الخواجا جنجريتش ... بداية ونهاية! بقلم- محمود السعدني

الخواجا جنجريتش هو رئيس مجلس النواب وزعيم الاغلبية في الكونجرس كما انه اشهر زعماء الحزب الجمهوري وابرز المرشحين عن الحزب لخوض معركة انتخابات الرئاسة القادمة . وهو رجل ترشحه هيئته ليكون ممثلا كوميديا مرموقا فهو قريب الشبه من الممثل اللبناني المرحوم الياس مؤدب كما انه يشبه الممثل المصري الطبيب حسن حسين وهو قبل ذلك وبعد ذلك صديق مخلص ليهود امريكا ومن اجل خاطر عيونهم يضع نفسه وحزبه في خدمة اسرائيل. وهو يبدو احيانا اكثر تحمسا لدولة اسرائيل من نتانياهو نفسه, ومن ابرز صفاته انه اذا شعر بالغيرة من احد ناصبه العداء, ويصبح هدفه الوحيد هو القضاء على منافسه. وهي النتيجة الحتمية لهذا النوع من الغيرة الذي يصيب صنف الحريم دون غيرهم من صنف الرجال وهذا النوع من الغيرة يصبح طارئا اذا استبد برجل من رجال السياسة لان الف باء السياسة ان يستخدم السياسي العقل وان يبتعد تماما عن استخدام العواطف. ومأساة الخواجا جنجريتش انه يكره الرئيس الامريكي كلينتون ويغار منه وقد تسبب هذا الموقف في اغلاق مؤسسات الدولة الامريكية ذات يوم عندما رفض الكونجرس الموافقة على الميزانية الامريكية فأصاب الشلل الحكومة الفيدرالية وامتنع حرس الحدود عن ممارسة اعمالهم وكانت النتيجة تسلل 50 الف شخص من الحدود الامريكية المكسيكية خلال ثلاثة ايام. وكانت فضيحة مونيكا وكلينتون فرصة العمر بالنسبة للخواجا جنجريتش لسحق خصمه والقضاء عليه بالضربة القاضية وسمح الكونجرس الامريكي للمحقق (المستقل) ستار باذاعة نتائج التحقيقات على العالم كله ومن خلال شبكات الاذاعة والقنوات الفضائية والانترنت لكي تتحول فضيحة الرئيس الامريكي الى فضيحة كونية وتحقيقا لمقولة... اللي مايشتري يتفرج! وجاءت الانتخابات النسبية وتولى جنجريتش قيادة الحملة وبشر حزبه بان الفرصة قد حانت للاجهاز على الحزب الديمقراطي مرة واحدة والى الابد ودخل الخواجا جنجريتش المعركة الانتخابية وفي قلبه بطيخة صيفي وكان الشعار الذي رفعه جنجريتش (هل نسمح لكلينتون بالكذب علينا مرة اخرى؟) و... (هل نترك كلينتون من البيت الابيض ليجعل منه وكر غرام؟) وتصور جنجريتش ان الشعب الامريكي كله سيهرع الي صناديق الانتخاب لاسقاط امل مرشحي الحزب الديمقراطي وتهيئة الفرصة للحزب الجمهوري لطرد كلينتون في البيت الابيض وابعاد الحزب الديمقراطي عن السلطة 12 عاما على الاقل. لم يكن هذا هو حلم الحزب الجمهوري لكنه كان حلم جنجريتش وحده. فقد كان داخل الحزب الجمهوري رأي اخر ان يتركوا كلينتون كالبطة العرجاء في البيت الابيض الى آخر يوم في مدة رئاسته ثم مواجهة الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة القادمة وذبحة بدون هوادة وبلا اي رحمة, وكانت حجة اصحاب هذا الرأي ان هذا الاسلوب افضل من طرد كلينتون واعطاء الفرصة لنائبه آل جور الذي قد ينجح في تغيير صورة الحزب الديمقراطي ولكن جنجريتش لم يكن على استعداد ليستمع الى اي رأي اخر, كان يريد رقبة كلينتون بأي ثمن وقد جاءته الفرصة ولن يسمح لها بالافلات من بين اصابعه. وجاء يوم الانتخاب وحدثت الكارثة. رفض الشعب الامريكي ان يكون اداة لتنفيذ اغراض جنجريتش الشخصية, وسقطت في الانتخابات شخصيات جمهورية تاريخية كما حدث في نيويورك وفي كاليفورنيا وكسب الحزب الديمقراطي المعركة واخرج كلينتون لسانه لكل المتربصين والمتآمرين وهي نهاية طبيعية وعادية تناول مثلها الشعراء والادباء وهي النتيجة العملية لقول الشاعر... وتقدرون فتضحك الاقدار ولكن ... ماذا بعد ان ضحكت الاقدار؟ في بلاد اخرى غير امريكا علقة تفوت ولا حد يموت. وفي كل بلد ديمقراطي الامر يختلف بعد اعلان النتائج وبعد ان تأكد للجميع ان خطة جنجريتش باءت بالفشل, وقف سيادته امام عدسات التلفزيون واعلن عن ابتهاجه الشديد لاحتفاظ الحزب الجمهوري باغلبيته في المجلسين وعندما سأله احد الصحفيين عن مصير قضية مونيكا وكلينتون قال بهدوء.. كل شيء يسير في طريقه المرسوم! كان جنجريتش يقف امام العدسات منفوشا مكروشا (كرشه يمتد امامه اكثر من نصف متر) وابتسم السيد جنجريتش وهو يتأهب لمغادرة المكان كان الجميع يعرفون ان جنجريتش فشل وكان هو الاخر يعرف انه فشل قبل الاخرين وهكذا في صباح اليوم التالي اعلن جنجريتش استقالته من منصبه كرئيس للكونجرس وكزعيم للاغلبية عن الحزب الجمهوري.. واعلن على الملأ انه سيعتزل العمل السياسي كله في بداية العام المقبل, الرجل الذي كان على القمة في هرم السلطة, والذي شغل الناس والحياة فترة من الزمن,هكذا يختفي فجأة وكأنه لم يكن في يوم من الايام! لان في المجتمعات السليمة قواعد وقيودا وحدودا من يخطىء يدفع الثمن, مهما كان موقعه ومهما كان نفوذه باب الاجتهاد مفتوح امام الجميع ولكن بشروط قد يكون الخطأ في التحليل وقد يكون الخطأ في التنفيذ, ولكن كلها اخطاء ومن يرتكب الخطأ لابد ان يذهب ويختفي الى الابد... لو حدث مثل هذا الموقف في دولة من دول اسيا او افريقيا او امريكا اللاتينية لبادر الحزب الذي وقع في هذه النكبة الى فصل عشرة من المندوبين الحزبيين في الدوائر الانتخابية. لانهم لم يقوموا بواجباتهم الحزبية على الوجه الاكمل مع ان تعليمات السيد رئيس الكونجرس وزعيم الاغلبية كانت واضحة وصريحة, لقد قال لهم امام الف شاهد (افتحوا عيونكم جيدا فهناك مؤامرة جديدة ضد حزبنا وخصومنا دفعوا الملايين لاسقاط مرشحينا!. وربما قام الحزب برفع دعوى امام المحاكم يتهم فيها الحكومة بالتزوير لان الخطة التي وضعها زعيم الاغلبية لاتخر المية وكانت كفيلة بضمان اغلبية الاصوات لكل المرشحين في كل الدوائر!! ذلك لأن السيد كبير الكونجرس صاحب خبرة طويلة في امور الانتخابات وله نظرة فاحصة تستطيع ان تتنبأ مقدما بالنتائج اما الخطأ الذي حدث فهو خطأ اعضاء ضعاف من قاعدة الحزب, وربما خطأ موظفين صغار من الدوائر الرسمية, الكبار يخطئون ولكن الاخطاء كلها مصدرها الرجل الذي كان مسطحا على ظهر القطار, والشغب الذي وقع في ملعب كرة القدم كان بفعل المشجع (ابو زاكته غامقة) الجالس في مدرجات الدرجة الثالثة على الشباك!!) ولذلك تنهض المجتمعات السليمة وتنمو وتستمر اما المجتمعات الاخرى فتتراجع وتتآكل وتتلاشى وتذهب في الباي باي. الرجل المسؤول الكبير الذي اكرهه المدعو جنجريتش فقد اخطأ واعترف بخطئه ودفع الثمن وتحية للمجتمع الامريكي الذي امقته وأحقد عليه, لانه في البداية رفض ان يلعب لحساب جنجريتش وفي النهاية اقتلعه من جذوره والقى به خارج الملعب تماما!

تعليقات

تعليقات