للحوار وليس للتشاتم:هناك خلل ما في الجزيرة: بقلم - الدكتور محمد الرميحي

عندما كنا نتحدث عن قناة الجزيرة التلفزيونية في السابق, ونقول مالها وما عليها بتجرد وموضوعية, كان الرد يأتينا جاهزا في صورة بعض التعليقات غير الموضوعية من البعض مفاده ا (انكم ايها الكويتيون لديكم حساسية خاصة ضد قناة الجزيرة لانها تناقش بعض الموضوعات التي تعتبرونها شائكة وغير موضوعية) . وهكذا في كل مرة نحاول ان نستخدم فيه حقنا في النقد والتوجيه عن حب نتلقى هذا الرد الضاغط وتذهب أسبابنا ادراج الرياح. واليوم اناقش موضوع قناة الجزيرة مرة اخرى بحرية اكبر لسببين, الاول أن ما أثير اخيرا بين الجزيرة والاردن لا يخصنا في شيء نحن أهل الكويت الا كأمر عربي نهتم به, فقد ثارت أزمة بين الدولتين قطر والاردن بسبب عدم الكياسة التي كنا قد اشرنا اليها من قبل اكثر من مرة, وما حدث في البرنامج نفسه في الاسبوع الماضي بين فئات مختلفة من الفلسطينيين وطبيعة النقاش الذي دار بينهم على شاشة الجزيرة كان مثار اشمئزاز الكثير من المشاهدين الى درجة ان مقدم البرنامج هدد بوقفه اكثر من مرة, وهذا يؤكد مرة أخرى أن هناك خللا ما في بعض برامج الجزيرة قد حان وقت اصلاحه, لذا فالمناقشة اليوم ليست ذاتية ولكنها موضوعية, تتوخى مناقشة المسؤولية العامة لاحدى وسائل الاعلام التي يحرص العاقل على اخضاعها للاصوب والارجح. في السابق كانت مناقشة ما يجري في محطة الجزيرة التلفزيونية من العقلاء تصطدم دائما بمقولة ان الموضوع الذي طرح حساس واننا لم نتعود بعد على هذه الدرجة من المواجهة بالحوار, أما اليوم فقد وصلت المناقشة الى درجة من المهاترة لا أعتقد أنها مطلوبة واذا كنا نطمح الى مستوى معين من الحوار الديمقراطي العربي فإن ما نراه في بعض حوارات الجزيرة, أيا كان الموضوع المطروح لا يبشر بخير, بل ينبىء عن فساد عظيم للحوارات وللديمقراطية المرتجاة في بلادنا العربية ولدى أجيالنا, أما أن كان الأمر هو التعود على النقاش الحر, فذلك له أسلوب آخر غير ما نسمعه ونراه. بعد الأزمة مع الاردن وما طرح من تعبيرات ومفاهيم وكلمات حادة وتعابير خارجة في ذلك البرنامج الذي كان موضوعه اردنيا, ظهرت أصوات عاقلة في قطر نفسها (تعرف حدود الحوار واخلاقياته) تعترض بشدة على ما تم من مناقشة في الشكل وفي الموضوع, ولم تمض الا ليال قليلة واذا البرنامج يعود من جديد للصراخ, هذه المرة بين طرفين فلسطينيين, ومن المضحك أن صاحب البرنامج ومديره كاد أن يخرج من الشاشة وهو يصيح بأعلى صوته لايقاف كرات التناطح اللفظي متدني المستوى, حيث هدد بأنه سوف يقفل البرنامج على الهواء, ان لم يهدأ المتصارعون بالكلمة, من سخونة الحوار المتفجر والشخصي في آن واحد الى درجة انه قام من مقعده اكثر من مرة مثل أي ممثل كوميدي مبتدىء كأنه يوحي لنا بأنه على وشك الانسحاب, هذه الالفاظ والكلمات التي تستخدم هي ما يعترض عليه العاقل ولا ينصب الاعتراض على مبدأ الحوار وحق الاختلاف بل أنها الخشية ان تخدش سماع من يسمع هذه العبارات والتعبيرات التي تطعن في مقتل أدب الحوار ذاته وقد يظن البعض انها القاعدة في الحوار العربي الخلافي, وهي قاعدة تبنى على الصراخ والشتائم. موضوع حوارات الجزيرة السياسية قد طرح خلف أبواب مغلقة بين الاخوة وكلاء الاعلام الذين حضروا الاجتماع التقليدي النوعي الذي يسبق عادة اجتماعات القمة الخليجية في الكويت في الاسبوع الماضي, ولم يكن المطلوب اسكات الصوت او حتى خفضه, وانما كان المطلوب هو المحافظة عليه وتنقيته من شوائب الانفعال وترشيده الى اسس الحوار الذي يمكن اذا ما أحسن استخدامه ألا يفسد للود قضية, فما بالنا وقد أفسدت حوارات الجزيرة العديد من قضايانا العربية؟! الترشيد المطلوب ان يكون الحوار مثمرا وبناء وبلغة غير جارحة, ويؤدي الى غرض غير غرض الصوت العالي والمناكفة, وأتمنى أن تفهم الاشارة بهذا المعنى خشية أن يفهمها المسؤولون عن القناة بأن الجزيرة في برامجها السياسية تثير الآخرين وكأن ذلك يكفي. من الملاحظ ان قطر الرسمية قد نوهت أكثر من مرة على لسان وزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم انه قد اصابه الصداع من الشكوى المتكررة على برامج قناة الجزيرة السياسية, في الوقت التي تقوم به قطر ــ كما حدث أخيرا ــ بالتوسط بين بعض البلاد التي بينها مشكلات سياسية, كما حدث في اثيوبيا واريتريا, ومعظم ما بين هاتين الدولتين اصله كلام, فلماذا اذن يتاح للكلام الجارح ان يخرج من محطة تلفزيونية من الدوحة وهي حريصة رسميا على رأب الصدع لا توسيعه في سياستها الخارجية. ولكن الحوار العاقل والهادف هو المطلوب, وعندما يناقش الموضوع الحواري في الجزيرة باتجاه نقده في الاسلوب والطريقة, تجد أصواتا تقول لك, أن الحوار مطلوب, وشكله الحالي والحاد سببه أن شعبنا العربي لم يتعود ان يسمع الرأي الآخر, لذلك تفاجئه مثل هذه الحوارات, وان تلك الحدة مؤقتة الى أن يتعود الكثيرون فضيلة الحوار في العالم العربي. وهو منطق في اقله مقلوب وغير منسجم, لان التحاور السياسي في الجزيرة غالبا ما يأخذ شكل الدفاع عن أو الهجوم على سياسة رسمية, ويكون المهاجم متسلحا ليس بالمنطق والحجة, وانما في الغالب بايديولوجية تحتضنها بلده رسميا, وهي لكي يؤكد ولاءه غير المشكوك فيه أو خلاف ذلك, يكيل التهم للآخرين وعينه على بعض كتاب التقارير خوفا او طمعا, وبالتالي تسقط الحجة القائلة انها تدريب على (الديمقراطية) يحتاجه الفرد العربي, ليحصل على المناعة الفكرية. الفرد العربي يحتاج الى أن يقول رأيه تجاه القصور لا القبور, بمعنى أن تتاح له مناقشة ما يراه في بلده من خلل, فان توفر له ذلك, جاز بعده ان يمد ناظريه الى مكان آخر, أما ان يكون حرا في (شتم) الآخرين وهو أول من يعلم انه غير قادر على التعبير عن اي خلل يراه تحت قدميه مهما كان بسيطا, فان ذلك لا يحقق له المناعة الحوارية, بل نقصها. فلذلك لن تقود مثل هذه الحوارات الا الى مزيد من (المزايدات) اكتظت بها ملفاتنا السياسية الى أن قاربت التفجر, وزادها الجسم الاعلامي اثارة تنتعش في ظل ظروف المقاولة الاعلامية. كنت قد كتبت في السابق اقول ان الاخوة الكرام ــ بعض ــ مقدمي البرامج الحوارية في الجزيرة قد قدموا من مدرسة البي بي سي, وهي مدرسة تحبذ الحوار والرأي والرأي الآخر, ولكن تحبذه بقواعد محسوبة ودقيقة ولتحقيق هدف, وعندما قدموا للعمل بقطر انتفت هذه القواعد, لسبب أو لآخر, ولم تعد هناك مرجعية لها أهداف محددة غير الاثارة التي حذقت الى حد تعمد الاتيان بالمتحاورين على نقيض بعضهما البعض تقريبا في كل شيء, والى درجة (اعداد الاسئلة والسائلين مسبقا) حتى جعلوا بعض العقلاء من العرب يقول عن الشقيقة قطر بان ما تقوم به هو (ديمقراطية الاوف شور) وهو قول يخرج عن الحقيقة الدقيقة, لان قطر بالفعل تسير في طريق الديمقراطية سيرا حثيثا, كما تريد قيادتها وشعبها, ولكن بطريقتها وحسب متطلباتها, وذلك امر متروك لها لا جدال, ومن الخطأ تحميل قطر بمجملها مغبة التجاوز من قلة. ولكن من الحق ان نرفع صوتنا مع آخرين من قطر نفسها ومن خارجها للمساهمة في ترشيد الظاهرة, حتى لا تنقلب الى عكس ما يراد منها. المشكلة في مقدمي الحوار ــ والمرجعية مفقودة ــ فهم إما أن يبحثوا عن شعبوية سريعة وخفيفة, وقد صرح بعضهم بذلك في اكثر من مناسبة صحفية, على حساب العمل الاعلامي الرصين, او انهم يفتقدون الثروة المعلوماتية, والبوصلة السياسية التي تقود الى التنمية الثقافية والسياسية التي يرجوها الكثيرون, والتي تقودها مرجعية واضحة واهداف محددة, وعندما يقال لبعضهم هذا يأخذون مظهر المعصومين عن الخطأ. البعض ممن علق على الموضوعات الاخيرة والأزمة السياسية, من الصحفيين والكتاب (خاصة في الازمة مع الاردن) اتجه لتفسير هذه الحرارة في الحوار (على اقل تشبيه) انها مقصودة تبحث عما يثير الانتشار, ولذا فهي تقحم (ثلاثة مواضيع محبوبة) للجماهير العربية وهي السياسة, الدين والجنس, وأنا أخالف هذا البعض في التفسير, لأنه يعطي لما يبث بعدا تخطيطيا غير موجود, ان ما يقوم به الاخوة المقدمون أو الكثير منهم, في هذه الموضوعات الحوارية ــ خاصة السياسية ــ هو شكل كلاسيكي من التحيز الاعلامي الواضح غير الخفي, والبعيد عن المهنية, الذي يثير لدى كل من يريد لمثل هذه المحطة التلفزيونية الارتقاء والانتشار الألم الممزوج بالشفقة, لان هذا الشكل من الحوارات قد تجري على الأرصفة وربما المقاهي, لا رابط لها ولا سقف او حدود لمرجعياتها, ولكنها لا يجري بين متحضرين, فالحوار مثل كل شيء آخر في هذه الحياة له قواعد وقوانين وحدود ايضا, وهي في صلبها بعيدة عن الحيادية, فهي عن طريق اقصاء الآخر تقدم وجبة من الفكر الواحد, لا بسالبوس التعددية. أنا أعرف ان بعض المشاهدين ما ان تختلط الاصوات وتتشابك ويكثر الزعيق امامه على الشاشة, ويزبد البعض ويرعد, حتى يضغط على زناد التلفاز متحولاً الى محطات أخرى, فلم يحدث مرة ان نجح المتحاورون في تغيير قناعات الذين يشاهدونهم, او توسيع مستواهم المعرفي بالموضوع الذي يتم التحاور عنه لان طبيعة الحوار الارتجالي هي القفز فوق اي موضوع تاركا ما فيه من فراغات وانصاف حقائق وتواريخ مغلوطة, هذه الارتجالية لايمكن أن نطلق عليها حوارا ولكنها احدى صور الغوغائية التي تعبنا منها كثيرا في عالمنا العربي. هناك خلل ما في الموضوع وسرعة اكتشافه وتفاديه اهم بكثير من الانصراف عنه, لانه بشكله الحالي يحقق بعض الطموحات الشخصية لبعض العاملين في المحطة, حيث تكون التنمية السياسية الفكرية التي ترومها المحطة هي الضحية الأولى لهكذا اخطاء التي هي أكبر بكثير من الابتسامات وعلامات الرضا التي تبدو بعد كل مشاجرة, وكأن جواز الاستمرار هو اشعال المشاجرات.

تعليقات

تعليقات