أبجديات: عائشة إبراهيم سلطان

بينما ينشغل العالم الثالث ــ ونحن منهم طبعا ــ بمتابعة آخر المستجدات على ساحة الفياجرا والساحتين الفنية والفلسطينية وانتصارات المرأة الوهمية واخفاقاتها الحقيقية , يراجع العالم المتطور قضية التعليم بشكل جدي ودقيق, ويضعها أمام تحديات السوق المرعبة, واتفاقيات الجات الخطيرة, والعولمة واكتشافات الهندسة الوراثية...الخ. قضية التعليم تعني في البداية والنهاية تنمية أو صناعة (الأدمغة) بمعنى العمل بسرعة واتقان للحصول على موارد بشرية عالية الانتاجية وذات تحصينات ثقافية جيدة, لأن الجميع على يقين تام بأن الصراعات الإنسانية القادمة لن تكون صراعات جيوش وأسلحة وبترول, بل حروب أدمغة وعلماء وتكنولوجيا وهندسة بيولوجية قاتلة. أين نحن من معادلة التعليم وصناعة الأدمغة؟ ما زلنا نراوح ونفكر في تقويم المناهج وإعادة دراستها, بعد ان غرقت الدولة في طوفان العمالة الأجنبية, والعمالة الوطنية غير المتناسبة مع توجهات سوق العمل وبفائض لا نحسد عليه من البطالة المقنعة. أين نحن من عالم وصل إلى أعلى درجات الجرأة والحرص والقناعة بأن التعليم ليس مجموعة من المناهج والتوجهات الجديدة نختلف عليها ونتصارع, واحصائيات نثبت بها كفاءتنا وانتاجية الوزارة وجهد الوزير, التعليم استثمار يصب في خانة الحفاظ على الذات والمستقبل, التعليم يعامل في المجتمعات الحريصة على انه أمن قومي ووزارة التعليم توازي وزارة الداخلية تماما. في المحافل العالمية تناقش الآن قضية التعليم من منطلق أسئلة غاية في الحساسية هي: من نعلم, كل الناس أم جزءاً منهم؟ وماذا نعلمهم, معارف انسانية وتاريخ وجغرافيا أم علوم العصر واحتياجات السوق؟ وكيف نعلمهم, بالتلقين والحفظ والسبورة والطبشور, أم بالتعلم الذاتي, وفك الحصار عن الطاقات والعقول؟ ومن الذي يعلم, معلمي الدرجة الثالثة والدروس الخصوصية من الذين ينحصر فعل التعلم عندهم بأهداف (كبرى) على شاكلة (ان يحفظ التلميذ, وان يسمع, وان يكرر, وان يصبح نسخة من الكتاب, والا يعارض المعلم وان... الخ)!! لدينا أزمة تعليم خانقة في الامارات وفي كل الوطن العربي بدأت يوم رسم دانلوب المستشار التعليمي للورد كرومر حاكم مصر أيام الاستعمار البريطاني خطته على خاصية معروفة في العقلية الشرقية, تلك هي تقديسها للكلمة المكتوبة, وللنصوص, فراح يقيم تعليماته للمفتشين والنظار على أساس تنمية الذاكرة والحفظ دون كل ما من شأنه ان ينمي ملكة التفكير النقدي الابداعي. كان ذلك هو الضمان كما شرحه دانلوب للحاكم البريطاني لاستعباد مصر على مر الأجيال, وكذلك بقية العالم العربي والثالث, التعليم القاتل المعتمد على الترتيل دون النقد, ومحاكاة الاساتذة والمراجع دون تشريحها, واحترام الكلمة المكتوبة دون التصارع فكريا معها, وبالنتيجة تكوين مجتمع مسخ غير قادر سوى على الاعتماد على غيره. اليوم نحن ننفذ خطة دانلوب بحذافيرها والأسباب معروفة, وانظروا من هو الطالب المتفوق والممتاز والأول على فصله؟ انه الأكثر حفظا والأشد تطابقا مع نسخة كتاب الوزارة, أما المعارض وكثير الأسئلة فليس سوى طالب مضيع لوقت الحصة, كثير الشغب وثقيل الظل, أليست هذه بركات مستر دانلوب؟؟

تعليقات

تعليقات