هل إسرائيل دولة اللصوص؟بقلم-فايز سارة

اخر ما يقال في الممارسات الاسرائيلية ازاء الدول العربية هو موضوع قيام الاسرائيليين بسرقة التربة الزراعية من جنوب لبنان الذي تحتله اسرائيل منذ عشرين عاما مضت , وازاء الوقائع والقرائن اضطر الجيش الاسرائيلي للاعتراف, ان اسرائيليين نقلوا تربة زراعية من جنوب لبنان الى مناطق الجليل داخل فلسطين المحتلة, وذلك في محاولة لاعطاء العمل طابعا غير رسمي, بمعنى انه مسؤولية بعض الاسرائيليين الشخصية ليس الا...! والموضوع لم يحدث للمرة الاولى, بل ان له سوابق في الممارسات الاسرائيلية الرسمية وفي لبنان وجنوبه على وجه الخصوص, واحدى تلك السوابق هي سرقة مياه الجنوب, وهو نهج مارسته اسرائيل منذ احتلال جنوب لبنان في مارس عام ,1978 وطورت فيه بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان في صيف العام ,1982 ومنذ ذلك التاريخ ظهرت عشرات التقارير الصحافية الاجنبية والعربية واللبنانية حول سرقة مياه الجنوب ولا سيما مياه نهر الوزاني, وتحويلها الى قنوات المياه الاسرائيلية, وقد احتوت شكاوى لبنان الى المنظمات الدولية الكثير من الحقائق والمعطيات المتصلة بالسرقة الاسرائيلية لمياه الجنوب. وحيث ان موضوع المياه في اسرائيل يقع حصرا في يد الدولة, بمعنى انه لا علاقة للافراد الاسرائيليين بموضوع المياه لا من قريب او بعيد, فان موضوع سرقة مياه الجنوب هو سياسة رسمية اسرائيلية, وقد تناقلت الانباء مؤخرا, اجراءات تقوم بها سلطات الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان لسرقة المزيد من مياه الجنوب عبر ثلاثة انفاق تم اعدادها تحت الارض لنقل مياه الجنوب الى شمال اسرائيل. وطبقا لوقائع الصراع العربي ــ الاسرائيلي, فلم تكن تربة لبنان ومياهه وحدها في موضوع السرقات الاسرائيلية انما امتد الامر الى الاثار, فقد سرقت قوات الاحتلال بعضا من آثار مدينة صيدا عاصمة الجنوب اللبناني, واحدى اقدم المدن في شرق المتوسط, وتم نقلها الى اسرائيل خلال فترة احتلال المدينة عام ,1982 وهكذا اجتمعت في سرقات اسرائيل من لبنان صفة المساس بالماضي اللبناني من خلال الاثار, وبالحاضر والمستقبل من خلال التربة والمياه. ويمثل ما سبق جوهر سياسة اسرائيل العربية من خلال سرقات مارستها الدولة الاسرائيلية منذ قيامها ضد الدول العربية المحيطة, ففي مرتفعات الجولان السورية المحتلة لم تستول سلطات الاحتلال على الاراضي, وتنزعها من ايدي الفلاحين السوريين فقط, بل وضعت يدها على مياه الجولان وسخرتها لخدمة التجمعات الاستيطانية في المنطقة وفي منطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة, وقد زاد على ما تقدم ان تمت سرقة الكنوز الاثرية والتاريخية في المنطقة من خلال عمليات بحث وتنقيب اسرائيلية اعقبت احتلال الجولان عام ,1967 وكان في مقدمتها ما قام به وزير الحرب الاسرائيلي المعروف موشيه دايان الذي استولى بصفته الشخصية والرسمية على كثير من المكتشفات الاثرية من الجولان, وبعضها ظل في عداد ممتلكاته الشخصية على نحو ما تم الاعلان عنه بعد موته. ولم تكن مصر بعيدة عن السرقات الاسرائيلية وبخاصة في شبه جزيرة سيناء ابان احتلالها الثاني بين عامي 1967 ــ 1982, والابرز فيما قام الاسرائيليون بسرقته هناك وهو نفط سيناء الذي استخرجوه وحولوه الى خدمة اقتصادهم وآلة حربهم في مواجهة الدول العربية بما فيها مصر صاحبة الارض والبترول الكامن فيها. ويقترب مثال الممارسة الاسرائيلية بسرقة نفط سيناء من المثال الاسرائيلي في سرقة مياه المملكة الاردنية الهاشمية, حيث كانت اسرائيل تستولي على ما يفترض انه حصة الاردن من مياه نهر الاردن وواديه, وتحويلها الى انابيب المياه القطرية, وهي الشبكة التي تغذي اسرائيل بالمياه, وبعد توقيع اتفاقية السلام الاسرائيلية ــ الاردنية في وادي عربة عام 1994, غلفت اسرائيل سرقتها حصة الاردن من المياه باتفاق اسرائيلي ــ أردني, يتم من خلاله تزويد الاردن بمياه تعوضه عن حصته المسروقة, وقد فوجىء الاردنيون في الصيف الماضي, بأن ما تقدمه اسرائيل من مياه شرب للعاصمة الاردنية ليس الا مياه مجار لم يكلف الاسرائيليون انفسهم عناء تنقيتها! وتبلغ ممارسة السرقات الاسرائيلية حدها في الواقع الفلسطيني الذي يؤكد تاريخه سرقة اليهود ارض فلسطين وتشريد شعبها بعد الاستيلاء على مقدراته وممتلكاته, وكان في عدادها على نحو ما لاحظ مؤرخ روسي معروف (وما عدا الممتلكات الزراعية, سلبت من العرب (الفلسطينيين) مدنا بأكملها بضمنها حيفا وعكا واللد والرملة وبيسان والمجدل, وكذلك 288 بلدة وقرية, و98 مدينة و10 آلاف متجر ومؤسسة) . ولم يقف الامر عند حدود تلك السرقات التي رافقت قيام اسرائيل, بل ان اسرائيل بعد استيلائها على الضفة الغربية وقطاع غزة في يونيو عام 1967, وضعت يدها على البقية الباقية من ارض فلسطين ومواردها, وأخذت تعرضها لعملية سلب منظمة, تأخذ شكل (السرقة القانونية) عبر اجراءات الاحتلال وأحيانا شكل السرقة بالقوة والغفلة, كما هو الشكل الدارج للسرقات, وهكذا تم الاستيلاء على ما مساحته اكثر من اربعين بالمائة من اراضي الضفة, وتحويلها الى خدمة الاستيطان اليهودي, ومثل ذلك, وربما اقسى كانت الممارسة الاسرائيلية بصدد المياه الفلسطينية في الضفة, اذ انه وبعد وضع اليد على مصادر المياه بما فيها الآبار المحفورة في الاراضي الزراعية الفلسطينية, فقد تم تحديد حدود دنيا للاستهلاك الفلسطيني الزراعي والبشري, وجرى تحويل الباقي لخدمة الاستيطان, حيث معدلات الاستهلاك العليا من مياه ليست مياههم. ويبدو ان كل السرقات وعمليات النهب التي مارستها الدولة الاسرائيلية ومستوطنوها ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم لم تشبع النهم الاسرائيلي, الامر الذي تؤكده مضامين الاتفاقات التي تم توقيعها بين الفلسطينيين واسرائيل منذ اتفاق اوسلو عام 1992 وانتهاء باتفاق (واي بلانتيشن) الاخير بين اسرائيل وسلطة الحكم الذاتي, والتي تبرز فيها جميعا النزعة الاستيلائية الاسرائيلية على الارض الفلسطينية وبخاصة على مدينة القدس العربية. في ممارسة السرقات الاسرائيلية ازاء العرب, لا يقتصر الامر على سرقة الممتلكات من أرض ومياه وتربة وآثار, فكل ذلك ممكن بالنسبة الى وافدين يهود استراتيجيتهم من طبيعة احلالية ــ استيطانية هدفها ابعاد اهالي البلاد وتشريدهم, والاستيطان في ارضهم وعلى ممتلكاتهم, لكن الاسرائيليين في ذلك يضيفون اكثر مما درج لصوص التاريخ عليه من سرقات, اذ هم يسرقون التاريخ والتراث والثقافة, ولعل احتفال اسرائيل الرسمي بالذكرى الـ (800) لمعركة حطين قبل اعوام قليلة مثال صارخ على سرقة التاريخ الذي لم يكن بين صناع لحظته تلك لايهود ولا اسرائيليين لا في صفوف المحاربين من الطرفين, ولا حتى بين شهود تلك المعركة, ولا يمثل ذلك الاحتفال سوى محاولة تسلل اسرائيلي الى تاريخ فلسطين القديم. وتنطبق محاولة سرقة تاريخ فلسطين على المحاولات المستمرة لسرقة التراث الفلسطيني, وفي كل المهرجانات التي تشارك فيها وفود اسرائيلية, يقدم الاسرائيليون التراث الفلسطيني باعتباره تراثا اسرائيليا, والامر لا يقتصر في هذا على اللباس التقليدي من المشغولات والمطرزات اليدوية, بل يمتد الى الموروث من طعام وشراب وعادات وتقاليد, لم يرها الاسرائيلي الا والفلسطينيون يمارسونها, وربما لم تعرفها حتى القلة من يهود فلسطين الذين كانوا يقيمون هناك قبل قيام اسرائيل. ربما ليس علينا ان ننتظر كثيرا لنرى اسرائيل وهي تحاول سرقة الموروث الثقافي للفلسطينيين, فيصير ابراهيم طوقان (شاعرا اسرائيليا) او سميرة عزام (قاصة يهودية) على نحو ما يقال ان محمد بكري (ممثل اسرائيلي) ! ما يحصل للفلسطينيين وللعرب في جوارهم, قد لايكون بعيدا عما يمكن ان يحصل لبقية العرب, وليست سرقة التراب اللبناني الاخيرة سوى انذار جديد لنا بأننا امام نموذج الدولة السارقة, بل امام دولة كرست نفسها باعتبارها دولة اللصوص.

تعليقات

تعليقات