أمريكا اللاتينية تغرق ... تغرق ... تغرق!بقلم- الدكتور طلعت شاهين

بعض الشعوب(متعوسة)لفترات طويلة من تاريخها, يتآمر ضدها الجغرافيا والتاريخ, و لا مناص لها من قبول وضعها كشعوب تنتقل من تعاسة الى اخرى دون توقف, او حتى لالتقاط الانفاس , ومعظم شعوب امريكا اللاتينية, وبشكل خاص شعوب المنطقة المسماة بوسط أمريكا اللاتينية المكونة من نيكاراجوا وهندوراس وجواتيمالا وبنما والسلفادور, بدأت تعيش التعاسة منذ ان وطأت قدما (كريستوفر كولومبس) أراضيها لأول مرة قبل خمسة قرون. منذ ذلك الوقت وتلك المنطقة تنتقل من تعاسة إلى أخرى, من تعاسة العنف البشري الذي يتمثل في تقاتل أفراد تلك الشعوب, الى تعاسة العنف الجغرافي الذي يضعها على خارطة مصالح بعض القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة, فتصبح فقط بسبب الموقع الجغرافي على علاقة التابع بالسيد, تأكل من عرق جبينها لتحرس ناتجها القومي مقابل ان تحصل على قروض تثقل كاهلها, وليس لها حق الشكوى ولا التذمر, اي تحرس بيوتها لصالح سارقها, ثم الى تعاسة العنف الطبيعي في شكل زلازل وفيضانات وأعاصير موسمية وغير موسمية. خلال العقود الثلاثة الأخيرة عاشت تلك المنطقة في ظل صراع بين القطبين الكبيرين أو (القوتين العظميين) دون ان يكون لشعوب تلك البلاد لا ناقة ولا جمل في هذا الصراع, الذي لم يهدف سوى الى الحفاظ على مصالح كل قوة, وخلال ذلك الصراع نشأت جماعات مسلحة, وجماعات مسلحة مضادة, تتقاتل هذه مع تلك من اجل شعارات لم تصل الى مرحلة التطبيق دائما, ولكن كل نتيجة تلك الصراعات تدمير الدخل الوطني لصالح تجار السلاح والشركات المتعددة الجنسية, التي كانت تمون الطرفين بالسلاح المطلوب للمحافظة على مصالح لا علاقة لها بمصالح الوطن والمواطنين, بل كان السلاح يصل الطرفين في كثير من الأحيان عبر تاجر سلاح واحد, يبع لهذا الجانب سلاحا, ثم يقنع الجانب الآخر انه يبيعه سلاحا اقوى, بينما الوطن ينزف مالا ودما. خلال ذلك الصراع كان النظام الحاكم ايا كان لونه او شكله يستدين ليسدد فاتورة مصروفاته, حتى تراكمت الديون وتحولت الى جبال تكتم انفاس تلك الشعوب, ودخولها السنوية لم تعد تكفي مجرد الوفاء بفوائد تلك الديون وخدماتها. بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي السابق, ونهاية هذا الصراع القطبي, تحولت الولايات المتحدة الى السيد الأوحد في تلك المنطقة, وتحولت القوى المتقاتلة التي كانت تتبعها الى انظمة حاكمة بلا منازع او معارضة, كما حدث في نيكاراجوا والسلفادور وبنما وغيرها, وما ان دانت للولايات المتحدة وشركاتها السلطة والحماية, حتى تخلت عن وعودها السابقة بتخليص تلك الشعوب من حروبها الداخلية وصراعاتها العرقية والأيديولوجية, بل بدأت تطالب بدفع فواتير السلاح القديم الذي كانت تعلن انه هبة ودعم لتخليص تلك البلاد من خطر الشيوعية (؟!). بدأت تدفع الانظمة التابعة لها للاستدانة من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتعيد بناء ما دمرته الصراعات المدعومة من قبل, فأصبحت تلك البلاد اكثر فقرا مما كانت عليه في ظل الصراعات القديمة, وتحولت شعوبها الى خدم لتلك المؤسسات المالية والدولية, ولم تعد تملك قوت يومها. ثم جاءت دوامات (العولمة) التي يدعو لها الغرب بقيادة الولايات المتحدة باعتبارها الطريق الاوحد نحو الازدهار, وبدأت تطبق في تلك الدول انظمة السوق المفتوحة, في البداية كانت النتيجة مشجعة, وبدأت بعض حكومات امريكا اللاتينية (لا شعوبها) تتنفس الصعداء, وبدأت ترى النور الذي يطل عليها من نهاية النفق المظلم, لكنها لم تكن تعلم ما تخبئه لها نظريات (العولمة) من مأس. أولها الأزمة الاقتصادية التي دمرت النمور الآسيوية التي كانت راية وعلامة للعولمة, وما بين ليلة وضحاها فقدت تلك الدول الأمل في الخروج من أزمتها المزمنة, ولم يعد أمام شعوبها سوى العودة الى الاستدانة لتسديد فوائد الديون القديمة, اي دخلت دوامة الدائرة المغلقة من جديد وبلا نهاية. من يلقي اليوم نظرة على الصور التي تتناقلها وكالات الانباء والتلفزيونات يكتشف الى اي مدى وصلت تعاسة تلك المنطقة, بعد ان بدأت الجغرافيا الطبيعية تلعب لعبتها السوداء في تلك المنطقة, حين اختارتها العواصف لتكون ممرها الطبيعي الذي تجرب فيه قوتها المدمرة, ولأنها تخطت عواصف (النينو) الشهيرة, فقد قرر (ميتش) ان يجرب حظه معها, لعله يثبت انه الأقوى, وانه المرعب والمخيف, والذي يجب ان تستعد له تلك الدول بشكل افضل من استعدادها للنينو. نتيجة مرور عواصف (ميتش) الرعدية يمكن تلخيصها في جملة موجزة ومعبرة قالها رئيس الهندوراس: (قبل (ميتش) كنا فقراء, وبعد (ميتش) أصبحنا تعساء) . تلك البلاد تكاد تكون اختفت تماما من على خارطة امريكا اللاتينية, واية محاولة للمساعدة تعني اعادة خلق تلك الدول من جديد, لأن الامر لم يعد يقتصر فقط على اعادة زراعة بعض الاشجار التي طارت في العواصف, او اعادة بعض البيوت القروية التي اصابتها المياه في مقتل, بل ان الامر ابعد من ذلك كثيرا. خلف اعصار (ميتش) من ورائه مساحة ضخمة من المياه التي لا حدود لها, ولم تعد في تلك المساحة الضخمة التي تشبه المحيط انهار ولا اشجار ولا طرق ولا كباري ولا مصانع, اضافة الى أكثر من عشرين ألف قتيل, ومثلهم من المفقودين المؤكد موتهم ايضا, أي إمكانية انتشار أوبئة قد تقضي على أضعافهم من بين الملايين الذين فقدوا كل شيء في أيام قليلة ويعيشون في العراء. تحولت عدة دول الى ما يشبه بحيرة مطلوب تجفيفها, ثم اعادة تخطيطها لوضع الحدود بينها, أي إعادة خلق جديدة لتلك الدول حتى يمكن وضعها من جديد على خارطة الدول المعترف بها في الأمم المتحدة (؟!). الوضع في هندوراس مأساوي, والوضع في نيكاراجوا أكثر مأساوية, لأن مرور الاعصار (ميتش) تبعه غضب البركان والزلازل التي دمرت ما تبقى من بيوت قاومت رعد الإعصار. مشاهد البؤس لايمكن وصفها في تقارير صحافية أو سياسية, ولم يعد الأمر يتوقف على مطالبة العالم بالوقوف إلى جوار تلك البلاد وشعوبها, لأن ما تتبرع به الدول والمنظمات الدولية قليل, لكن هذا المشهد المأساوي لم تتوقف مأساويته عند هذا الحد, بل انه تحول في بعض المناطق المنكوبة إلى ما يشبه الكوميديا السوداء, فرئيس نيكاراجوا اليميني (ارنولدو أليمان) رفض مساعدة طبية (كوبية) لأنها تأتي من دولة لاتربطه بها علاقة ايديولوجية(؟!) وأكثر من ذلك رفض إعلان بلاده منطقة كوارث لتحصل على دعم ومعونة المنظمات الدولية, لأنه يرى أن هذا الإعلان سوف يكون لصالح خصومه السياسيين من جبهة (الساندنيست) السابقة, مأساة الإعصار لا تكفي ليلحق بهذا الشعب المنكوب مأساة سياسييه, الذين جثموا على صدره ليكتموا ما أبقته له الطبيعة من أنفاس, رافعين شعارات الرفاهية والرخاء. بلاد وشعوب أمريكا اللاتينية تعيش تعاسة ما بعدها تعاسة, إنها بلاد تخرج من غرق إلى آخر, تغرق في ديونها التي تكتم أنفاس اقتصادها, وتغرق في غضب القوى الكبرى التي ترى فيها حراس مصالحها الخاصة بلا مقابل, وتغرق في مياه الطبيعة, وتغرق في انعدام مسؤولية حكامها وسياسييها الذين لايرون أبعد من مصالحهم الخاصة. كاتب مصري مقيم في أسبانيا*

تعليقات

تعليقات