اليورو قادم والعرب غافلون،يقلم:د. أحمد القديدي

من أغرب مظاهر غياب الوعي العربي ــ وهي كثيرة ـ عدم الاكتراث بالمستقبل الاقتصادي والنقدي المنظور للعالم, هذا المستقبل الذي تنكب عليه بالدرس والتمحيص حكومات امريكا وأوروبا واليابان والصين وكندا وتقريبا كل مراكز الدراسات الاستراتيجية وجامعات الدنيا . فنحن اليوم... في الاسبوع الثاني من نوفمبر على مسافة 397 يوما عن الموعد التاريخي الحاسم لغرة يناير 2000 اي ان الايام الفاصلة بيننا وبين يوم التغيير الاكبر اصبحت معدودة, وسوف لا تنتظر اوروبا (الاصح ان نقول الولايات الاوروبية المتحدة) حلول عام 2000 لتدخل مجال الوحدة النقدية, فقد تقرر ان تبدأ المجموعة الاوروبية التعامل باليورو EURO منذ حلول اول يناير 1999 الى جانب عملاتها الوطنية ثم وبعد عامين اي يوم اول يناير 2001 سيقع الغاء العملات الوطنية ليقتصر التعامل النقدي والتجاري كاملا على اليورو. هذا هو التحدي العولمي (نسبة الى العولمة) الذي سيجرفنا جرفا اذا ما واصلنا رقدة الغفلة عن مصالحنا وعن مصيرنا. ان اول حقيقة ستواجهنا ــ بل سنصطدم بها ــ هي ان العالم الذي نسميه اليوم بعالم احادي القطبية سيكون في الواقع وفي مجال الاقتصاد عالما ثنائي القطبية, فبعد ان انهار الاتحاد السوفييتي دون حرب كما قال نيكسي في كتابه (النصر بلا حرب) انفردت الولايات المتحدة الامريكية بالقوة العظمى عسكريا واستراتيجيا لكن صعود القارة الاوروبية وتوحد دولها السريع ستضع المجموعة الاوروبية في كفة الميزان الاقتصادي كسيد منافس لامريكا, علما بأن عظمة القوة الامريكية ترتكز اساسا على الدولار ــ كوحدة نقدية مفروضة في التعامل التجاري الدولي ــ ولا يخفى على اي ملاحظ ان الدولار سيجد تجاهه يورو قويا وصامدا تسنده معطيات ثابتة هي: أ ــ دور اوروبا السياسي اكثر ذكاء من الدور الامريكي, فأوروبا تحدد دبلوماسيتها بعيدا عن التدخلات العسكرية الفجة المباشرة وتحظى المجموعة الاوروبية في الازمات الدولية الحادة بسمعة رجل المطافئ والحماية المدنية, بعكس امريكا (الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي او ازمة البوسنة والهرسك أو ازمة كوسوفو او الصراع الهندي الباكستاني او الخلاف التركي السوري) . ب ــ تغلغل المجموعة الاوروبية على الصعيد الثقافي في اغلب بلاد العالم الثالث فاللغة الانجليزية هي لغة بريطانيا العظمى اساسا حتى لو استعملها الامريكيون, ومناطق النفوذ البريطاني والفرنسي في القارتين الافريقية والاسيوية لاتزال تنتج بفضل نخبها جماعات حاكمة موالية ثقافيا لأوروبا, بالاضافة الى الوجود البريطاني في استراليا والوجود الفرنسي في كندا (كيبك) ج ــ ان كثيرا من الازمات الاقتصادية والنقدية العالمية تعود اسبابها الى تعملق الدولار وانفراده بزمام التبادل التجاري العالمي وتداول الطاقة وحدوث انتفاضات اجتماعية معروفة تسمى انتفاضات صندوق النقد الدولي IMF شكللت في العالم الثالث مخاوف من شروط الصندوق المجحفة وما تنتج عنها من رفع الدعم على المواد الاساسية وخصخصة المؤسسات الحكومية وتسريح ملايين العمال. ان ارتباط هذه الزلازل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بالدولار يشجع مجموعة عدم الانحياز على التحول للتعامل الدولي باليورو عوضا عن الدولار... لما يلحقه هذا التحول من منافسة بين العملتين ستظهر اثارها في التزاحم على التخفيض من نسبة الفوائد المصرفية والتأمينية امام الدول المدينة بازاء الدول او المؤسسات الدائنة. فكيف تعاملنا نحن العرب مع هذه الحقائق القادمة المتسارعة؟ الجواب بلا شيء, اي بلا موقف, فهل اجتمع وزراء الاقتصاد والمالية ومحافظو المصارف الوطنية ومسؤولو الغرف التجارية العرب ليناقشوا تأثير هذا التغير الكبير على اقتصاديات الاسواق العربية والعملات العربية وعقود الشراكة التي تربطنا بالمجموعة الاوروبية. الجواب هو: لا. ومن المستحيل ان نواجه هذه العواصف القادمة كل منا على حدة, او في شكل مفاوضات اقليمية (حوض البحر الابيض المتوسط او دول ملجس التعاون مثلا) لأن اليورو القادم سوف يحمي اوروبا اساسا وهو دوره الطبيعي والمشروع. الحقيقة هي ان المؤسسات العربية التابعة لجامعة الدول العربية لاتزال هشة لا تسندها ارادة سياسية عربية واحدة, مع تنامي الأزمات العربية المرشحة للتشنج بسبب خلافات مزاجية تعرقل كل مجهود توحيد المواقف العربية. ثم اين استعانة اصحاب القرار بالجامعيين؟ فالجامعات ومراكز البحوث العربية مقطوعة عن واقع القرار, بعكس المؤسسات الاكاديمية الغربية فهي في قلب معركة التحليل والاستشراف والاستشارة؟ ان ما سنشهده قريبا في العالم بميلاد اليورو لجدير بتعبئة الكفاءات العربية حتى نستعد للتداعيات المتوقعة, فقد تعود العالم على التعامل مع العرب مع الاسف على انهم شتات من المواقف وردود الفعل ــ وهذا طبعا يخدمهم ويسيء لنا ــ فهل من صحوة؟

تعليقات

تعليقات