المسيح في مصر: بقلم- عادل حمودة

ولد السيد المسيح في (بيت لحم) بالقرب من (القدس) في ارض تنبت القمح والزيتون والانبياء ... نفخ فيه الله من روحه فخرج الى الدنيا مصدقا بكلمة من السماء ... وتكلم وهو في المهد شارحا رسالة المحبة والسلام التي جاء يبشر بها في زمن مثل زماننا... طغى فيه (اليهود) وباعوا في مزاد علني آيات الله ليشتروا القنابل والضمائر والبورصات والحكومات واجهزة المؤامرات والصحف وبطاريات التلفزيون. يوم مولده خرت الاصنام وحارت الشياطين وظهر في السماء نجم عظيم... وجاء رسل ملك الماجوس او الفرس يحملون الذهب واللبان ليضعوها في حجر امه... السيدة العذراء التي كانت لاتزال في حالة ذهول واعياء فبدت عيناها مثل قنديلي زيت... وبدا جسدها كالشمعة المصلوبة ... المسلولة في ظلام لا يخمد وبدا شعرها شلالات من الحزن... اما دموعها فكانت تفيض انهارا... وقد كاد قلبها ان يتوقف عندما ابلغها رسل ملك الماجوس ان (هيرودس) ملك الشام سيقتل ابنها الذي سيزلزل بميلاده عرشه وحكمه. وشعرت السيدة العذراء ان لا سند لها في اورشليم قاتلة الانبياء مدينة الروعة والشقاء... وقبل ان يتوقف قلبها رعبا جاءها الملك بالوحي من مصر دعوت ابني (هو11:1) وفي سفره الانجيلي يكشف (اشعياء) النبي كيف سقط اسم (مصر) بردا وسلاما على العائلة فبدأت رحلتها الشهيرة الى وطننا طلبا للحنان والامان هو ذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم الى مصر (أ ش 19:1) وعند دخول السيد المسيح ارض مصر قال الرب: مبارك شعبي مصر (أش 19: 25) وفي القرآن: وجعلنا ابن مريم وامه آية وأويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين ــ (المؤمنون: 50) وفي تفسير البعض ان هذه الربوة بهذه الصفات غريبة الشكل (قرار ومعين) موجودة في مصر... في منطقة تسمى (الرملة) . لقد خرجت العائلة من فلسطين الى مصر بأمر السماء كانت السيدة العذراء راكبة على حمار وتحمل على ذراعيها السيد المسيح طفلا رضيعا في اللفة... بينما سار الشيخ يوسف النجار ممسكا بمقود الحمار حسب المتبع عادة في المشرق... انها اللوحة الشهيرة التي صاغها فنانو العالم بثروة من الالوان الناعمة الموحية بالجلال وكأنها بستان من الشفافية تقطف منه العين ولا تشبع. ان عمر هذه الرحلة من عمر السيد المسيح الذي تستعد الدنيا كلها للاحتفال بمرور 2000 عام على ميلاده ولا يمكن ان يمر الاحتفال دون احياء لهذه الرحلة التي لولاها لقتل السيد المسيح وقتلت معه المسيحية قبل ان يبدأ التبشير بها انها فرصة مقدسة لان يسجد اشد الناس تعصبا للتسامح في مصر وان يؤمنوا بأن غبار التعصب الذي ينثرونه على وجهها لا تحتاج ازالته الا لكبشة ماء من النيل الصامت الصابر على مايجري. ان هذه الرسالة السامية يجب ان تخرج من مصر في وقت اصبح فيه رمينا بخطيئة الاضطهاد ورذيلة التعصب عادة اجنبية وحربا غير مقدسة تشن علينا بصورة او بأخرى في موسم الخريف قبل موسم السياحة... في خريف 1997 استغل البعض اهمال وتراخي الشرطة وحدثت مجزرة البر الغربي وفي خريف 1998 استغل البعض الآخر تجاوزات الشرطة في جريمة قتل بقرية الكشح في سوهاج وحدثت عملية تشهير واغتيال معنوي قامت بها الميديا الغربية انهم يستغلون الثغرات المفتوحة لينفذوا منها ونحن للاسف الذين نمنحهم ذلك فمعظم النار من مستصغر الشرر. هي رسالة سامية وليست سياحية فقط يجب ان تخرج من هذا الوطن الذي شهد اول فجر للضمير لنقول للعالم كله ان مصر التي حمت العائلة المقدسة في ضعفها هي حادثة تاريخية وجغرافية وحضارية ودينية لا يمكن اللعب بها ويدخلها الناس على اختلافاتهم المذهبية دون ان يطلبوا مفاتيحها من احد وعندما يهبطون مطاراتها فان مصر تمد يدها السمراء لتصافحهم وتبلل ايديهم باللون الاخضر. كانت رحلة العائلة المقدسة عبر برية قاسية... موحشة... وحوش ضارية... شمس حارقة... ماء يمكن ان ينفد... طعام يمكن ان يفسد... وظلام يلحقه حزن... وحزن يتبعه احساس بالغربة... وقبائل تحترف السلب والقتل... انه الهلاك بنفسه لكنه الايمان بان الله خير حافظ هو الذي حقن السكينة في قلوب هذه العائلة المسكينة. وحسب المصادر التاريخية الموثقة للكنيسة القبطية فأنه كانت هناك ثلاث طرق يمكن ان يسلكها المسافرون من فلسطين الى مصر في ذلك الزمان لكن العائلة المقدسة لم تسلك ايا منها حتى لا يصل اليها هيرودس وجنوده وسلكت طريقا اخر خاصا بها كانت اول من يمشي فيه ان الرسالات العظيمة هي التي تخترق المجهول دون سواتر امن او بوليصة تأمين هي التي تخيف انصار الظلام حين تضيىء شمعة في ليل جاهليتهم لان نور الحقيقة والهداية وضاح فضاح سارت العائلة المقدسة من بيت لحم الى غزة حتى محمية الزرانيق (الفلوسيات) غرب العريش بنحو 37 كيلومترا ومشت على شاطىء البحر وراء النخيل حتى وصلت الى الفرما التي تقع بين العريش وبورسعيد وهي منطقة صيادين متواضعة يعيش اهلها على رزق البحر ولم يكن لبيوتهم ابواب حتى يدخلها الغرباء في اي وقت... ومنها اتجهت العائلة المقدسة الى الشرقية التي تبعد عن القاهرة بحوالي 100 كيلومتر من الشمال الشرقي وفي الشرقية استراحت العائلة المقدسة في مدينة تل بسطا بسطة التي شهدت احدى معجزات السيد المسيح تفجير عين ماء لكن بمجرد دخوله المدينة تساقطت الاوثان على الارض فغضب الناس واسيئت معاملة العائلة المقدسة التي تركت المدينة متجهة جنوبا الى مسطرد التي تبعد عن القاهرة بنحو 10 كيلومترات وكان اسم مسطرد القديم هو المحمة ومعناه مكان الاستحمام ففيه احمت السيدة العذراء السيد المسيح وغسلت ملابسه. ومن مسطر في الجنوب الى بلبيس في الشمال وهناك استظلت العائلة المقدسة عند شجرة عرفت باسم شجرة العذراء مريم كانت النساء يتباركن بها طلبا للانجاب وهربا من عذاب الطلاق الذي يرقد كالسيف على رقبة المرأة المصرية العاقر. ومن بلبيس الى منية سمنود ومنها عبرت العائلة المقدسة نهر النيل الى سمنود في قلب الدلتا ويوجد بها ماجور كبير من الجرانيت يقال ان السيدة العذراء عجنت فيه وتوجد ايضا بئر ماء باركها المسيح بنفسه ومن سمنود بدأت الرحلة تتجه شمالا الى البرلس وكفر الشيخ حتى كانت محطة الاقامة في مدينة سخا وفيها ظهر قدم المسيح على حجر اختفى زمنا طويلا واكتشف ثانية في عام 1985. ومن سخا كان عبور النيل .. فرع رشيد الى غرب الدلتا .. ثم كان السير جنوبا الى وادي النطرون .. ومنه جنوبا الى القاهرة الى المطرية وعين شمس التي كان يسكنها عدد كبير من اليهود .. وكان لهم معبد يسمى (أونياس) وفي المطرية توجد شجرة أخرى استظلت تحتها العائلة المقدسة تعرف الى اليوم بشجرة (مريم) وفي المطرية ايضا تقول الأساطير المسيحية ان المسيح فجر عين ماء شرب منه وغسلت أمه ملابسه فيه .. وعندما صبت الماء على الأرض نبت نبات عطري هو المعروف بالبلسم أو البلسان يضيفونه على العطور المقدسة في الكنائس. ومن المطرية وعين شمس الى الزيتون وكلوت بك ووسط القاهرة التي تمتلئ بسبعة أديرة وكنائس قديمة لا تزال تستقبل الرهبان والمصلين, وهناك 17 ديرا وكنيسة تعود الى عصور المسيحية الأولى ايضا في مصر القديمة وحصن بابليون وهي من أهم المحطات المباركة في رحلة العائلة المقدسة رغم انها لم تستطع البقاء فيها الا اياما قلائل بسبب تحطم الأوثان مما أثار غضب والي الفسطاط فأراد قتل الصبي يسوع .. وفي كنيسة القديس سرجيوس (أبو سرجه) الكهف أو المغارة التي لجأت اليها العائلة المقدسة كفندق دبرته يد السماء. وفي مركب شراعي أبحر على صفحة النيل اتجهت العائلة المقدسة الى الصعيد .. كانت نقطة الانطلاق من البقعة المقام عليها كنيسة العذراء المعروفة بالعدوية .. فمنها (عدت) العائلة المقدسة أو عبرت النيل في رحلتها الى الصعيد ومنها جاء اسم المعادي .. وما زال السلم الحجري الذي نزلت عليه العذراء ومعها المسيح الى ضفة النيل موجودا ومزارا من باب الكنيسة. وحسب مصادر الكنيسة المصرية فانه في يوم الجمعة 12 مارس 1976 وجد الكتاب المقدس مفتوحا على سفر أشعياء النبي الأصحاح 19 (مبارك شعبي مصر) طافيا على سطح الماء في المنطقة المواجهة للكنيسة من مياه النيل .. وفي هذا السفر أيضا: (أفرحي وتهللي يا مصر ويا أهل مصر وكل تخومها ضواحيها فإنه قد أتى إليك محب البشر الكائن قبل الدهور .. اليوم الرابع والعشرون من شهر بشنس (يونيو), (وفي هذا اليوم تحتفل الكنيسة القبطية بدخول المسيح الى أرض مصر .. وقد دخلها وعمره حوالي ستة شهور فقط .. واستمر فيها أكثر من ثلاث سنوات .. هي عمر الرحلة المقدسة ذهابا وإيابا .. قطع فيه هو وعائلته أكثر من ألفي كيلو متر .. ركبوا فيها أقدامهم وحمار .. وأحيانا سفينة شراعية صغيرة في النيل الى الصعيد. اول محطة للعائلة المقدسة في الصعيد كانت مركز مغاغة... وبالتحديد على بعد 10 كيلو مترات منها في قرية تسمى الآن دير الجرنوس وينطقها الناس هناك ديرارجانوس... وبجوار كنيسة القرية التي تحمل اسم السيدة العذراء ايضا توجد بئر ماء يقال ان العائلة المقدسة شربت منها. ومن دير الجرنوس غرب مغاغة الى قرية البهنسا غرب بني مزار, ومنها الى سمالوط حيث كان عبور النيل الى الشرق, ومن شرق هذه البقعة يقع جبل (المطير) الذي يجذب اسراب طائر البوقيرس اليه... ويقع دير السيدة العذراء... وفيه كنيسة اثرية ومغارة استقرت فيها العائلة المقدسة. ويسمى جبل الطير ايضا بجبل الكف... وتقول الاساطير القبطية ان صخرة كبيرة من الجبل كادت ان تسقط فوق العائلة المقدسة... فمد يسوع يده ومنع الصخرة... وانطبعت كفه عليها. وفي التراث القبطي كذلك ان شجرة ليخ (غار) بالقرب من جبل الطير سجدت للسيد المسيح عندما مر عليها... والشجرة لا تزال على قيد الحياة بالقرب من كوبري المنيا الجديد وجميع فروعها نازلة على الارض ثم صاعدة ثانية بالاوراق الخضراء ويطلق عليها شجرة (العابد) واتجهت العائلة المقدسة الى اسيوط حيث استقرت في جبل قسقام حوالي ستة اشهر وعشرة ايام في مغارة اصبحت فيما بعد هيكلا لكنيسة السيدة العذراء الاثرية في الجهة الغربية من دير المحرق الذي يسمى بيت لحم الثاني ويقع على سفح الجبل الغربي او جبل قسقام ويبعد 12 كيلو مترا غرب القوصية التابعة لمحافظة اسيوط... على بعد 327 كيلو مترا جنوب القاهرة. وفي هذا الدير (ظهر ملاك الرب) للشيخ يوسف النجار في الحلم قائلا: قم وخذ الصبي وامه واذهب الى ارض اسرائيل لانه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي مت 20 و21 ــ هنا كانت محطة ـ النهاية في الرحلة المقدسة في مصر ومنها كانت رحلة العودة الى فلسطين, الى قرية الناصرة بالجليل, لتبدأ معجزات المسيح تمهيدا لرسالته الخالدة طوبى لصانع السلام لكنها كانت رسالة الى نوع من البشر لا يعرف سوى الاشواك والاسلاك الشائكة التي مازالوا يحكمون بها في فلسطين. ان مصر هي التي ارضعت السيد المسيح وروت عطشه من مياه النيل ونزعت خوفه واحتضنت امه وزرعت في كل بقعة مرا عليها شجرة او كنيسة او نبع ماء... انها الارض التي انجبت امون وعلمت البشرية عبادة الله ورحبت بكل الانبياء الذين لجأوا اليها. ويمكن ان نستثمر الرحلة المقدسة استثمارا سياحيا.. في جعبة وزارة السياحة ووزيرها الدكتور ممدوح البلتاجي الكثير من الافكار المبتكرة.. الجذابة.. التي تستحق الاعجاب والتقدير.. لكن الاهم من ان نستقبل السياح فجر اول ايام عام 2000 في حضرة الاهرام.. او في سيناء.. او في الدير المحرق الرسالة السامية التي ترسلها مصر للعالم لتذكره بأن عيونها فندق للتسامح يلجأ اليه المفزعون والمضطهدون.. وان نيلها هو عصفور الحرية يتفرغ الناس على ضفافة للخصب والحب.. للنماء لا للفناء.. وان الاجازة فيها اجازة عشق في عالم الغى كل اجازات الغرام.. وحكم على اهل العشق بالاشغال الشاقة المؤبدة. وهي رسالة يحتاجها ايضا البعض في الداخل ممن باعوا كل شيء حتى الفتنة والتعصب.. رسالة تقول لهم ان مصر هي وطن الحربة ولا يمكن تصورها على شكل مسدس او مشنقة.. هي الكلمة الجميلة الطيبة وليست معسكر اعتقال.

تعليقات

تعليقات