أبجديات:بقلم-عائشة إبراهيم سلطان

أذكر أنني منذ مدة قصيرة تحدثت عن قائمة الكتب الأكثر مبيعا في أوروبا وأمريكا فيما يعرف عندهم بـ (البست سيلر)وناقشت قضية الأولويات والاهتمامات , حيث ان ما يعتبر سائدا ومسلماً به عندهم لا يجب, ان يكون كذلك بالضرورة لدينا, فهم نتاج حضارة ونحن نتاج حضارة أخرى مخالفة, وإن التقينا في بعض الأمور فذلك أمر انساني لاخطأ فيه. كثيرون منا يؤمنون بذلك, لكن الواقع يقول شيئًا آخر, فمجلاتنا وصحفنا, وقنواتنا الفضائية تنقل لنا عروض ازياء نيويورك وميلانو وفرنسا وانجلترا وغيرها, على انها ازياء العام المعتمدة, وانها الذائقة الجمالية التي على حواء ان تسارع إليها سواء ناسبتها أو لم تناسبها, فذلك لايهم طالما طار عليها توقيع فيرساتشي وديور ولوران وجورجيو أرماني. ولقد أعجبني سؤال تقدمت به واحدة من حضور احدى جلسات مؤتمر (المرأة والثقافة) الذي نظمته اندية الفتيات بالشارقة الاسبوع الماضي, لقد كان سؤالها: لماذا لم نعد نحن العرب قادرين على انتاج الحكاية الشعبية؟ والحكاية الشعبية جزء من التراث العام, والتراث أحد تراكيب الثقافة العامة, والثقافة هي ذاكرة الانسان والأمة, وبدونها يختل توازن الانسان فلا انسان بلا ذاكرة, وبالتأكيد فإن الكتاب والزي, والحكاية الشعبية واللغة, وبداية الدين بكافة طقوسه, هي خطوط دفاعاتنا الأولى والأخيرة وهي ذاكرتنا التي علينا ان نتشبث بها على الدوام. ولذلك فإن السائلة كانت تعلم يقينا اننا لم نعد ننتج أشكالاً عديدة من الثقافة وليس الحكاية الشعبية فقط, وإذا انتجناها فنحن حيال سؤال أكثر ايلاماً: هل نستطيع الحفاظ على نتاجنا الثقافي؟ نلاحظ ان مثقفينا وعامتنا جميعا منساقون وراء ترديد فرضيات أخذناها من الغرب, وتبنينا طروحاتها, حتى أصبحت خطابنا اليومي الذي نواجه به تحدياتنا الثقافية الطارئة, وأصبحت أغلب كتبنا, وندواتنا, وصحافتنا واعلامنا وحتى مسلسلاتنا التلفزيونية وافلامنا السينمائية مجرد ادوات لتكريس هذه الفرضيات, دون محاولة تذكر للتفكير في مدى صحة هذه الفرضيات, أو للقيام بعملية مواءمة بينها وبين منطلقاتنا الفكرية العربية والاسلامية. آمنا بمقولات سلام الشجعان, والسلام مقابل الارض ثم مقابل الامن, وبأن حماس صنيعة الموساد, والجهاد مجرد ارهاب, وتبنينا سابقا فرضية الفصل بين الدين والسياسة, والعلاقة بين الاسلام والاسلاميين والسلطة, ورددنا شعارات الاصولية والتطرف وفق المنظور الامريكي الغربي لكل ما هو اسلامي, واقتنعنا حد العقيدة بخطاب العلمانية والديمقراطية والليبرالية .... إلخ. نسينا تماما أن كل هذه الفرضيات سندها الوحيد وحجتها ليست خلفيتها المحلية عندنا فلا خلفية لها هنا, أو حاجتنا الماسة إليها, سندها الوحيد هو نجاحها في أوروبا وتطبيقها هناك وتواؤمها مع الفرد والمجتمع العربي الذي تصارع مع الكنيسة ورجالها دهوراً حتى استطاع اقصاءها عن مجمل تفاصيل الحياة, محولا إياها إلى مجرد طقس بطريركي اسبوعي يقتاته كبار السن لا أكثر. ان استعارة هذا الواقع دليل آخر على اننا لم نعد قادرين على انتاج خطاب ثقافي خاص بنا على مستوى اشكاليات وقضايا التحدي, وليس على مستوى الحكاية الشعبية! هذه الاستعارة شكل آخر للاستسلام لثقافة وسيطرة (الآخر) الذي لم تجد ازياؤه وأفلامه ونجومه وترسانته العسكرية طريقها السهلة الينا عبثا أو بطريق الصدفة!

تعليقات

تعليقات