نحو مقياس لحرية الصحافة في العالم العربي: بقلم- د. بسيوني حمادة

سألني زميلي استاذ الصحافة معلقا على مقال الاسبوع الماضي(الوجه الاخر لحرية الصحافة)هل تتمتع الصحافة بحريتها في عالمنا العربي ؟ ولأنه ليست هناك اجابة قاطعة ومحددة على هذا التساؤل فضلا عن اختلاف النظم الصحفية في عالمنا العربي من دولة لاخرى فكرت في بناء مقياس يمكن الاهتداء به للتعرف على ما اذا كانت هناك صحافة حرة ام لا ومدى ما تتمتع به من حرية, والمقياس ليس الا اداة متعارف عليها في العلوم الاجتماعية وغير الاجتماعية لقياس الظواهر المجردة من خلال الحكم عليها في ضوء مؤشرات ملموسة واضحة ومحددة والاهم انها موضع اتفاق بين الجميع او على الاقل بين الاغلبية, هذا الاتفاق الذي يسمح بموضوعية الاحكام الصادرة عن استخدام المقياس وتحييد الاعتبارات الذاتية والانتماءات الايديولوجية لمستخدمي المقياس. ومؤشرات المقياس كما سيتم طرحها ليست الا بيانا لمواصفات الصحافة الحرة وهي ذات طابع عالمي تسري على كل المجتمعات كما تنطبق على وسائل الاعلام الاذاعية. مؤشرات المقياس 1 ــ حرية اصدار الصحيفة فالملكية الخاصة هي احد اهم عناصر حرية الصحافة وتعني حق الفرد في اصدار صحيفته مثله في ذلك مثل المؤسسات والاحزاب والجماعات والدولة, ولكن هناك بعض استثناءات لملكية الدولة التي تتحقق فيها حرية الاداء الصحفي او الاعلامي نتيجة عدم تدخل الدولة في العمل الاداري او رسم السياسة الاعلامية كما هو حادث في الاذاعة البريطانية فالعبرة في مثل هذه الحالة ليست بالملكية ولكن بالاداء نفسه, وان كانت الملكية الخاصة اقرب الى تحقيق الحرية الصحفية لأنها المدخل الى التعددية والتنوع وسيادة مناخ فكري تنافسي يسمح بالتعبير عن كافة الاراء والاتجاهات في المجتمع, او بعبارة اوضح ليس هناك احتكار لحرية الكلمة والفكر والرأي من طرف واحد وفي النهاية فان الحقيقة تظهر من تفاعل كل الاراء المطروحة وهي ليست لصيقة برأي معين دون الآخر. وليس هناك معيار محدد لعدد الصحف التي تكفي حاجة المجتمع لتحقيق حرية الصحافة فقد يتمتع مجتمع معين بعدد كبير من الصحف ووسائل الاعلام ولكنها تخضع للاحتكار سواء من قبل الدولة او المؤسسات الرأسمالية الكبرى فالمهم ليس هو التعداد الرقمي ولكن التعددية الفكرية التي تعكس شخصية كل صحيفة وتوجهها ونظرتها للاشياء وخير مثال على ذلك هو عدد القنوات الفضائية العربية التي تتكاثر بشكل سرطاني دون ان نشعر ان هناك صوتا اعلاميا جديدا قد اضيف لسبب بسيط هو ان الاداء الاعلامي الترفيهي الهابط يكاد يكون القاسم المشترك بينها جميعا وعلى خلاف ذلك يشعر القارئ بالاختلاف النسبي في توجهات الصحف العربية مقارنة بالفضائيات العربية مما يعني ان هناك تعددية نسبية وهامش حرية قابل للامتداد والتوسع. 2 ــ حرية الحصول على المعلومات من مصادرها في الوقت المناسب. فالصحافة وجدت للرقابة على السلطة بهدف كشف عوراتها ودفعها لتصحيح اخطائها واتاحة الفرصة للرأي العام لمحاسبتها, وفي نفس الوقت فانها تمارس دورها لابراز ايجابيات السلطة وهذا المؤشر يعني ان الصحافة الحرة ليست بالضرورة هي المعارضة للسلطة والتي تناصب الدولة العداء على طول الخط كما انها بالطبع ليست الصحافة التي تخدم الدولة او تبرر سياساتها وتضلل الرأي العام لدعم شرعية زائفة ولكن الادق القول بأن الصحافة الحرة هي تلك التي تحتفظ بمسافة بينها وبين السلطة من جانب وبينها وبين الجماهير من جانب اخر بحيث لا يقع الصحفيون في جيب السياسيين كما لا يناصبونهم العداء من اجل العداء. وحتى لا تتملق الصحافة الجماهير لتحقيق شعبية زائفة ولمباشرة هذه الوظيفة فان حرية الوصول للمعلومات واستقائها من مصادرها الاصلية في الوقت المناسب ونشرها كما هي تمثل دعامة الصحافة الحرة. وامتدادا لهذا المؤشر يمكن القول بأن الصحافة الحرة هي تلك التي تتسع فيها المساحة المخصصة للمعلومات مقارنة بالمساحة المخصصة للرأي فالجمهور يمكن ان يصل الى الخيارات الادق والمشاركة البناءة اعتمادا على ما يحصل عليه من معلومات وحقائق صادقة اكثر من توجيهات واراء تعبر عن خيارات اصحابها والاصل في هذا المؤشر ان المعلومات هي المادة الخام لاتخاذ القرار وبقدر جودتها تكون جودة الاراء وان الصحافيين من حقهم استقاء المعلومات عن أي شيء في اي وقت وهم وحدهم الذين يقررون ما يجب نشره وما يجب حجبه بحكم مسؤوليتهم وتقديرهم لمصلحة المجتمع فاعطاء الحكومات هذا الحق يحيل الصحافيين الى مجرد رجال بريد في الوقت الذي يعملون فيه كقادة رأي لا سلطان عليهم الا ضمائرهم ومن حسن الحظ فقد ساعدت تكنولوجيا الاتصال المعاصرة على كسر احتكار اي جهة للمعلومات واصبحت المهمة الاصعب التي تواجه الصحافة ليست هي الوصول للمعلومات ولكن التدقيق في صحة هذه المعلومات اذا ارادت ان تكون صحافة حرة وعادلة في آن واحد. 3 ــ ويرتبط بالمؤشر السابق انعدام الرقابة السابقة واللاحقة على النشر ويبدو ان العالم العربي قد تخلص من الرقابة في شكلها الصارم التقليدي واسندها الى رئاسة التحرير داخل المؤسسات الصحفية وبدرجات متفاوتة تختلف من بلد لاخر ومن صحيفة لاخرى الا ان الرقابة الذاتية لا تزال تعيش في داخل كل صحفي وهي اسوأ انواع الرقابة وتحتاج الى ضمانات لحقوقه وحريته تدفعه الى ان يتحرر من كل الموانع الا ما يراه ضميره الحر ماسا بمصلحة المجتمع. 4 ـ حرية التعبير عن الرأي والتعليق على الاحداث والقرارات سواء من جانب الصحفي او القارئ فكلاهما له الحق في ان يطرح وجهة نظره ولن تمارس الصحافة العربية دورها وفق هذا المؤشر مالم يكن متاحا لديها اجهزة قياس رأي عام مستقلة تعتمد عليها في استقراء اتجاهات الرأي العام. والحاصل ان حرية الصحافة هي جزء من حرية المجتمع ولن تنجح في التعبير عن التوجهات المختلفة مالم يكن متاحا للرأي العام ان يفصح عما بداخله بكامل حريته ووسيلته في ذلك هي طرق قياس الرأي العام المستمرة والمنتظمة وستظل الصحافة العربية تدعي التحدث باسم الرأي العام دون ان تعرف ما يشغله, فحرية الصحافة في التحليل الاخير ليست الا احد مظاهر التعبير عن حرية الفكر ولن تزدهر حرية الصحافة اذا كان المجتمع لا يفكر. 5 ــ الفصل التام بين الصحافة والاعلان ومهنة الصحفي ومندوب الاعلانات فسعي الصحفي نحو الكسب المادي يجعله يسخر قلمه لخدمة المعلن على حساب مصلحة القارئ واحيانا على حساب الحقيقة نفسها. وكثيرا ما تقرأ مقالا او عامودا صحفيا وتحسبه مادة تحريرية لكنك قد تكتشف بعد فوات الاوان انه مادة اعلانية مدفوعة تم صياغتها ومعالجتها باسلوب يخفي الوجه الاعلاني. وليست هذه دعوة لتخلي الصحيفة ككل عن الرسالة الاعلانية فالاعلان يمثل مصدر الدخل الرئيسي لوسائل الاعلام في عالم اليوم وقد يحميها من الاحتكارات الحكومية فضلا عن قيامه بوظائف اقتصادية تخدم المجتمع وترشد من القرار الشرائي للمستهلك ان احسن استخدامه الا ان خطورته تكمن في سيطرته على المادة التحريرية والسؤال هو الى أي حد يسيطر الاعلان ويتحكم في السياسة الاعلامية وفي المادة الصحفية ذاتها؟ 6 ــ رؤية الصحفيين لدورهم في المجتمع, فهل يرى الصحفيون انفسهم اصحاب رسالة ام مجرد موظفين هل هم اصحاب فكر يدعون للتغيير البناء من اجل تحقيق انسانية الفرد وكرامته وحقوقه ام انهم ادوات دعائية للتعتيم والتضليل؟ ان نظرة الصحفي لذاته مرتبطة بنظرة الرأي العام والسلطة اليه فالسلطة قد لا تحتمل ان تمارس الصحافة دورها التنويري الناقد بحجة ان كثيرا من بلداننا ذات هياكل هشة لا تقوى على تحمل نظرة الاعلام الفاحصة لاخفاقات البرامج الاقتصادية والاجتماعية الحكومية. كما ان الامية الثقافية لا تحتمل ايضا قيام الصحافة بدورها في اثارة الرأي العام غير الواعي والحقيقة ان الهياكل الهشة والامية الثقافية والاخفاقات الاقتصادية والاجتماعية ولا ابالغ اذا قلت ان الارهاب بكافة صوره والعنف المضاد كلها نتائج موضوعية ساهمت فيها اخفاقات الصحافة ذاتها, ان حقيقة ان الصحافة تعبير عن حالة المجتمع وظروفه لا يعني انها غير مطالبة باحداث التغيير المطلوب. كما ان الصحافة المتحررة هي مفتاح الاستقرار والمدخل للتصحيح والتطوير المبني على الاقتناع لا الاكراه, انها بايجاز قاعدة المجتمع الديمقراطي. واذا كان الاسلام قد جاء ليقدم للبشرية نظاما متميزا يرفض الاكراه والطغيان فان هذه المؤشرات جملة وتفصيلا كامنة في النظام الاسلامي وصدق الله العظيم اذ يقول: (الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) . استاذ بقسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات