أزمة الديون في البلدان النامية:بقلم-الدكتور تيسير الناشف

ان الآمال التي عقدها الناس المعنيون بالانصاف الاقتصادي في سنوات الستين والسبعين والثمانين والتسعين في تضييق الفجوة الكبيرة القائمة بين البلدان الصناعية متقدمة النمو الأكثر ثروة في الشمال والبلدان النامية الأقل تصنيعا في الجنوب تشتت تشتتا تاما تقريبا في أواخر سنوات الثمانين وفي سنوات التسعين, اذ تشهد بلدان نامية كثيرة, ولا سيما أقلها نموا أزمة اقتصادية حادة وطويلة ومتنامية بسبب عوامل اقتصادية عديدة على الساحة الداخلية والدولية, وعلى الرغم من ان مجموعتي البلدان كلتيهما تعانيان من تلك التي تعاني منها بلدان الجنوب والتي يصح أن توصف بأنها أزمة اقتصادية خانقة في عدد من البلدان النامية. ومن العوامل الاقتصادية الكثيرة في ايجاد هذه الأزمة انخفاض أو انهيار أسعار عدد كبير من السلع الأساسية التي تصدرها البلدان النامية والتي تشكل المصدر الرئيسي أو الوحيد تقريبا لدخولها المالية, والاكتظاظ أو الانفجار السكاني في البلدان النامية, والحمائية المتزايدة التي يأخذ بها عدد من البلدان متقدمة النمو ابتغاء المحافظة على الأسواق لمنتجاتها الزراعية والصناعية وعلى أسعار تلك المنتجات, وهي الحمائية التي تشكك البلدان النامية وعدد من البلدان متقدمة النمو في سلامتها الاقتصادية على الساحة الاقتصادية الدولية وفي صلاحيتها القانونية. والانخفاض الكبير لاستثمارات البلدان متقدمة النمو في البلدان النامية, ونقص القيمة الحقيقية للمساعدة المالية التي تقدمها بعض البلدان الصناعية الى بعض بلدان الجنوب, والديون الخارجية الواقعة على البلدان النامية للبلدان متقدمة النمو, ان العملية الانمائية في البلدان الانمائية, ولاسيما أقل البلدان نموا, أصبحت بطيئة بعد ان كانت تخطو خطوات أسرع, أو ازداد بطؤها ازديادا كبيرا أو عكس اتجاهها في بلدان لايستهان بعددها, فحدث توقف أو تراجع في العملية الانمائية, وذلك رغم التدابير الاقتصادية القوية غير الشعبية التي اتخذتها البلدان النامية طوعا أو كرها لاعادة التكيف الاقتصادي الهيكلي (البنيوي), وهي التدابير التي كانت لها كلفات اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية باهظة, لتلك العوامل المذكورة آنفا وغيرها من العوامل التي تضيق رقعة هذا المقال عن ايرادها لا تزال الفجوة بين الرخاء النسبي لبلدان الشمال وفقر الأغلبية العظمى من بلدان الجنوب آخذة في الاتساع, الى حد ان البلدان النامية أطلقت على الثمانينات (عقد التنمية الضائع) . في بداية سنة 1989 قدر اجمالي الديون الخارجية الواقعة على البلدان النامية بـ 1.3 تريليون دولار, هذا رقم ضخم وقد شكل في سنة 1989 حوالي ضعف حصيلة صادرات البلدان النامية السنوية, ويقدر بان الالتزامات المالية السنوية على البلدان النامية لخدمة الديون بلغت في سنة 1989 (100) مليار دولار, ومما لاريب فيه ان اجمالي هذه الديون وكلفة خدمتها أكبر كثيرا الآن مما كان قبل ست سنوات إذ أن حجم هذه الديون يتزايد عاما تلو عام. وتوجد أسباب قوية للحجم الكبير لهذه الديوان ولتزايدها, منها ارتفاع أسعار الفائدة عليها, وهي الأسعار التي تحددها البلدان والمؤسسات الدائنة التي تسترشد في تحديدها للأسعار بمصالحها المالية والاقتصادية والسياسية حسبما تراها, وثمة سبب آخر وهو التقلب أو التذبذب الكبير في أسعار العملات على الساحة الدولية. ان عبء الديون الواقع على كاهل البلدان النامية زادت من تفاقمه البلدان متقدمة النمو وذلك بزيادتها الكبيرة لأسعار منتجاتها المصدرة ولكلفة خدماتها الفنية والتدريبية والاستشارية. وتقوم علاقة بين المديونية الخارجية وهبوط أسعار السلع الاولية والاساسية التي تصدرها البلدان النامية الى البلدان متقدمة النمو. بسبب هذا الهبوط ــ الذي يتصف بالحدة ــ تكون البلدان النامية عاجزة عن سداد الديون وكلفة خدماتها. وبسبب السياسة الحمائية التي ينتهجها عدد من البلدان متقدمة النمو تواجه البلدان النامية صعوبة في تصدير سلعها وتواجه مشقة ايضا في الوصول الى أسواق تستطيع فيها بيع سلعها بأسعار معقولة أو منصفة. وتفضي الصعوبة في التسويق بأسعار منصفة الى التدهور في حصائل صادرات البلدان النامية مما يجعلها عاجزة عن سداد ديونها وكلفة خدمات هذه الديون. وهذا العجز يؤدي بالدول النامية الى طلب أو قبول اعادة جدولة ديونها وهي الاعادة التي لا تنم عن تخفيف وطأة الديون ولكنها تؤذن بمزيد من كلفة خدمة الديون وبمزيد من القروض التي تحتاجها البلدان النامية للوفاء بالتزاماتها المالية متعاظمة الحجم والالحاح. وفي معظم الحالات لم يكن قبول البلدان النامية لهذه الديون متزايدة الحجم انعكاسا للرغبة الحقيقة لدى هذه البلدان في الحصول على قروض بمقدار ما كان نتيجة حالة تدرك وتشعر فيها البلدان المدينة انه ليس أمامها خيار أفضل من ذلك. ان سداد البلدان النامية للديون ولكلفة خدماتها ما انفك العامل المسؤول الأكبر في نشوء الواقع المؤلم الذي نراه والذي يتمثل في التدفق الصافي الكبير والمتزايد للموارد المالية من البلدان النامية الى البلدان متقدمة النمو. ففي بداية عقد الثمانينات حدث تدفق صافي بلغ حوالي 47 مليون دولار الى بلدان الجنوب. وقد تغيرت هذه الحالة تغيرا جذريا خلال سنوات قليلة, إذ يقدر بأن أكثر من 32 مليار دولار دفقت في سنة 1988 لسداد كلفة خدمة الديون من الجنوب الى الشمال. والمبالغ المالية المدفقة اليوم أكبر كثيرا. لقد استهلك سداد الديون وكلفة خدمتها الثقيلة الشطر الاعظم من الموارد المالية التي تحتاج البلدان النامية اليها أشد الحاجة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, يؤدي هذا الاستهلاك الى التقليل الاكبر للموارد المالية الاستثمارية في مجالات حيوية مثل اقامة البنية الأساسية والتعليم والتدريب والصحة والاسكان. ويقلل هذا الاستهلاك ايضا الأموال اللازمة لشراء السلع التكنولوجية الانتاجية من البلدان الغربية أو يأتي هذا الاستهلاك على هذه الأموال, مما يؤدي الى بقاء القاعدة الانتاجية في البلدان النامية ضعيفة أو الى بقاء هذه البلدان دون قاعدة انتاجية متطورة, الأمر الذي يعني بقاء هذه البلدان معتمدة على المنتجات التكنولوجية الغربية. ومن الطبيعي ان البلدان النامية تحبذ عكس اتجاه تدفق الموارد المالية الى بلدان الشمال. ويمكن تحقيق هذا العكس عن طريق اتخاذ مجموعة من التدابير منها توفير مزيد من الدعم المالي الخارجي وتخفيض أسعار الفائدة على القروض, وقيام البلدان متقدمة النمو بالتكيف البنيوي الاقتصادي الداخلي لايجاد أسواق أكبر للسلع التي تصدرها البلدان النامية ولجعل أسعار هذه السلع أكبر ومن هذه التدابير ايضا العمل من المنطلق الذي يتمثل في ان الاستخدام الرشيد للموارد المالية لا يقل أهمية عن أهمية حجم هذه الموارد.

تعليقات

تعليقات