مطلوب(مكتب طوارئ) فلسطيني لاستيعاب الآثار المدمرة لإلغاء الميثاق الوطني:بقلم-شفيق الحوت

بعد أن أوضحنا في مقالتنا الأسبوع الماضي أن التعديل المطلوب اسرائيليا للميثاق الوطني يعني في الحقيقة الغاء هذا الميثاق برمته , وأن هذا الإلغاء يعني بالضرورة إلغاء منظمة التحرير الفلسطينية, سنتناول في مقالتنا هذه الآثار التي سيعكسها هذا الإلغاء على شعب فلسطين وقضيته, كما سنحاول استعراض الخيارات الممكنة للخروج من هذا المأزق وتفادي آثاره المدمرة. ولكن قبل هذا وذاك لابد لنا من استطلاع الأسباب التي حدت بنتانياهو الى تجديد الطلب (بتعديل) الميثاق أو الغاء (البنود التي تدعو لتدمير اسرائيل) حسب تعبيره, مع علمنا جميعا بأن مثل هذا (التعديل) قد حدث في جلسة خاصة عقدها المجلس الوطني في ابريل سنة ,1996 وتمت إحاطة الرئيس الامريكي به في حينه, ووصفه شمعون بيريز يومها بأنه كان (يمثل أهم خطوة في القرن العشرين) ! أن أول ما يخطر على البال, بعد خضوع السلطة الفلسطينية لهذا الأمر, أنه بات من حق كل حكومة اسرائيلية جديدة أن تعيد النظر فيما جرى عليه الاتفاق من قبل. واذا تذكرنا رفض نتانياهو لمتابعة المفاوضات مع سوريا من حيث انتهت مع الحكومة التي سبقت حكومته, فإن دواعي القلق تتزايد, اذ لم يعد هناك من ضمانة الا يتكرر مثل هذا الموقف الاسرائيلي من أية حكومة مقبلة. ولكننا نعتقد أن وراء هذه الأكمة ما هو أخطر من ذلك بكثير, فاسرائيل بعد أن اطمأنت الى طي صفحة آثار اغتصابها لفلسطين سنة 1948 سواء بالنسبة لاستعادة الأرض أو عودة الشعب إليها, وبعد ان قطعت كل هذا الشوط في تقزيم الحقوق الوطنية الفلسطينية فيما تبقى من الأراضي المحتلة سنة ,1967 فإنها تطمع اليوم في اغتصاب الوجدان الفلسطيني وتزوير ذاكرة الشعب ليعترف بأن كل هذا النضال الذي خاضه وأمته العربية إنما كان اعتداء لا مبرر له ضد اليهود وحركتهم الصهيونية, مما يستوجب عليه الاعتذار وربما دفع تعويضات مناسبة, ان اسرائيل لا تريد ان يستمر بقاؤها ووجودها كثمرة لتفوقها العسكري وانتصارها في الحروب, وإنما تريد لهذا الوجود والاستمرار اعترافا فلسطينيا بشرعيته عن قناعة وليس تسليما بالأمر الذي فرضته موازين القوى. ولا ريب في أن جلسة يعقدها المجلس الوطني, أعلى سلطة سياسية في منظمة التحرير الفلسطينية, التي هي الممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين, يتناوب على منبرها من سيقرأون فعل الندامة من أبناء فلسطين وتحت رايات الولايات المتحدة واسرائيل بحراسة رجال الموساد والمخابرات المركزية الامريكية ستسجل مشهدا سياسيا لا سابقة له في التاريخ, حيث تعتذر الضحية من الجلاد وتعده لا بعدم مقاومته وحسب, وإنما بالسهر على حمايته واعتماد روايته التاريخية لكل أبعاد الصراع العربي ــ الفلسطيني على امتداد مائة سنة. وأخيرا تقر ما سيقترحه للوضع النهائي لها. ولذلك فإننا نحذر من الاقدام على هذه الخطوة ومن الآثار المدمرة التي تترتب عليها, وهي: أولا: المرجعية الوطنية المركزية إلغاء الميثاق يعني اغتيال الإنجاز الوطني الأوحد الذي حققته الحركة الوطنية الفلسطينية الراهنة, وهو هذا الإطار التنظيمي لطلائع هذا الشعب السياسية والوطن الروحي للفلسطينيين على امتداد 34 سنة من عمر النكبة وضياع الوطن المادي. إلغاء الميثاق يعني شطب (العنوان) النضالي و(للإطار) الذي كانت تلتقي فيه طلائعه المقاومة للاحتلال, و(للناطق) الرسمي باسمه. ثانيا: وحدة الشعب سيساهم الغاء الميثاق في تفتيت الشعب الفلسطيني سياسيا بعد أن تم تفتيته جغرافيا. ولا ريب أن الغاء الميثاق سيؤدي الى تعميق الانقسام في الساحة الفلسطينية على نحو لا مثيل له في تاريخ شعبها. ان تكريس تقسيم الشعب الفلسطيني الى (شعوب) تختلف أولويات كل واحد منها وفق (مكان) تواجده و(زمان) هذا التواجد, مما سيؤدي الى اغتيال وحدة الموقف ووحدة الهدف اللتين كانتا ولا تزالان من أهم ما صان وحدة هذا الشعب وتعاظم قضيته منذ نكبته سنة 1948. ففي داخل الأرض المحتلة سيكون هناك (شعب) في القطاع وآخر في الضفة الغربية, دون أن ننسى (فلسطينيي اسرائيل) , تفصل بينهم (الجغرافيا) كما تفصل بينهم الأوضاع (القانونية) لكل منها. وخارج الأرض المحتلة, لن يكون الوضع أقل تعاسة, اذ سيتوزع فلسطينيو الشتات كذلك الى (شعوب) من (لاجئي لبنان) , و(لاجئي سوريا) , و(لاجئي الاردن) . و.. و.. وصولا الى لاجئي المهاجر البعيدة في أوروبا والامريكيتين واستراليا وكندا! وسيجر هذا التفتيت الى المزيد منه, وليس فيما نراه يحدث في الضفة الغربية والقدس من تقطيع أواصر الصلة بين كانتوناتها أو معازلها إلا ما يؤكد مثل هذا التوجه المقلق. ثالثا: الهوية الوطنية الفلسطينية كلنا يعرف ما عاناه شعب فلسطين على امتداد هذا القرن دفاعا عن هويته وأرضه, وبخاصة في النصف الأخير منه في أعقاب نكبة 1948 وسنوات التيه التي تلتها, ورفضه التحول الى مجموعات من اللاجئين والنازحين والمبعدين, الى غير ذلك من التسميات. لقد احتاج هذا الشعب الى خمسة عشر عاما من النضال البطولي رفضا لمشاريع التوطين والالحاق والتجنيس, ليسترد هويته الوطنية وليرد الاعتبار لشخصيته الاعتبارية باقامة منظمة التحرير الفلسطينية, التي حملت لواء كفاحه ثلاثين سنة اخرى, قدم خلالها مئات الآلاف من الشهداء والسجناء والمعاقين دفاعا عن هويته كحقيقة موضوعية وكشرط حتمي لاسترداد الأرض. إنها المرة الاولى في تاريخ شعب فلسطين التي ينتزع فيها هذا الشعب اعتراف الدنيا بهويته كشعب له حقوق غير قابلة للتصرف. وأصبح عضوا فاعلا في المنظمات والهيئات والتكتلات الاقليمية والدولية, ويمتلك كامل الحقوق التي لغيره من الشعوب, باستثناء الأرض بالطبع التي كان استردادها هو الهدف الأصيل. بعد اتفاقية اوسلو, التي وصلت بنا حدود المطالبة بالغاء ذاتنا, دون أن تتحمل عناء طرح بديل يقبله العقل ولو على مضض وبعيدا عن وجدان لا يساوم, فإن المساس بميثاقنا الوطني لا يعني التنازل عما أنجزناه بتضحياتنا العظام وحسب, وانما التنكر لكل ما قمنا به هدفا وأسلوبا ومحو لذاكرتنا التاريخية, ونحر طوعي لثقافتنا وتراثنا وكل ما سجلناه من شعر ونثر ورسمته أنامل أطفالنا من صور لمدنهم وقراهم التي اقتلعوا منها. أو لم يصبح الحديث عن تحرير فلسطين (مثالية عبثية) والكفاح المسلح (إرهابا) والمطالبة بالعودة تحريضا يعاقب عليه القانون؟ ان المساس بالميثاق الوطني يعني التنازل عن هويتنا الأزلية مقابل القناعة بحياة المنافي أو العيش في المحميات المعزولة على غرار الهنود الحمر. انه باختصار, فسخ العلاقة المقدسة بين الوطن والمواطن, بين فلسطين والفلسطيني. رابعا: نحن والعرب إن هذه القضية التي كانت بمثابة أولى قضايا العرب, بل قضيتهم المركزية, والتي مثلت خلال العقود المديدة للصراع حالة وجدانية وتراثا نضاليا للعرب عموما ولشعب فلسطين بوجه خاص, والتي بقيت مستعصية على الحل ومعلقة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ تأسيسها, والتي تسببت في أكثر من خمسة حروب عربية ــ اسرائيلية رسمية الى جانب الكفاح الفلسطيني المسلح وغير المسلح على امتداد ثلاثة أجيال.. ان هذه القضية تحولت من (قضية فلسطين العربية) الى (قضية الفلسطينيين) الى (قضية بعض الفلسطينيين) وباتت مهددة الان بالتصفية واغلاق ملفها بسبب التسوية الخادعة التي اوهمت الكثيرين عالميا وعربيا بأنه قد تم حلها بجميع ابعادها, وان الصراع قد انتهى ليحل محله السلام, مع العلم بأن هذه التسوية لم تحل اي بعد من ابعاد هذه المشكلة بل اضافت اليها ابعادا جديدة, واسست لمشاكل عربية ــ فلسطينية بعد ان أحلت المجتمعين العربي والدولي رسيما على الاقل من التزاماتها تجاه هذه القضية. هذه هي اهم الاثار التي قد تترتب عن الغاء الميثاق الوطني على مستقبل شعب فلسطين وقضيته ولذلك لابد للقوى الوطنية الفلسطينية والقومية على مستوى الامة من التصدي لمجابهة هذا الانهيار المريع الذي نتفرج عليه مكتفين بالمعارضة اللفظية والمهرجانات الكلامية. عند هذا المنعطف لم يعد للقوى الفلسطينية المنظمة المعارضة لنهج التسوية ومعها الشخصيات الوطنية المعروفة بمواقفها الثابتة, من عذر في عدم التحرك قدما لاعادة النظر بادائها الراهن وكيفية تطويره وضرورة تحويله الى اداء جبهوي عريض تشترك فيه كل الفعاليات الوطنية. وليس من مناسبة اكثر ملاءمة لمثل هذا التحرك من هذه المناسبة, اي محاولة السلطة الفلسطينية لالغاء الميثاق الوطني واغتيال منظمة التحرير. وحتى يكون كلامنا اكثر جدية, والمعيار مدى الامكانية لتحويله الى تحرك عملي, نقترح تشكيل (مكتب طوارىء) تتمثل فيه كل القوى والاحزاب والهيئات الشعبية والمدنية والمهنية من دون قيد او شرط غير (معارضة نهج السلطة) تحت شعار عام هو (مقاومة الاحتلال الصهيوني) واخر خاص للدفاع عن ميثاق المنظمة. ويقوم هذا المكتب بالمهمات التالية: اولا: التصدي بكل الوسائل الشرعية للحيلولة دون تمكين السلطة الفلسطينية من النجاح في عقد اي جلسة للمجلس الوطني تستهدف الميثاق, من خلال حملة سياسية ــ اعلامية شاملة, وحركة اتصالات سريعة ومتواصلة مع جميع اعضاء المجلس الوطني في كل اماكن تجمعهم وتحذيرهم من مغبة السقوط في هذا المنحنى غيرالوطني. ويمكن في هذا الاطار طرح الكثير من الافكار والاجتهادات الكفيلة برفع مستوى الوعي الشعبي بهدف تحريكه وتفعيل دوره التاريخي. ثانيا: بالاضافة الى هذه المهمة النضالية اليومية على مكتب الطوارىء هذا ان ينشىء لجنة تحضيرية من بين اعضائه تكون مهمتها اجراء الاتصالات على خطين: الاول فكرة الدعوة الى عقد مؤتمر شعبي فلسطيني موسع, على غرار المؤتمر الشعبي الذي اقر مشروع اقامة منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 وذلك بهدف استرداد الشرعية الوطنية والشعبية من المجلس الوطني الحالي الذي بات مرتهنا لدى السلطة الفلسطينية واصبح عاجزا عن الوفاء بواجب الامانة على الميثاق وعلينا ان نذكر في هذا الاطار, بأنه لايملك المجلس الوطني الراهن اي حق شرعي في الغاء ميثاق المنظمة ان مثل هذا الاجراء لايستمد شرعيته الا عبر استفتاء شعبي او مؤتمر شعبي موسع يملك مقومات الصدقية المطلوبة, وهو ما نطالب بالتحضير لعقده. اما الخط الثاني, فهو العمل على وضع ورقة سياسية تؤسس لمستقبل (المرجعية الوطنية الفلسطينية) سواء اعتمدت نفس اسم المنظمة الحالي او اقترحت تسمية اخرى, بمعنى اخر لابد من الاتفاق على امر من اثنين اما استرداد المنظمة واما ايجاد اطار جديد بدلا عنها. ثالثا: ينتهي دور (مكتب الطوارىء) هذا بعد انعقاد هذا المؤتمر وخروجه بقرارات تصوغ (هيكلية) جديدة للعمل الجبهوي الفلسطيني. ولكي تنجح هذه المحاولة, لابد من بداية الطريق, ان يدرك قادة الفصائل ورموز العمل الوطني انه لامجال في هذه المحاولة للسماح بتكرار اخطاء الماضي وبخاصة للتطلع الى ادوار خاصة او للبروز على حساب الاخرين هذا اطار جبهوي وطني قيمته بقاعدته الواسعة وصدقية تمثيله للتطلعات الفلسطينية, ولابد لجموع الشباب الصاعدة والتجمعات الطلابية من ان تأخذ فرصتها في صياغة القرار. وايضا لكي تنجح هذه المحاولة لابد من البحث عن عاصمة عربية يمكنها احتضان مثل هذا التحرك رغم مايمكن ان يتسببه من ضغوط عليها. بانتظار تحقيق هذه الفكرة وفي الساحة افكار اخرى مماثلة قد تكون اكثر دقة وتفصيلا, ليس لنا سوى تكرار دعوتنا لزملائنا في المجلس الوطني لعدم المشاركة في اعمال اي جلسة للمجلس الوطني الراهن وعدم تمكين السلطة من اسداء اية شرعية او شعبية على قرار يطالبنا بشطب انفسنا من الوجود.

تعليقات

تعليقات