الثقافة العربية وأسئلة المستقبل: بقلم- حنيف القاسمي

إذا تحدثت عن المستقبل في هذه الايام فمعظم الاذهان تنصرف الى القرن المنتظر, القرن الواحد والعشرين. فمعظم الكتابات السائدة حاليا عن هذا المستقبل تتوجه الى ما بعد انقضاء هذا القرن الذي نحن فيه , ولاسباب غير مفهومة تم ربط هذا (المستقبل) وحصره في تاريخ يفصله عن الحاضر ولست أعلم سببا لهذا الترابط وهذا الحرص على ما بعد عام ,2000 اللهم الا انها عبارة قمنا بترديدها بعد آخرين استعدوا لها استعدادا حقيقيا منذ عشرات السنين. من الامثلة على الحرص على ترديد (موضة) القرن الواحد والعشرين هذا العدد الكبير من الندوات والمؤتمرات التي ترفع شعارات من قبيل: التعليم في القرن الواحد والعشرين الثقافة في القرن الواحد والعشرين, التنمية في القرن الواحد والعشرين, مناهج وطرق تدريس اللغة الانجليزية في القرن الواحد والعشرين... الخ. قد تبدو غريبة بعض تلك العناوين, حيث لا صلة لها بهذا التحديد القاطع لذلك اليوم الفاصل بين القرنين ولا يتوقع حدوث نقلة كبيرة او ثورة هائلة في تلك المجالات بمجرد اننا انهينا يوما في قرن وبدأنا يوما آخر في قرن جديد. ليس الحديث عن مصطلح (المستقبل) وتعريفه هو المقصود هنا وانما هي اشارة تعكس حقيقة اخرى تتعلق بالمفاهيم والتعريفات التي نحن بصددها ومنها بطبيعة الحال ما تعلق بشأن المراحل الزمنية لمسيرتنا الثقافية. الثقافة والاسئلة التي لم تحسم بعد يكاد وجود اجماع لدى المعنيين بهذا الشأن في العالم العربي على اننا نعاني ازمة ثقافية ما, تتفاوت من اقليم الى اقليم ومن قطر الى قطر وتتردد كثير من الاسئلة حول الاشكاليات الثقافية, من حيث مفهومها ومصادرها ومجالاتها والعوامل التي تشكلها ما الثابت فيها وما المتغير؟ ومن هو المثقف؟ وماهي شروط كفاءته واهليته؟ ونتيجة لعدم الحسم بشأن تلك التساؤلات ظهرت اشكاليات اخرى اسوقها دون الخوض في تفاصيلها حيث الاشارة اليها تكفي لتجلية مضامينها وذلك بالنظر الى ان الواقع الثقافي العربي حافل بالعديد من الامثلة والشواهد الصارخة للتعبير عنها. من تلك القضايا تحديد المسؤولية في تنمية الحركة الثقافية وتطويرها هل هي المؤسسات الحكومية الرسمية وحدها؟ ام ان القطاع الاهلي وشرائح المجتمع المختلفة هي المعنية بهذا الامر اولا؟ والامر الاخر الذي يسلح هنا حول العلاقة بين الثقافة والاوضاع العامة المحيطة بها حيث يدور حديث حول مدى ازدهار الثقافة في اوضاع اجتماعية متخلفة واقتصادية رديئة. ثم كيف تتطور الثقافة دون ان تتأثر بالمناخ العام السائد في اي مجتمع, من حيث كفالة الحريات في الرأي والفكر والتعبير وهي الحريات التي تؤدي بلا شك الى الانتاج الجيد والابداع. وليس بوسعنا في هذا السياق ان ندخل في تفاصيل تلك الاشكاليات والعقبات وانما نريد فقط ان نلفت الانتباه الى انها وغيرها من القضايا ذات الصلة بالشأن الثقافي ما زالت تنتظر الحل والحسم بل ان بعض تلك القضايا قد مر عليها زمن طويل من الجدل دون ان نحدد موقفنا تجاهها وبحيث اوجد الاختلاف الشديد حولها نوعا من (الحيرة الثقافية) لم يسبق للامة ان واجهت مثلها وبالتالي انعكس اثرها سلبا على مسيرتها العامة واسهمت في ايجاد انطباع ضعيف لا يليق بمكانتها في محيط الانسانية ولا بدورها الحضاري التاريخي. بين الأصالة والمعاصرة... ما زالت المعركة مستمرة! الاشتباك بين الفريقين اللذين يمثلان الاتجاهين قديم ويرجعه البعض الى اكثر من مائة عام. ويعتبر البعض ان بداية الاشكالية كانت عند التفكير بمشروع النهضة في مصر في بداية القرن التاسع عشر. الامر الذي يعني اننا قد استغرقنا قرابة قرنين من الزمان في ذلك الخلاف الذي لا يزال قائما حتى الآن واحسب ان هناك افتعالا غير مبرر لاحداث تلك الازمة بينهما, او مبالغة في تصوير حجم الخلاف وحقيقته. والاشكالية التي تلح في هذا الشأن تتلخص في كيفية انجاز التحديث وتحقيقه مع الاحتفاظ بالهوية الثقافية وخصوصيتها والاتجاه الاول كان ــ ولا يزال ــ يتخوف من فقدان الهوية والاستلاب الحضاري. وربما بالغ بعض النقاد في تصوير هذا الاتجاه بحسبانه اتجاها يحاول ان يجد حلا للمشكلة من خلال عدم التعامل مع الواقع, الى جانب القاء عبء المشكلة على النموذج المغاير (الغربي) وبالتالي كان طرحه للمشكلة غير واقعي. اما الاتجاه الثاني فتصفه الدكتورة نوران الجزيري الاستاذة بجامعة القاهرة بأنه اتجاه (تنويري) يحاول ان يجد سبب المشكلة في مكان غير الواقع عن طريق اتهام الماضي وانه سبب التخلف والجمود ويدعو الى التعامل مع الماضي باستمرار ادانته! وفي هذا الاطار ظل الفكر العربي المعاصر في هذه الثنائية المهلكة ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين ونحن مازلنا في ازمة الاصالة والمعاصرة. اما لماذا لم يكن هناك اتفاق حول قضية مثل الاصالة والمعاصرة, على الرغم من اهميتها فالجواب يتلخص في تلك الحيرة الثقافية المعاصرة الناتجة عن غياب ذلك المشروع النهضوي الشامل, بحيث يكون منطلقا من مبادىء اساسية لا تتيح لمثل هذه المسألة ان تشغل حيزا من فكر الامة ولا ان تهدر جزءا كبيرا من طاقتها وجهدها وهو الامر الذي لم يكن له اي وجود عندما كان الشأن الثقافي معتمدا على قواعد واصول لا يصبح للجدل حول مسائل من قبيل الاصالة والمعاصرة اي تأثير في واقعه. بل لم يكن ليتصور استمرار مثل هذا الجدل على النحو الذي اشرنا اليه. واذا تجاوزنا هذه المسألة الاخيرة فاننا سنكون ازاء قضية اخرى تمثل تحديا كبيرا آخر يتعلق بالشأن الثقافي في عصر العولمة المتسارع في ايقاعه المذهل في تأثيره المخيف في نتائجه وهو موضوع يستحق وقفة أخرى. مدير جامعة زايد بالإنابة*

تعليقات

تعليقات