الوضع الفلسطيني الراهن والحاجة إلى موقف عربي: بقلم- ماجد كيالي

تثير المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية كثيرا من الشجون والهموم, بسبب الوضع الذي آلت اليه القضية الفلسطينية, وبسبب الظروف الصعبة التي باتت تحيط بالفلسطينيين , وايضا بسبب تردي الوضع العربي الذي بات ينوء تحت حمل كثير من المصائب والتحديات, التي ليس اولها مصير القضية القومية الفلسطينية, وليس آخرها الحصارات المفروضة على اكثر من قطر عربي. في سياستها التفاوضية وافقت القيادة الفلسطينية على اتفاقات التسوية, بحجة مراعاة حساسية وضع نتانياهو, وبحجة سحب البساط من تحته ووضعه امام مطالب معقولة, وايضا في اطار الوهم بنشوء تناقض بين الادارة الامريكية من جهة, والحكومة الاسرائيلية, من الجهة الثانية, بالمحصلة فقد ادى ذلك القبول المسبق إلى التنازل مرة اخرى, فتخفيض القيادة الفلسطينية لمطالبها, عززت وضع نتانياهو ومنحته مزيدا من الثقة بالقدرة على عصر مزيد من التنازلات من الفلسطينيين, بل وجعلته اكثر جرأة في تبديد اي اتفاق والتنصل منه, قبل ان يجف حبره, وبالطبع فان نتانياهو لم يكن بحاجة إلى العمليات التي نفذت في غزة وفي القدس للتهرب من التزاماته, فهو عقد العزم قبل ذلك على التهرب منها, جهارا نهارا, قبل توقيعه على الاتفاق وبعد التوقيع. ان الموافقة الفلسطينية على تقديم تنازلات جديدة, وغير مشروطة بأفق معين, هي مغامرة جديدة ترتكبها القيادة الفلسطينية, تزيد من انكشافها امام السياسة الاسرائيلية, فمن الواضح ان احدا لا يمكنه ان يضمن تنفيذ الطرف الاسرائيلي لها, والاهم من كل ذلك ان نتانياهو سيسعى إلى مقايضة اي اتفاق جزئي مع الفلسطينيين, بقبول الفلسطينيين تجميد المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار, والانتقال مباشرة للتفاوض على قضايا التسوية النهائية ضمن صفقة واحدة, وهذا ما يكرس لها نتانياهو جهوده وهو ما يمثل جوهر سياسته التفاوضية. ولعل نتانياهو ذاته يراهن في تصلبه على هشاشة الموقف الفلسطيني, وعلى عدم قدرة القيادة الفلسطينية على الصمود, ويعتقد نتانياهو بأنه معني بفرض تسوية نهائية مع الفلسطينيين يوافق فيها الفلسطينيون على قيام كيانهم بحجم اقل من الاراضي, مع تقييدات سيادية في شؤون امنية واقتصادية, تعمق من تبعيتهم لاسرائيل, وبصيغ تمكن اسرائيل من مقايضة الوضع القانوني للدولة الفلسطينية الناشئة بتجاوز قضايا الصراع الحادة التي تتعلق بحقوق الفلسطينيين في العودة وفي القدس وبالنسبة لمساحة الكيان الفلسطيني. رغم التقدير للوضع الحرج والصعب الذي يرزح تحته الفلسطينيون, ورغم معرفة حجم الضغوط التي تمارس على القيادة الفلسطينية, فان هذا لا يبرز مسلسل التنازلات المستمرة, خاصة ان هذه التنازلات تأتي مع اقتراب نهاية المرحلة الانتقالية, وبعد ان حقق الفلسطينيون نجاحا في عزل نتانياهو وحكومته اقليميا ودوليا, لقد كان امام الفلسطينيون فرصة مناسبة لاظهار صمودهم وتمسكهم بحقوقهم, وحتى في مسألة هي اقل من الحد الادنى تتمثل بالتمسك بالمبادرة الامريكية لوضع امريكا امام مسؤولياتها, ولكن الفلسطينيون جربوا مرة اخرى خيار المراهنة على امريكا وخيار التنازل لاحراج اسرائيل, وفق وصفة ليس بالامكان افضل مما كان! المهم ان المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية ستدخل في مرحلة حاسمة, وفي ظل المعطيات الراهنة يبدو نتانياهو ممسكا بأوراق اللعبة التفاوضية, في حين يبدو الطرف الفلسطيني في اضعف احواله, مما يمكن ان يفتح الوضع على مخاطر كبيرة, ولما كان من غير الممكن أو من غير الواقعي مطالبة هذه القيادة, في ظل اوضاعها الراهنة, وفي اطار الاوضاع العربية والدولية غير المواتية, الانسحاب من هذه العملية التفاوضية, فانه من اضعف الايمان مطالبة هذه القيادة بمراجعة اوراقها واعادة دراسة العملية التفاوضية, والتمسك على الاقل بمعايير محددة, من مثل التمسك بمرحلة ثالثة من الانسحاب الاسرائيلي في اطار مساحة معقولة, والتمسك بموعد الرابع من مايو من العام المقبل موعدا لنهاية المرحلة الانتقالية, وعدم الايحاء بامكانية تمديد المرحلة الانتقالية, مما يعني ان المفاوضات حول القضايا التي يمكن ان تبقى عالقة بسبب المواقف الاسرائيلية, سيجري التفاوض بشأنها مع الدولة الفلسطينية الناشئة. واخير فانه من المهم جدا ان تتخذ القيادة الفلسطينية قرارات حاسمة وجادة ونوعية بشأن اعادة ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني على اساس احترام التعددية والديمقراطية والمؤسسات, وعلى اساس الوعي بضرورة تعبئة الطاقات لمواجهة التحديات الاسرائىلية, ومقاومة الاماءات الاسرائيلية, وتعزيز الحالة النضالية لدحر الاحتلال وتحقيق الاهداف الفلسطينية. وبنفس الاتجاه فان الاوضاع الراهنة للحالة الفلسطينية تتطلب من القيادة الفلسطينية اتخاذ توجهات واسعة ومعمقة باتجاه التنسيق في خطواتها وقراراتها التفاوضية على الصعيد العربي, بغض النظر من حساسيتها مع هذه الدولة العربية أو تلك, فهذا التنسيق هو الذي يمكن ان يدعم مواقفها ازاء اسرائيل, وهو الذي يمكن ان يدفع الولايات المتحدة للاخذ بعين الاعتبار المطالب الفلسطينية, اما الاستفراد بالقرارات بحجة القرار الفلسطيني (المستقل) , فقد بات عبئا وقيدا على الطرف الفلسطيني وعامل ضعف وعزل له امام الاملاءات الاسرائيلية والامريكية. والمطلوب عربيا ليس فقط الموافقة على مطالب الفلسطينيين, وإنما المطلوب موقف عربي يحمي هذه المطالب ويمكن القيادة الفلسطينية من الصمود في وجه محاولات الاستفراد الاسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة الامريكية, ويمكن القول بأن وصول الوضع التفاوضي إلى هذه المرحلة من الخطورة بات يتطلب اجماعا عربيا وليس إلى مجرد ترك القيادة الفلسطينية في اوضاعها الصعبة والحرجة للتصرف في قرار يمس مستقبل الوضع العربي من النواحي الاستراتيجية: السياسية والامنية والوجودية.

تعليقات

تعليقات