الحروب التجارية على جانبي الاطلسي:بقلم- د. علي الدين هلال

من ايام, اعلن مسؤولون في الاتحاد الاوروبي ان الاتحاد يعتزم رفع دعوى ضد الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية يوم 25 نوفمبر الجاري , وذلك اذا لم تتخل واشنطن عن تهديدها بفرض عقوبات عليه, بسبب اتهامها للدول الاوروبية بممارسة سياسات تمييزية ضد الموز الذي تنتجه دول امريكا اللاتينية, وتقوم بتصديره الى اوروبا شركات امريكية, وذلك لصالح الموز القادم من دول افريقية, وفي رسالته الى الرئيس كلينتون, اوضح جاك سانتير, رئيس المفوضية الاوروبية, ان فرض واشنطن رسوما اضافية على المنتجات الاوروبية, في اطار النزاع على تجارة الموز, سيمثل خرقا للتعهدات الامريكية ازاء المنظمة, منددا باتخاذ الولايات المتحدة اجراءات من جانب واحد. وليست هذه هي المرة الاولى التي ترفع فيها دول الاتحاد الاوروبي شكوى ضد امريكا في منظمة التجارة العالمية, كما انها ليست المرة الاولى التي يختلف فيها الجانبان بشأن تجارة الموز, وهذا الخلاف بالطبع ليس هو الوحيد بينهما في شؤون التجارة, ففي مايو 1996, اثارت الولايات المتحدة مشكلة حول التبادل التجاري ومبيعات اللحوم مع دول الاتحاد الاوروبي, وطلبت من منظمة التجارة الدولية انشاء محكمة خاصة للفصل في النزاع الناشب بينها وبين الدول الاوروبية حول تجارة الموز, وذلك بسبب تفضيل الدول اعضاء الاتحاد للموز الافريقي, وفرضها حصصا محدودة على دول امريكا اللاتينية والوسطى المنتجة للموز, مثل: هندوراس, والمكسيك, وجواتيمالا, وفي اكتوبر 1996, قدمت دول الاتحاد الاوروبي شكوى الى منظمة التجارة العالمية حول العقوبات التجارية التي فرضتها واشنطن على الشركات الاجنبية التي تتعامل مع كوبا, وحينئذ دفعت الولايات المتحدة بعدم اختصاص المنظمة في نظر هذا الموضوع ذى الطابع السياسي. وحين تصل الخلافات حول التجارة بين امريكا واوروبا الى التحكيم الدولي, او الى حد الشكوى الى منظمة التجارة العالمية, فإن هذا يعني ان ادارة شؤون العلاقات بين الحلفاء على جانبي الاطلسي تتسم بتوترات دورية, يوشك فيها ان ينتهي (شهر العسل) الذي ظل لفترة عقب انتهاء الحرب الباردة, فما هي اذن مصادر وعوامل الازمات بين الطرفين؟ في حقيقة الامر, فقد سادت الطموحات لفترة محدودة باقامة مشاركة من نوع جديد بين اوروبا وامريكا في الفترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وفي عام 1995, ارتفعت اصوات في عواصم اوروبا من اجل تجديد (العقد) الاوروبي/ الامريكي, فأثيرت امكانية اقامة منطقة تجارة حرة و(تجمع اطلسي جديد) , او (جمعية اطلسية) , تضم اعضاء البرلمانات الاوروبية واعضاء الكونجرس معا, وعلى الجانب الآخر, برزت اصوات في الكونجرس تنادى بعقد جديد مع اوروبا, وبرز اتجاه اسمى (الميل نحو الاطلسي) كخط في السياسة الخارجية الامريكية, وقد ترجمت هذه الطموحات والآمال في قمة مدريد ديسمبر 1995, التي صدر عنها وثيقة الرابطة عبر الاطلسي, او ما اسمى (برنامج العمل للتعاون عبر الاطلسي) , والذي يحدد شكل العلاقة بين الجانبين خلال القرن الـ 21, واعتبر ذلك (ميثاقا تاريخيا جديدا) يؤسس لسوق اوروبية/ امريكية واحدة, وقد ركزت وثيقة الاتفاقية, على اربعة مواضيع هي: العمل على اقرار السلام والاستقرار والديمقراطية في العالم, وتعزيز التعاون ضد الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والارهاب, وتوسيع التجارة العالمية وتوثيق العلاقات الاقتصادية, وتعزيز التعاون بين المجتمعات المدنية. ولكن ما كاد يجف مداد الاتفاقية حتى تفجرت ازمات بين شركاء الاطلسي على درجة كبيرة من الحدة جسدت الى حد كبير معنى الحروب التجارية, وبعيدا عن حروب اسواق السلاح, او حروب الثقافة والافلام, الذي يشبهه الاوروبيون, والفرنسيون خاصة, بغزو ثقافي امريكي, فإن حروب التجارة والاقتصاد اتخذت منحى لم تشهده من قبل علاقات اوروبا بالولايات المتحدة, فقد استاءت الدول اعضاء الاتحاد الاوروبي من نمط السلوك الامريكي الساعي الى الانفراد بالسيطرة على التجارة العالمية, والذي تبدى من الاتجاه الى تصدير القوانين الفيدرالية الامريكية لتطبق على الدول الاخرى من الحلفاء, في تجاوز للحدود الاقليمية لامريكا, الامر الذي اعتبره الاوروبيون تدخلا في شؤونهم الخاصة, وهذا النمط من السلوك ارتبط بقانونين صدرا عن الكونجرس الامريكي في 1996, احدهما, قانون هيلمز ــ بيرتون, فرض حظرا على الاستثمارات الاجنبية غير الحكومية في كوبا, وثانيهما, قانون داماتو, يهدف الى معاقبة الشركات الاجنبية التي تتعامل بحجم استثمارات اكبر من 40 مليون دولار مع كل من ايران وليبيا, وقد استاء الاوروبيون من ان الولايات المتحدة لم تتشاور معهم بشأن اي من القانونين قبل اصدارهما, ورأوا ان القانونين, فضلا عن انهما ينتهكان: مواثيق الامم المتحدة, ومبادىء حقوق الانسان, ومواثيق التجارة المنصوص عليها في اتفاقيات الجات, فانهما ايضا يمثلان خطوة اكثر قوة في الحرب التجارية التي تخوضها امريكا للسيطرة على اسواق العالم. ولكن ما اضاف الى المشكلة ان الولايات المتحدة, وبعد اعلانها عن ارجاء تطبيق قانون هيلمز ــ بيرتون لمدة ستة شهور, بسبب السخط الاوروبي الشديد, عادت بعد اقل من شهرين, واصدرت قانون داماتو, وهو ما مثل استفزازا شديدا لاوروبا, وتناقضا في السلوك الامريكي نفسه, ندد به الكثير من ساسة اوروبا وزعمائها, وفي النهاية تراجعت الولايات المتحدة عن تهديداتها بتطبيق القانون على شركة توتال الفرنسية, الامر الذي عني تجميده من الناحية العملية. وفي عام 1996, اثيرت ازمة بشأن قيام امريكا بالتجسس, اقتصاديا وسياسيا, على دول الاتحاد الاوروبي, حيث تمكن عملاء الـ سي.اي.ايه من اختراق شبكات الحاسب الآلي الخاصة بمركز المعلومات والاتصال في البرلمان الاوروبي والمفوضية الاوروبية, وتمكنوا من معرفة المواقف الحقيقية لمختلف الدول الاوروبية خلال المفاوضات المطولة لاتفاقيات الجات, وهي نفس القضية التي تجددت مؤخرا في سبتمبر 1998, حين اورد تقرير للجنة العلمية للبرلمان الاوروبي واقعة استغلال امريكا لشبكة معلومات تدعى (ايشلون) للتنصت على اوروبا وعلى رجال الاعمال الاوروبيين. والخلاف بين اوروبا وامريكا لم يقتصر على القانونين السابقين, وانما تعلق بالاساس بأسلوب ادارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع حلفائها الاوروبيين, وقد تشكك الاوروبيون ــ فعلا ــ حول ما اذا كانت علاقاتهم مع امريكا مازالت تدور في مساحة العلاقة بين شركاء, والمؤكد ان هناك خلافات في المصالح بين اوروبا وامريكا, وان شكل العلاقة بعد انتهاء الحرب الباردة لم يستقر بعد, وان العلاقة بين الجانبين تمر بمرحلة اختبار, وسوف يعقبها تحديد لقوة كل طرف, وقد تسود هذه المرحلة لفترة, وقد يكون من المهم هنا الاشارة الى دراسة للمعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا, في سنة 1994, بشأن مستقبل العلاقات الاوروبية/ الاطلسية, والتي توقعت ان هذه العلاقة سوف تتحول الى ما اسمته (التعاون القائم على التنافس) , بحيث يسير التعاون والتنافس في خطين متوازيين, مما سيترتب عليه ظهور فرص وتحديات في نفس الوقت, ومن الملاحظ اننا نجد هذا التوصيف ينطبق الى حد كبير على الاوضاع الراهنة, فبرغم الخلافات بين دول الاتحاد الاوروبي وامريكا, وبرغم المعركة التجارية وحرب الاعصاب التي يخوضها الجانبان, والتهديد الاوروبي باتخاذ قوانين وقرارات مماثلة ضد صادرات الولايات المتحدة لاوروبا فإن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بلغ عام 1997 550 مليار دولار, وهو ضعف ما كان عليه عام 1988. هناك اذن حروب تجارية, ولكن هناك ايضا مساومات وصفقات, وهناك حرص على ملاحقة القضايا قبل ان تتأزم, احيانا تتنازل واشنطن (مثل التنازل, ولو مؤقتا, عن تطبيق قانوني: هيلمز ــ بيرتون, وداماتو), واحيانا يتنازل الاوروبيون (مثل موافقة اوروبا ــ بعد الاعتراض ــ على اندماج شركتي صناعة الطائرات الامريكيتين بوينج وماكدونالد دوجلاس, برغم المخاوف من الاحتكار), وهناك حكماء من الجانبين حريصون على التحالف الاطلسي, والحفاظ على العلاقات الامريكية/ الاوروبية, ويسعون الى تشكيل حركة اطلنطية جديدة لتطوير تلك العلاقات. اي من هذه الاتجاهات سوف يتغلب, وهل تتسم العلاقات الامريكية/ الاوروبية في المستقبل بمزيد من التنافس ام بمزيد من التعاون ام يستمر الوضع القائم الذي يختلط فيه الامران بدرجات تختلف من فترة لاخرى؟ لا احد يستطيع ان يجيب عن هذا السؤال على سبيل الجزم, فذلك يتوقف على عدد كبير من العوامل, منها, عدم ظهور عدو او تحد للعالم الغربي, فوجود العدو يوحد الدول الغربية على طرفي الاطلسي, اما غيابه, فإنه يفتح الباب للتنافسات الاقتصادية والتجارية, ومنها ايضا, مستقبل العملة الاوروبية الموحدة (اليورو), ومكانتها في سوق المال العالمي, وهل تؤثر على مكانة الدولار ام لا, ومنها, عودة الانتعاش الى الاقتصاد العالمي ووجود فرص مشتركة للنمو. وايا كان الامر, فإن السنوات القليلة القادمة سوف تكون استمرارا لحالة يتداخل فيها التعاون والتنافس بين كل من اوروبا وامريكا.

تعليقات

تعليقات