مع الناس:بقلم-عبدالحميد أحمد

لا نريد من وزراء الثقافة العرب, الذين يعقدون مؤتمرهم اليوم في الشارقة, حل معضلتنا الثقافية مع العولمة والكوكبة ولا مع التحدي التكنولوجي والابستمولوجي والجيولوجي واللوبيالوجي , على أهمية هذه التحديات وغيرها, وإنما نريد منهم حل معضلة واحدة وحيدة أخف وأهون وأسهل من كل المعضلات الكونية والأرضية والفضائية والقومية والفكرية والبنيوية والألسنية وغيرها من التي تزخر بها ثقافتنا اليوم, تلك هي مشكلة الكتاب العربي. وبما ان هذه المشكلة معروفة منذ خمسين عاما وأكثر, وهي لا تحتاج إلى شرح وتشريح وبحث وتشخيص, تبدأ من النشر ولا تنتهي بالمنع والرقابة, مرورا بالطبع بالنقل والانتقال والأسعار والتسويق, فإن وزراء الثقافة لو حلوها لكان ذلك أبرز قرار عربي منذ سنوات طويلة, ولكان ذلك خطوة في اتجاه وحدة العرب وتأمين أمنهم الثقافي, ولشكّل القرار تطورا ثقافيا وسياسيا له معناه تزدهر بعدها الثقافة العربية ان شاء الله. وعليه فنطالب الوزراء العمل فورا على رفع القيود عن الكتاب وكسر الحواجز والحدود أمامه وإزالة السدود التي تقف في طريقه, لكي نرى الكتاب العربي يعبر من دولة إلى أخرى مثل الهواء, ونطالبهم بدعم طباعته بمخصصات تشبه مخصصات دعم السلع الأساسية للمواطنين الفقراء, فيكون الكتاب للمواطنين مثل الماء, ونطالبهم بإعفائه من الجمارك والرسوم ومنها رسوم النقل, خاصة ان كل دولة عربية تملك شركة طيران خاصة بها, تستطيع ان تلزمها بنقل الكتب مجانا من وإلى أية دولة عربية أخرى. طبعا لا نقلل ولا نستهين بمشكلات العولمة والتحديات المستقبلية, إلا أننا لو بدأنا مناقشة هذه المشكلات الجديدة من دون حل القديمة العتيقة المزمنة, فإننا لن نخلص, خاصة مع وجود وزراء مثقفين وأدباء ما شاء الله, فندخل في نظريات لها أول وليس لها آخر, ربما نحتاج معها لكي نفهمها أو نتوصل لاتفاق حولها, إلى خبراء شرقيين من نوع فوكوياما وتويوتا وسوزوكي وواكاواكا, وإلى خبراء غربيين أيضا من نوع واينبرجر وإيجلبرجر وبيف برجر, فمتى نخلص؟ ويمكننا ان نكون طماعين قليلا فنطالب وزراء الثقافة العرب بحل مشكلات أخرى تعرقل تطور الثقافة العربية وتشوه صورتها خاصة داخل البلدان العربية نفسها, كالذي تفعله المحطات الفضائية العربية الآن والتي تبث برامج سطحية ومواد ترفيهية مسيئة للذوق والثقافة معا, فيتخذ هؤلاء قرارا, أو يتبنون هذا القرار لدى حكوماتهم بتنظيف هذه المحطات من الشوائب وقلة الذوق والأدب, خاصة ان أغلب هذه المحطات حكومية. أو يمكن مثلا مطالبتهم في سياق خدمة الثقافة العربية, إنشاء مراكز بحوث ودراسات بميزانيات معتبرة, تكرس جهودها لبحث المشكلات العربية ووضع التقارير العلمية بين أيدي واضعي القرار, ودعم المؤسسات والجمعيات الثقافية كالاتحادات والروابط والجامعات, ومنح الأدباء والمفكرين التشجيع الكافي على الابتكار والابداع حتى لو اقتضى تفريغهم لذلك, ورفع ميزانية الثقافة السنوية إلى المستوى المعمول به في أغلب دول العالم, وغير ذلك من مطالب نعتقد ان الثقافة العربية تحتاجها فعلا, وهي تعاني منها حاليا لعدم الاهتمام بها. غير ان الطمع أضر ما نفع, فنكتفي من كل ذلك بما بدأنا به, أي حل مشكلة الكتاب, كأول إنجاز يمكن تسجيله لمؤتمرات وزراء الثقافة العرب, أما إذا اعتبرنا ان مشكلة الكتاب عويصة, بدليل أننا لم نجد لها حلا طوال السنوات الماضية, فإن بقية المشكلات لا أمل في حلها أيضا, فهي من نوع فالج لا تعالج, فكيف يمكن ان نواجه العولمة إذن؟

تعليقات

تعليقات