تحسن كثيراً في وقته أو على الصعيد الدولي والسياسة الخارجية, وهكذا جاءت نتائج الانتخابات عكس ما كان يتوقعه الجمهوريون وأثبت الرأي العام الامريكي للاستراتيجيين الجمهوريين أن الكذب والنفاق والطرق اللاأخلاقية والتلاعب بالعواطف لا تؤدي دائما إلى النتائج المرجوة, وبرهن الرأي العام أنه في الكثير من الاحيان قد يمتثل للمنطق والحق وأنه لديه مجال للتفكير وللتقرير وللحكم. الانتخابات الامريكية الاخيرة والتي تتم كل سنتين وتشمل اعضاء مجلس النواب بالاضافة لثلث اعضاء مجلس الشيوخ ونصف حكام الولايات شكلت صدمة للحزب الجمهوري الذي كان واثقا من عزل الرئيس بيل كلينتون في انهاء حياته السياسية وكذلك تقويض وزن الديمقراطيين في الساحة السياسية الامريكية, وانطلاقا من منطق الانتخابات النصفية الامريكية ومن التجارب السابقة فالحزب المعارض يتفوق دائما على الحزب الحاكم ويأخذ منه مقاعد اضافية, لم يحدث هذا على الاطلاق وما حدث كان خيبة امل للجمهوريين, وكما يقولون (من يزرع الريح يحصد العاصفة) , واذا رجعنا قليلا إلى الوراء ونظرنا إلى قضية (مونيكا جيت) وموضوع محاولة عزل الرئيس كلينتون نلاحظ تلاعباً كبيراً جداً حيث خرجت عن الاعراف والتقاليد والاخلاق, فالتغطية الاعلامية لفضيحة الرئيس الامريكي مع المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي كانت تغطية توشبها الشكوك وتدفعها النوايا السيئة للكثير من الجهات, وفي مثل هذه الظروف لا تستطيع وسائل الاعلام ان تشكل رأيا عاما سلبيا ومنافيا للرئيس على أسس بعيدة عن الاخلاق والنوايا الحسنة, فحسب دراسة تحليلية للتغطية الصحفية لفضائح الرئيس الامريكي فان العديد من الصحفيين ومراسلي شبكات التلفزيون اعتمدوا على مصادر مجهولة, وفي الكثير من الاحيان منسوبة للمحقق المستقل كينيث ستار, الذي كان شغله الشاغل والوحيد في عملية التحقيق هو الاطاحة بالرئيس بيل كلينتون, فالتغطية اذا جاءت مزخرفة وملونة بشائعات وقصص وحكايات مصطنعة وهمية تخدش المصداقية واخلاقيات المهنة, فالصحافة الامريكية أو وسائل الاعلام بصفة عامة في نهاية هذا القرن اصيبت بسرطان التعجل والسبق الصحفي والتسابق المميت بين الصحفيين والاعتماد على قصص وشائعات مصطنعة وهمية في غالب الاحيان تنقل عن مصادر هامشية وخيالية, النتيجة في النهاية ان مثل هذه التغطية المفتقرة لمصادر موثوقة والقائمة على مبادىء اخلاقية فشلت حتى في اقناع نفسها فما بالك بالقراء والمشاهدين والرأي العام هذا ما ادى إلى تدهور مصداقية وسائل الاعلام في مجتمع كالمجتمع الامريكي, هكذا اذا لم تستطع وسائل الاعلام الامريكية ان تشكل رأيا عاما ضد الرئيس الامريكي بيل كلينتون في أوج فضائحه الجنسية لان الوسيلة التي استعملتها هذه الوسائل افتقرت للاخلاق والقيم النبيلة. الموضوع الاخر في قضية (مونيكا .. جيت) ووسائل الاعلام الامريكية والرأى العام الامريكي والانتخابات النصفية هو المحقق لينيث ستار نفسه الذي جاء وهدفه الوحيد هو تنحية الرئيس كلينتون لعدة اعتبارات: قام ويقوم كينيث ستار بمهمة المحاماة والدفاع عن شركات التبغ الامريكية وتقاضى مكتبه من هذه الشركات في العام الماضي مبلغ مليون دولار, وللعلم فان ادارة كلينتون تبذل كل ما في وسعها لاجبار شركات التبغ على تعويض المتضررين من التدخين وكذلك المساهمة في دفع فواتير المستشفيات والابحاث العلمية المتعلقة باضرار التدخين, وقد قدرت اللجنة المكلفة بالموضوع ان على شركات التبغ دفع 400 مليار دولار في السنوات العشرين المقبلة, فالموضوع اذا هنا هو تصفية حسابات بين شركات التبغ وبيل كلينتون من خلال تسخير كينيث ستار. قام المحقق المستقل ستار بعدة اتصالات مع محامي بولا جونز واقترح تقديم مساعدات وهذا مخالف للقانون, والهدف من وراءه هو القضاء على الحياة المهنية للرئيس الامريكي. يشن اليمين المتطرف والمتعصب والمسيحيون الاصوليون حربا شعواء على كلينتون لاطاحته مستعملين كينيث ستار وغيره لتحقيق ذلك وهذا لان ادارة كلينتون هددت مصالحهم (شركات التبغ, شركات التأمين, شركات الصيدلة) . شركات التأمين الامريكية تبتز المواطن الامريكي وتأخذ ثلث ما يدفعه للضمان الصحي لكنها لا تقدم شيئا بالمقابل وإدارة كلينتون تدرس هذه الاشكالية وتحاول من خلال القانون الصحي أن تعالج هذه المشكلة للقضاء على هذا الابتزاز لصالح الشعب الامريكي, ومرة اخرى نجد الامر هنا هو تصفية حسابات بين شركات التأمين وبيل كلينتون. هكذا اذا تبين ان سلطة الرأي العام كانت اقوى من سلطة وسائل الاعلام التي حادت عن ضميرها واخلاقياتها, وكانت اقوى من الشركات العملاقة التي تبتز اموال المساكين وغالبية الشعب الامريكي, واقوى من المحقق كينيث ستار الذي استغل القانون وحاول الاطاحة برئيس انتخبه الشعب الامريكي مرتين متتاليتين, المحقق ستار استعمل المنصب ــ الذي يعتبره الكثيرون من الامريكيين من افظع المناصب التي اوجدها القانون الامريكي منذ سنة 1978. (مونيكا جيت) اذا جاءت نعمة على الديمقراطيين ونقمة على الجمهوريين الذين نال منهم اليمين المتطرف الكثير والذين رموا بكل ثقلهم وسخروا كل قواهم في فضيحة الرئيس الذي سئم منها المواطن والناخب الامريكي, الديمقراطيون بزعامة كلينتون اهتموا بالاقليات الاثنية وبالجاليات وركزوا على مشاكلهم وهمومهم والعمل على تحسين ظروف معيشتهم. فصل الرأي العام الامريكي في الانتخابات النصفية الامريكية ورفض الابتزاز والاستغلال وامتثل في نهاية المطاف لافكار واطروحات اجداده الاوائل امثال طوماس باين وطوماس جيفرسون وابراهم لينكولن الذين نظَّروا للسوق الحرة للافكار والذين امنوا بسلطة الرأي العام النزيه والشريف والممثل للغالبية العظمى للشعب في تسيير شؤون المجتمع.

تعليقات

تعليقات