حكايات السياسي والمصارع والكأس الدوّار،بقلم: محمد الخولي

لسنا ندري من أين جاءنا المثل العربي الشائع حول الحفرة التي يشقها المرء لغيره أخيه أو خصمه فاذا به يقع فيها.. ولأننا كنانتعلم هذا المثل الذائع في بواكير الطلب فقد كنا ننساه في دوامة الحياة بكل خبراتها وتعقيداتها, رغم ان هذه الدوامة لا تكف عن تعليمنا أو تحذيرنا بأن الكأس دوّار , وان الدنيا يوم لك ويوم عليك, فالايام دول في التحليل الأخير بمعنى ان الادوار متبادلة ومقاليد الامور لابد وان تنتقل من يد الى يد, ومن جيل الى جيل بحكم ان التغيير هو سنّة الكون والصيرورة قانون الاستمرار. أطرف التعليقات ولعل من أطرف التعليقات التي قيلت في معرض هذا التبادل بين الادوار, ما كتبته مؤخرا الصحيفة الامريكية (مورين دوود) حول نتائج الانتخابات التشريعية في الكونجرس وبين حكام محافظي الولايات, حيث وقف التعليق في لماحية يحسد عليها حادثة انتخاب مصارع, نعم رياضي يحترف المصارعة اسمه (فنتورا ذي بودي) أو بالاحرى (فونتورا الجثة) محافظا أو حاكما لولاية مينسوتا الشمالية, كما تناول في الوقت نفسه احباطات الحزب الجمهوري المعارض وفشل قيادته مجسدة في (نيوت جينجريتش) رئيس مجلس النواب في ادارة حملته الانتخابية وفي استثمار اخطاء كلينتون الشخصية والسياسية وفي نقل رسالته الى جماهير الناخبين وهو ما أفضى بالامس القريب الى استقالة جينجريتش من قيادة الحزب ورئاسة المجلس ومن مقعده النيابي من الأساس, وهنا قالت الكاتبة موريف دود: لقد تصرف المصارع فنتورا كسياسي فنجح, وأصبح محافظا, فيما تصرف السياسي جينجريتش كمصارع ففشل وأصبح.. في الشارع. مسلسل الانحرافات من ناحية اخرى يستعيد المحللون السياسيون المقولات التي اطلقها الجمهوريون منذ بدايات التسعينات دفاعا عن زعيمهم جينجريتش, وكان استاذا للتاريخ في الجامعة.. وأصدر كتبا كانت عقود نشرها مدعاة لوضع الرجل موضع المساءلة التي شككت في ذمته المالية وأمانته السياسية, إذ كان بعضها ينطوي على شبهات التربح من موقعة السياسي في مجلس النواب وتواطئه مع (ميردوخ) الملياردير اليهودي ناشر تلك الكتب, وهو ايضا واحد من أخبث أباطرة النشر الصحفي في الولايات المتحدة, إذ يقوم على اصدار مطبوعات أغلبها تتوخى اسلوب التابلويد من حيث الحجم والاتجاهات والتشهير الفكري والانفلات الاخلاقي على السواء. صفقة الدولار الواحد يومها أجبروا رئيس البرلمان الأمريكي على ان يأخذ من صفقة النشر دولارا واحدا! انقاذا لماء الوجه, ومن ثم يتنازل عن أكثر من ثلث مليون دولار هي قيمة العقد السخي مع ميردوخ انقاذا لكرسي رئاسة البرلمان وصونا لموقع زعامة الجمهوريين ويومها خف دهاقنة اعلامهم الى نجدة الزعيم جينجريتش قائلين: دعوكم من الوقوف عند تفاصيل السلوكيات الشخصية وأنظروا الى سجل الرجل العام كسياسي وزعيم طرح منذ عام 1994 شعار (العقد الاجتماعي مع أمريكا) وركزوا فقط على مناقبه كاستاذ اكاديمي محترم في مادة التاريخ. البرلمان يلوم رئيسه وهكذا نفد الزعيم البروفيسور بجلده السياسي من محرقة الشجب والتنديد والابعاد, واكتفى مجلس النواب في سابقة سياسية فريدة بتوجيه اللوم رسميا الى رئيسه الموقر. وعندما نصبوا مهرجان الانتخابات التي شهدتها الأيام الأولى من نوفمبر الحالي.. وحاول الجمهوريون اللعب بورقة انحرافات كلينتون الشخصية اياها.. ومن ثم العزف على نغمة مونيكا بيل مغامرات الحمام في مكتب الرئاسة البيضاوي.. ناهيك عن حكاية سيجار هافاني فاخر, وفستان لم يذهب الى التنظيف منذ شهور... الخ. ساعتها رد الديمقراطيون التحية من فورهم رافعين الشعار العتيد: سيبكم من حكاية الاخطاء الشخصية وانظروا الى السجل السياسي العام.. انسوا سلوك الفرد وتوقفوا عند اجندة القضايا. وهكذا ابتدع الجمهوريون السحر فكان ان تعلمه الديمقراطيون ثم استخدموه.. وحدث التبادل المنشود بين الادوار والشعارات والافراد ايضا, وكانت النتيجة كما أشارت صاحبتنا الكاتبة (دود) ان سمع الناخبون كلام الجمهوريين فتجاهلوا الوقوف عند سلوكيات الاشخاص وصوتوا لصالح القضايا والمطالب, فكان ان اسقطوا الجمهوريين وكان ان حولوا (المصارع الجثة) الى (المصارع العقل والتدبير) فانتخبوه حاكما لولاية, اما استاذ التاريخ فأصبح هو نفسه, ولو من الناحية السياسية, في ذمة التاريخ. ومن عجب انك لو وسعت منظور الرصد وزاوية الرؤية, لاطلعت على قانون الكأس الدوّار وهو يكاد ينطبق هنا وهناك على اليهود. (ونقصد هنا يهود السياسة والخطط والاطماع والاحاييل, ولا نقصد بداهة, ولا يعنينا ان نقصد يهود الرسالة أو الديانة بحال من الاحوال) كما عمد اليهود الى أكثر من حفرة شقوها في باطن أرض السياسة والاعلام وروايات التاريخ, في مقدمتها حفرة مرفوع فوقها لافتة خبيثة تقول: نعم للتسليح والتنميط.. نعم لزرع الصور المنطبعة والقوالب الجاهزة حول مختلف خلق الله من أمم وشعوب.. نعم لاعادة كتابة التاريخ كي نفتش عن أبرز العلماء وأمهر الفنانين وأخطر الوقائع وأمجد الانجازات, ثم ننسب هذا كله الى اليهود وعبقرية اليهود.. مستغلين في ذلك ميل الجماهير الى التبسيط وعزوف الجموع عن التدقيق والتمحيص, فضلا عن آفة النسيان التي عادة ما تلم بالناس, وقد انشغلوا بهموم المعاش. قال غسان كنفاني وربما كان من أبلغ التعبيرات عن هذا التنميط ذلك الذي ساقه الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني في كتاب مازالت له ريادته حتى كتابة هذه السطور وعنوانه (الأدب الصهيوني) وفيه يعرض غسان الى هذا الاسلوب الخبيث الذي طالما لجأ اليه اليهود في تشويه الطابع القومي العام للأمم والثقافات والشعوب وذلك من خلال روايات كتبوها وأفلام انتجوها وطروحات ظلوا يكررونها عامدين في اصرار لحوح ولجوج ومنتظم مستغلين كما أسلفنا فتور الذاكرة وآفة النسيان.. هكذا يضيف غسان تتوالى الصور النمطية الجاهزة الجامدة والمطلوب انطباعها في الاذهان: الاتراك مرتشون, والعرب فرّارون, والايطاليون محتالون, اما الفرنسيون فهم مختالون, والانجليز منافقون, والامريكان مغرورون.. الى آخر المعزوفة المكرورة والخبيثة التي تنتهي كما قد لا يخفى عليك بأن اليهود هم مبرأون أو يكادون من كل عيب أو نقيصة, فإن كان ثمة عيب فهم يا سيدي مضطهدون! قوالب وصور من هوليوود هذا المنظور اليهودي في باب التسطيح والتبسيط المخل والتنميط نقلوه الى سينما هوليوود التي أثبتت أدبيات شتى وأكدت تحقيقات رسمية مسهبة ورصينة انهم اليهود من أبرز القوى المسيطرة عليها (آخرها مثلا تحقيقات لجنة الكونجرس الامريكي منذ نحو ربع قرن برئاسة السيناتور (فرانك تشيرش). وآخر منتوجات هذا الاتجاه كان الفيلم الامريكي الذي ابتدأ عرضه يوم الجمعة السادس من نوفمبر الحالي في مدينة نيويورك بعنوانه الشهير (الحصار) . ولقد حرصنا على مشاهدة الفيلم في عرضه الاول بعد ان تابعنا الكتابات النقدية سياسية وفنية التي نشرتها عنه الدوريات الامريكية من مواقف وزوايا شتى, وبصرف النظر عن تصريحات صانعي الفيلم بأنهم قصدوا الى تحذير الناس من ان محاربة الارهاب لاتتم كما صور الفيلم بانزال الجيش الامريكي في الشوارع يفرض الاحكام العرفية ويعطل سيادة القانون واعمال مبادئه ومن ثم يصادر على الحقوق والحريات لمجموع المواطنين بصرف النظر عن تلك الرسالة التي اعلن صانعو الفيلم انهم قصدوا اليها, وهي رسالة مفيدة وايجابية بل انهم, وتلك شهادتنا الموضوعية, اقتربوا من ادائها في بعض اجزاء السيناريو, الا ان الرسالة المجملة التي يجنح الى استقائها جماهير المشاهدين هي: الربط مهما كان معمما او متعسفا بين صفة (ارهابي) وصفة (عربي) وصفة (مسلم) واذا كان رجل الامن يرجع الى الملفات, واذا كان رجل الاستخبارات يعول على التدقيق والتحليل في المعلومات فان رجل الشارع او المواطن الامريكي العادي, بل والاكثر من عادي, ليس لديه الوقت لا للتدقيق ولا للتحليل.. بل هي الصورة النمطية الجامدة, المفرطة في التبسط التي تنطبع مثل القالب الجاهز في وجدانه ان سمع اسم احمد او علي او فاطمة ترن في هذا الوجدان اجراس جاهزة للانطلاق تقول: احذر انك امام ارهابي.. ومع الاجراس كم تدور في المخيلة انفجارات القنابل, ودمدمات الرصاص وانات الثكالى وصرخات الاطفال وعويل المكلومين ودع عنك المباني التي تتداعى وهي تجسيد للمنجزات ومسارح تنقض اركانها وهي رموز الابداع.. كل هذا وانت كمشاهد للفيلم تسمع خليطا من نداءات عربية وايضا شتائم عربية ونغمات شرقية وترتيلا من القرآن ومشاهد يعرضها (الحصار) لافراد يستعدون للوضوء هم يخبئون وسط مياه الاغتسال ترسانات القنابل واحزمة الديناميت. صحيح ان فيلم (الحصار) يؤكد حرصه على ان المقصود هو (افراد) ارهابيين وليس المقصود هو (جموع العرب او جاليات المسلمين) من ابناء (الشعوب الاسلامية المحبة للسلام) والتعبير المنمق من طروحات الرئيس كلينتون مؤخرا, الا ان افواه الممثلين تظل تلوك اسماء فلسطين والعراق وليبيا وايران في سياق الربط بين افرادها والارهاب والانفجارات والعدوان على أرواح الناس الطيبين.. الآمنين.. من راكبي الحافلات الشعبية او رواد مسارح الصفوة من الطبقات العليا.. والرسالة هنا ان الارهاب عنف غشوم لايفرق بين الناس على اختلاف الاعمار والمشارب والطبقات, تتابع هذا كله.. ثم تقرأ قبيل كتابة هذه السطور اخبارا تأتي من اقصى شرق اوروبا ومن وسطها على السواء.. تسترسل في التفكير حول كأس التسطيح والتنميط التي اعدها اليهود كي يشربها العرب والمسلمون حيث كل عربي او مسلم هو ارهابي او مشروع ارهابي ولكن ها انت تأتيك اخبار الشرق والوسط الاوروبي لتؤكد لك ان نفس الكأس كفيلة بان يتجرعها اليهود انفسهم حيث ان كل حجر من فساد وشر وتدمير يكمن تحته يهودى ايضا. من الشرق الاوروبي تتابع في البرلمان الروسي في الآونة الاخيرة مناقشات مجلس النواب التي افضت الى ان اليهود في دوائر الحكم والمال ودنيا التجارة والاعمال ومؤسسات النشر والاعلام في روسيا هم سبب البلاء وأسس الفساد والقنبلة الموقوتة التي تهدد بتدمير الشخصية والمصالح القومية في روسيا او على حد تعبير الزعيم السياسي الروسي (ماكاشوف) الذي صرح مؤخرا ان (زيدي هم سبب بلاوى الاقتصاد الروسي ولابد من ملاحقتهم وايداعهم غياهب السجون و(زيدي) هو التعبير العامي الروسي الذي يشير الى (اليهودي ويشير اليه بنوع من الحطة والازدراء. ومن عجب ان يرد ماكاشوف على منتقديه قائلا: آسف ان استخدمت تعبير (زيدى) وقد كنت افضل, او اقصد استخدام تعبير (صهيوني) ومع ذلك فمازلت عند رأيي مطالبا بحوار قومي على اوسع نطاق في روسيا كي نتبين من خلاله: من يحكم بلادنا ومن يسيطر على مقاليدها. روسيا تهاجم الصهيونية اكثر من هذا: لقد ايد النائب الروسي (جينادي بينوف) ما ذهب اليه زميله من توجيه النقد الى اليهود واضاف يقول في وضوح لا لبس فيه: ان الصهيونية اكثر خطرا واشد نكرا من الفاشية (تصور!) لانها تتغلغل بين الصفوف وتتوخى السرية وتعمل تحت الارض) . وقد نتحفظ فنقول ان معظم هذه الانتقادات الموجهة الى اليهود تأتي اساسا من صفوف الزعامات الشيوعية الفاعلة في برلمان روسيا الحالي, وان زعيم الشيوعيين في البرلمان زوجانوف مازال يعمل جاهدا, كما يؤكد الصحفي الامريكي مايكل واينز على ان يعيد زملاءه منتقدي اليهود الى جادة الاعتدال, الا ان زوجانوف نفسه لم يتورع عن الادلاء بتصريحات الى الصحيفة التي تنطق باسمه في موسكو مشيرا الى ان عملاء المخابرات الاسرائيلية مازالوا يمارسون انشطتهم التحريضية التي تهدف الى دفع اليهود الروس للهجرة الى اسرائيل. واذا كانت اوساط اليهود تشكو من ارتفاع نغمة تصفه بانه (معاداة السامية في روسيا, فان سويسرا في وسط اوروبا عمدت للرد على افتراءات وابتزازات اليهود لحكومتها ومصارفها من خلال موجة تنتشر حاليا من بعض اليهود او ما يسمى بمعاداة السامية في الاوساط السويسرية على حد ما ذهبت اليه (صحفية أمريكية) اليزابيث اولسون التي اشارت الى دراسة مهمة جرت في سويسرا على مدار عام كامل وافضت الى نتيجة تقول: ان الجماهير السويسرية بدأت تتخلى عن تحفظاتها وتحركاتها التقليدية وهي تعلن بغضها لليهود ورفضها لسلوكياتهم, دع عنك ان هذا البغض لا يقتصر على طبقةاو فئة بعينها من فئات المجتمع السويسري ولكنه يمتد ويشيع بين شرائح ذلك المجتمع بشكل عام على حد ما يقول البروفيسور السويسري جورج كريس استاذ التاريخ الحديث في جامعة بازل وقد اشرف شخصيا على هذه الدراسة (مدينة بازل كما قد نتذكر كانت موقعا لاول مؤتمر صهيوني عقد ليكون حجر الزاوية لاستعمار بالأدق اغتصاب فلسطين). السحر والساحر الشرير وقد يكون بين اليهود في روسيا او سويسرا او غيرهما افراد البشر, لا تراودهم اطماع التوسع على حساب أوطان ومصائر غيرهم من خلق الله, وطالما جهدنا في ادبياتنا السياسية المعاصرة في التفرقة بين اليهودي والصهيوني رغم ازدياد هذه التفرقة صعوبة وتعقيدا.. والنظرة الموضوعية, المعقلنة الى الامور تقول بان ليس كل يهودي هو شيلوك تاجر البندقية عند شكسبير الذي طلب اقتضاء ديونه لحما حيا من جسد الغارم المديون ولا كل يهودى سفاح مثل جابوبتنسكى او دموى مثل مناحيم بيجن او ارهابي مثل شامير, ولا هو يختال تعصبا وعنصرية مثل نتانياهو تماما كما ان الارهاب ليس مقصورا على العرب وليس بصناعة ابتدعها المسلمون والفرق شاسع بين سلوك الفرد وتوجهات الجماعة, وبين عنف المظلومين وارهاب الطغاة المحتلين والمستعمرين المتجبرين ولو ظلت الاوساط اليهودية الصهيونية مؤصلة بهوليوود او غيرها, تمعن في منطق التسطيح والتنميط بحق المسلمين والعرب في امريكا او في غيرها, فها نحن نشهد بدايات السحر وهو ينقلب على الساحر, ونعاين الكيد وهو يرتد الى عنق الكائدين, و.. ركزوا اعينكم على ذلك الذي يحدث في روسيا وفي غيرها حيث فاض الكيل بالساخطين الكاظمين وحيث انتفخت عناصر يهودية ببالونات الغرور الى حد العمى عن التمييز والتمحيص.. والى حد انهم قد يشربون من نفس الكأس, فالكأس دائما دوار.

تعليقات

تعليقات