ابجديات، بقلم: عائشة ابراهيم سلطان

في كل فترات التاريخ لم يتوقف احتكاكنا بالعالم الخارجي, ومنذ وعت الحضارة العربية والاسلامية نفسها وقوتها, وهي تعطي بقدر ما تأخذ واظن بأننا لم نصل إلى حالة التخلف والانهيار هذه الا بعد ان اوقفنا تعاملنا مع الحضارات انطلاقا من مبدأ التعاطي والتبادل, وصرنا عالة على الآخرين , وما عدنا نصلح لان نعطي حتى عود ثقاب تافه. المفارقة الحضارية اننا نتعامل مع أمم الارض كلها, وفي تاريخ هذه الامم تجارب رائدة, ووقفات فاصلة ما احوجنا لان ندرسها ونتأملها ونستفيد منها, لا اقول بأن نطبقها حرفيا, فلكل مجتمع خصوصيته وظروفه, لكنني أتحدث عن مبدأ النظر في تجارب الاخرين بعين الحكمة والاستفادة لا اكثر. ولقد وقع بين يدي كتاب قيم باسم (مختارات من التراث الامريكي) عبارة عن مجموعة من الخطب والاشعار والاناشيد والصور والرسومات التي تعبر عن الروح الامريكية بمظاهرها المتنوعة, وهي مختارات جديرة بالقراءة لانها ترصد مسار الحياة والتاريخ الامريكي من خلال هذا الارث الضخم من الافكار الكبيرة التي جادت بها نفوس وعقول عظماء الامة الامريكية. ولا ازعم انني قرأت كل الكتاب فهو من النوع الضخم الذي يتجاوز السبعمائة صفحة, ولكنني وقفت كثيرا عند وثيقة مشهورة جدا ومهمة في تاريخ امريكا عرف بتقرير (أمة في خطر) . ففي أواخر السبعينات, وبداية الثمانينات من هذا القرن, وضعت دراسات كثيرة, وصفت الاداء المزري للطلبة الامريكيين في اختبارات الرياضيات والعلوم وغيرهما من المجالات الاكاديمية, لكن لم يجتذب اهتمام الجمهور شيء مثل تقرير (أمة في خطر) وهو التقرير الذي صدر عام 1983 عن اللجنة الوطنية للتفوق التربوي التعليمي, وقد قامت هذه اللجنة برعاية الرئيس رونالد ريجان والمعينة من قبل وزارة التربية والتعليم بتوثيق تدهور المستويات العلمية وتوثيق الحاجة إلى تحسين نوعية التعليم والتعلم, وظهرت نتائجها فيما بعد في برامج خاصة في التلفزيون ونشرات الاخبار والصحف اليومية, ما دفع العديد من الهيئات التشريعية والمجالس التعليمية هناك لاتخاذ اجراءات لتحسين اوضاع المدارس. لماذا اعتبر التقرير ان وضع الامة الامريكية في خطر في تلك الفترة؟ ان ذلك لم يكن عائدا إلى سوء مستوى المدارس والجامعات أو تدهور الاقتصاد والازدهار, لكن الرعب الذي تم اكتشافه يومها وعلى اساسه استنفر (ريجان) مؤسسات المجتمع هو ان الاسس التربوية التعليمية للمجتمع الامريكي آخذه في التآكل بسبب تيار التواضع في المستوى العام, خاصة بعد ان بدا واضحا ان الروس واليابانيين والكوريين والالمان يقومون بمضاهاة المنجزات الامريكية التربوية التعليمية والتفوق عليها, وبالتالي منافسة الامريكان في عقر دارهم. لقد قال التقرير جملة مدوية أرى ضرورة ان نوزعها كملصق اعلاني عام في الدولة وفي الوطن العربي ككل فربما انتبهنا إلى الحال التعليمي عندنا, هذه الجملة تقول: (لو حاولت دولة معادية ان تفرض على امريكا مستوى الاداء التربوي التعليمي المتواضع الموجود حاليا, لحق علينا اعتبار ذلك بمثابة اعلان حرب, لكن المؤسف اننا نحن من سمح بحدوث ذلك) . يؤكد التقرير ان التاريخ لا يرحم المتقاعسين, وقد انتهى ذلك الزمان الذي كان فيه مصير الامم مضمونا بوفرة مواردها وحماسها الانساني وعزلتها عن اذى الآخرين, فهناك تقارب كوني رهيب بين الامم, وهناك منافسون شرسون يتمتعون بقدرات عالية في التعليم والدافعية وفي فرض تجاربهم وافكارهم, وعلينا ان نبدأ بالتعليم كي نتصدى لهم, فمتى سنشعر اننا امة في خطر؟

تعليقات

تعليقات