البحث عن الطريق الثالث! بقلم - الدكتور طلعت شاهين

بعض السياسيين يعيشون أوهاما تتشكل في أذهانهم, ويظلون يكررونها حتى تكاد تتحول إلى أقوى من الواقع الذي يعيشه هؤلاء, ويكون هؤلاء أول من يصدق تلك الاوهام التي تحولت في أذهانهم الى حقائق خاصة بهم, فيتعلقون بها ويصبحون على استعداد لخوض حرب عالمية أو نووية من اجل تحقيق مالا يمكن تحقيقه . الوهم الذي حاولت السياسة والساسة الغربيون إقناعنا بجدواه خلال السنوات العشر الأخيرة على الرغم من وضوح مدى الضبابية التي تحيط به كانت نظرية (السوق المفتوحة) , باعتبار ان تلك النظرية البديل الوحيد من اجل تحقيق اقتصاد وطني ثابت وقائم على أسس ودعامات قوية, ويعتبر أيضا بديلا عن النظريات الاشتراكية التي فشلت في التطبيق الواقعي ليس بسبب ما شاب هذا التطبيق من عيوب بل في رأيهم أنها نظرية فاشلة في أساسها, وكانت علامة هذا الفشل في رأيهم سقوط الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه. لكن أحدا من سادة السياسة الغربية أو دعاتها لم يحاول أن يحلل لنا البديل الذي يجب ان يحل محل النظام الاشتراكي القديم, او يفسر لنا كيف يمكن ان يكون ذلك البديل مقبولا من عامة الجماهير, اذا كانت الطبقة العريضة من تلك الجماهير اول ضحايا هذا البديل كما حدث في تلك البلدان التي وجدت طبقتها العامة نفسها بلا مأوى ولاطعام ولاغطاء ولم تجد سوى اعلانات الكوكاكولا والبيبسي والفرايد تشكين والهامبورجر والمسحوق الذي يغسل اكثر بياضا, الذي لا تستطيع ان تحصل عليه تلك الطبقة العريضة, التي كانت حتى وقت قريب تقوم على اكتافها دعامات الدولة العظمى الثانية في العالم بل اصبح على تلك الطبقة ان تكتفي بمجرد الفرجة على ابناء الطبقة الجديدة الصاعدة من اللاشيء حاملة شعار البقاء للصوص وسارقي كرامة الوطن, لتحتل المكانة التي كان يحتلها ابطال العمل الحقيقيين. ولان ذلك الغرب يملك قوة الاعلام وكل الوسائل الممكنة التي كان يمكنها ان تكون صوتا ايضا, ليس لكشف زيف تلك الاوهام بل لمجرد التنبيه الى سلبيات تطبيق نظرية السوق المفتوحة او الدعوة الى العولمة الاقتصادىة في هذه الظروف الحرجة من حياة الشعوب غير الاوروبية الغربية, خاصة تأثير هذه النظرية الجديدة على تلك الشعوب التي كانت لعقود طويلة تعيش عيشة هادئة, قريبة من حد الكفاف لكنها كانت تحصل في النهاية على الغطاء والمأكل والملبس, افضل من اللاشيء الذي لاتكاد تعثر عليه تلك الشعوب الآن. هذا السقوط في حبائل نظرية السوق المفتوحة وعولمة الاقتصاد لم يقتصر على تلك الشعوب التي كانت تعيش خلف الستار الحديدي فقط, او الشعوب التي تنتمي الى مايسمى بالعالم الثالث او العالم النامي, بل راح ضحيتها وان كان بقدر أقل ابناء شعوب اوروبا الغربية المرفهة, التي اخذت على عاتقها مهمة الدعاية لتلك النظرية, بل وممارسة كافة الضغوط الممكنة من أجل دفع العالم كله نحو اعتناق تلك النظرية, فتحولت الطبقة المتوسطة ــ وان كان بشكل مخفف ــ الى ضحايا لتلك النظرية بالكيفية التي نادى بها دعاة العولمة الاقتصادية. ولان ضحايا تلك النظرية في اوروبا الغربية شاء حسن حظهم انهم يملكون أداة الاحتجاج ضد سلبيات تلك النظرية, سواء عبر مظاهرات الاحتجاج الحرة, أو عدم التصويت للأحزاب التي تتبنى تلك النظرية, أو مقاطعة الممارسة السياسية اليومية كنوع من الاحتجاج ضد سلبيات العولمة, فقد اصبح وضع السياسيين الغربيين حرجا في مواجهة شعوبهم التي اوهموها بأن الليبرالية الجديدة هي النعيم والرخاء, حتى ان السياسيين الذين كانوا حتى وقت قريب يعتبرون من الزعامات الكلاسيكية في اوروبا الغربية مثل (هيلمون كول) فقدوا البريق الذي صاحب الدعوة الى تطبيق نظريات العولمة, وانتهى الوضع به ليتحول من رئيس مجلس الوزراء الى زعيم للمعارضة, كما حدث تماما مع حزب المحافظين البريطاني, أو حتى اليمين الفرنسي الذي دخل في أزمة حادة تمزقه من الداخل ولا يبدو له منها مخرج قريب. هذا الوضع دفع الى الحلبة السياسية بسياسيين جدد تنبهوا الى خطورة تطور الاوضاع على النحو الذي سارت عليه الدعوة الى عولمة الاقتصاد وتطبيق نظام السوق المفتوحة على مصراعيها دون مراعاة لمتطلبات الطبقة العريضة من الجماهير, التي تشكل في النهاية الجسم الحي للناخبين الذين يمكنهم رفع حزب الى السماء, ودفع حزب آخر الى الهاوية, خاصة أن هذا الجسم الانتخابي الذي يطلقون عليه اسم (الوسط) الذي لا ينتمي الى اي حزب من الاحزاب بشكل رسمي, على استعداد للتصويت لمن يوفر له الرعاية الصحية والتعليمية, ويساعده على تربية الابناء بأقل نفقات ممكنة. من هؤلاء الزعيم العمالي البريطاني (توني بلير) الذي يحتل مقعد رئاسة مجلس الوزراء بجدارة جعلت حزب المحافظين ظلا لما كان عليه قبل سنوات قليلة, يحاول توني بلير الآن أن يقدم وجها جديدا لسياسة حزب العمال التي تخلت نهائيا عن طريقها القديم, ويحاول ان تكون بديلا للواقع السياسي في اوروبا الغربية تحت اسم (الطريق الثالث) , وهذا البديل يعتبر نوعا من التعديلات التي يحاول ادخالها على الليبرالية الجديدة التي اجتاحت العالم كله, وبشكل خاص في مجال الاقتصاد, حتى اطلق عليها البعض في أوروبا اسم (الليبرالية المتوحشة) , لانها تتعامل مع الأرقام الباردة, وتحسب التقدم بحجم الارباح التي يمكن لرأس المال ان يحققها بغض النظر عن تأثيرها على المجتمع. ربما كان نجاح الدعاية لهذا (الطريق الثالث) يعود أيضا الى ان الرئيس الامريكي بيل كلينتون يحاول السير في هذا الاتجاه من خلال دعم الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدمها الدولة للطبقات الفقيرة وبشكل خاص الزنجية حتى ان كثيرا من المحللين السياسيين يعتقدون ان نجاح الحزب الديمقراطي في مقاومة ضغوط الحزب الجمهوري في الانتخابات الاخيرة, وتحقيقه تقدما على الرغم من (فضائح الرئيس كلينتون) إنما يعود الى تلك السياسة وليس رد الجماهير على محاولات اسقاطه, وربما كان في هذا التحليل الكثير من الصدق. ربما كان هذا ايضا الدافع لرئيس الوزراء الاسباني اليميني خوسيه ماريا ازنار للسير في (طريق توني بلير الثالث) على الرغم من الفوارق الكبيرة في انتماءاتهما, ومحاولته جر حزبه اليميني الى السير نحو ما اسماه (الرحلة الى الوسط) بحثا عن اصوات الطبقة العريضة من الجماهير التي لا تعتبر مساحته الطبيعية طبقا لمنطق الاشياء. الا ان هذا (الطريق الثالث) على الرغم مما قيل عنه, وما كتب ايضا, وبشكل خاص كتاب رئيس الوزراء البريطاني الذي صدرت طبعاته بعدد من اللغات من بينها اللغة الاسبانية قبل ايام قليلة, يعتبر وعاء فارغا, او شعارا براقا في الحقيقة لايقول شيئا, فأصبح كالاطار الخالي من الصورة, اطار يحيط بمساحة بيضاء فارغة, والذين يرون فيه ايديولوجية جديدة يلمسون انها ايديولوجية لاتزال في طور التشكل, وملامحها لاتزال غائبة ولا يمكن التكهن بحقيقة محتواها او توجهها. على الرغم من هذه الاوصاف السلبية التي اطلقها بعض المحللين السياسيين على (الطريق الثالث) لتوني بلير, الا انهم يعلقون الامل على ان تأتي التطورات السياسية والاقتصادية العالمية خلال السنوات المقبلة بما يملأ هذا الفراغ باتجاه تحقيق وضع اكثر عدالة على الاقل بالنسبة للطبقة العريضة للشعوب, ويرون ان ذلك يمكن ان يتم لو ان رئيس الوزراء البريطاني تحرك باتجاه تجديد قيم اليسار القديمة, وتحويلها الى قيم اكثر عصرية تبتعد عن قيم اليسار السابق على سقوط الاتحاد السوفييتي ولكنها تحاول ان تبتعد عن سلبيات التجارب التي تم تطبيقها منذ هذا السقوط, وان تكون هذه القيم قابلة للتطبيق, وتصلح كبديل حقيقي لليبرالية الجديدة, ولا يقتصر دورها على الشكل الدعائي الذي يحاول البعض استخدامه للحصول على اصوات (الوسط) للبقاء اكبر فترة ممكنة متربعا على كرسي السلطة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات