اقباط .. ومسلمون في مواجهة المؤامرة! بقلم- جلال عارف

عندما يقف شعب مصر صفاً واحدا في مواجهة الحملة الشرسة التي تريد ان تختلق قضية حول اضطهاد مزعوم للاقباط في مصر فان ذلك لا يعني مجرد الشجب والادانة التي تعودنا عليها في المواقف المشابهة ثم يعود كل شيء الى حاله بعد ان تهدأ العاصفة ولكنه يعني قبل ذلك وبعده رساله واضحة الى كل الاطراف الداخلية والخارجية ومسؤوليات تاريخية لابد ان يتحملها الشعب كله في شجاعة وشموخ يليقان بمصر صانعة الحضارة على طول الزمن وأرض التسامح الى الابد . رفض مصر للحملة المشبوهة يعني رسالة واضحة لمن يقفون وراء هذه الحملة بان اللعبة مكشوفة وان الكل في مصر ــ مسلمين واقباطا حكوميين ومعارضين ــ يفهمون جيدا انها محاولة للضغط على مصر لكي تتخلى عن دورها القومي وتوافق على المخططات الامريكية والاسرائيلية للمنطقة وتغض الطرف عن احتلال الارض العربية وحصار ليبيا والعراق واستنزاف ثروات الامة العربية وتهديد امنها القومي والتنازل عن كل ماهو عربي لكي يكون هناك شرق اوسط جديد يحكمه التحالف الجديد بين اسرائيل وتركيا تحت الرعاية الامريكية بالطبع . والحملة الجديدة لاتأتي من فراغ انها تترافق مع الاتفاق الكارثة بين الشركاء الجدد (عرفات ونتانياهو) والتهديدات الامريكية التي اعقبته بان على العرب أن يوافقوا ويصفقوا, ثم يفتحوا أبواب التطبيع على مصراعيها, ويستعدوا لاستئناف مسيرة بناء الشرق الاوسط الجديد بأموالهم وعلى حسابهم ولمصلحة اسرائيل وحدها فإذا لم يفعلوا فهم اعداء للسلام ومتطرفون وارهابيون وغير متعاونين يكتفون بالفرجة بينما المطلوب ان يكونوا لاعبين اساسيين في هذه المأساة التي تحكم فيها المخابرات المركزية الامريكية غزة واريحا والخليل ويستمر تهويد الارض الفلسطينية وبناء المستعمرات في قلب القدس وتتحول فيها السلطة الى مجرد جهاز لحفظ الأمن الاسرائيلي, لا أكثر ولا أقل! رسالة مصر لمن يثيرون الحملة ضدها في هذه الظروف ان اللعبة مكشوفة والرد واضح وهو ان مصر لن تستقيل من عروبتها ولن تتخلى عن دورها ولن تخضع للابتزاز الاسرائيلي أو الضغوط الامريكية وانه لاتطبيع الا اذا عادت الحقوق العربية كلها والارض العربية, كاملة وزالت التهديدات النووية وغير النووية في ترسانة الاسلحة التي حولوها الى دولة ويريدونها ان تحكم المنطقة وتصادر المستقبل العربي الى الابد . لكن الرسالة الأهم عندي هي تلك الرسالة التي توجهها الامة الى نفسها او بالأصح الى كل المؤسسات السياسية والفكرية والاجتماعية لكي تتحمل مسؤولياتها في هذه الظروف . موقف الأمة الاجماعي في رفض التدخل الاجنبي في شؤون مصر وفي ادانة اي محاولة لخلق الفتنة الطائفية هو موقف يتكرر في كل ظرف مشابه ولكنه يكتسب اليوم ابعادا كثيرة امام شراسة الحملة على مصر وتوقع استمرارها بكل الطرق لان الحركة كما قلنا هي المعركة حول قرار مصر ودورها وجهودها للتنمية وبناء القوة في كل المجالات. والوحدة الوطنيه هي قدس الاقداس في مصر المحروسة ومن هنا فان احداث (قرية الكشح) التي استغلها اعداء الوطن في حملتهم المسمومة لاينبغي ان تمر دون ان نستخلص منها الدروس ونعالج الاخطاء ونستعد لمواجهة الضغوط التي لابد ان نواجهها اذا لم ترضخ مصر للابتزاز الاسرائيلي والمخططات الامريكية. ان الممارسات الخاطئة لبعض رجال الشرطة هي التي حولت قضية (الكشح) من قضية قتل بسبب خلاف على لعب القمار الى ورقة يستغلها المتربصون بالخارج للاساءة الى مصر والتآمر على استقرارها ولانريد ان نسبق التحقيقات ولكن هذه الاخطاء التي يرتكبها بعض رجال الشرطة قد تكررت وكانت في كل مرة تؤدي الى احداث أليمة نسميها احداثا مؤسفة من باب التخفيف او التهرب من المسؤولية. ان هذه المممارسات الخاطئة لم تفرق بين مسلم وقبطي في الكشح ولا في غيرها وماحدث في بلقاس وفي بلطيم مازال يؤرق ضمير الوطن فموت مواطن في قسم الشرطة حدث لاينبغي ان يمر بسهولة واهانة مواطن حتى ولو كان متهما امر مرفوض في عالم اصبح احترام حقوق المواطن فيه هو اساس الحكم ودليل التقدم. هذه الممارسات الخاطئة لابد ان تتوقف وان يعاقب مرتكبوها اشد العقاب ليس فقط لانها تسيء الى سمعة الوطن ولكن اولا واخيرا لانها الخطر الاشد على الامن الحقيقي.. امن الوطن وامن المواطن. ولقد كتبت قبل ذلك عن هذه القضية عندما تعرضنا لهذا الحادث (المؤسف ايضا) !! الذي تعرض فيه وفد نقابة الصحفيين للضرب في سجن طره .. ومع ذلك لم يسمح احد ولم يتحرك احد, واستمر مسلسل الاحداث المؤسفة من بلقاس الى بلطيم الى الكشح.. فهل آن أوان المواجهة؟ لا اعتقد ان هناك خيارا اخر امام الجميع. الامر الآخر والاكثر اهميته ان هذا التوحد بين صفوف الامة في مواجهة الخطروالرد على الافتراءات والدفاع عن وحدتها الوطنية, لاينبغي ان يجعلنا نخشى الاعتراف بوجود مشاكل او نتكاسل في حلها. نعم.. لدينا مشاكل ولكنها مشاكل الاخوة في اسرة واحدة يحلونها بأنفسهم وبالحوار بينهم وبروح المحبة التي تملؤهم وبشعور عميق بأنهم جميعا مسؤولون عن أمن العائلة وعن مستقبل الوطن. نعم .. لدينا مشاكل فسنوات السبعينات والثمانينات افرزت مناخا غير صحي واوجدت مكانا لجماعات التطرف من الجانبين وفي بعض الاحيان وجدنا طبالا يطلق لحيته ويجمع الزكاه من المسلمين ويطلب الجزية من الاقباط ! ووجدنا اجهزة اجنبية تدرب العرب في افغانستان وتمولهم في الحرب ضد دولهم وكانت نفس الاجهزة تجند بعض اقباط المهجر ليشاركوا في الحملة ضد وطنهم وينشروا لاكاذيب عن اغتصاب الفتيات وصلب الرجال ويتلقف الاعلام الصهيوني هذه الاكاذيب في الحرب ضد مصر. نعم.. لدينا مشاكل ونحن قادرون على حلها بل ملزمون بذلك لكي نظل على الدوام شعبا واحدا في وطن نبنيه معا, ونحميه معا ونتمتع بخيراته على قدم المساواة. ويتحدث البعض مسلمون واقباط عن خلو قائمة المحافظين ومديري الامن ورؤساء الجامعات من اسم قبطي واحد وعن الاقتصار على وزير واحد قد يرتفع احيانا الى وزيرين لوزارات غير سياديه وهذه امور يسهل علاجها لانها تعتمد على التعيين وبالتالي على قرارات تستطيع السلطة اتخاذها مع وضع كل الاعتبارات في الحساب. لكن المثير للقلق ان تخلو قائمة الفائزين في انتخابات مجلس الشعب الاخيرة من الاقباط.. وهو أمر يرجع في الاساس الى تراجع مشاركة الاقباط في الحياة السياسية والى ركود هذه الحركة نفسها. فالاقباط لاسباب كثيرة مازالوا بعيدين عن القيام بدورهم في الحياة السياسية والمشاركة الفعالة في النشاط العام لكن الحقيقة ان الامر لايقتصر على الاقباط وحدهم فالذين يشتبكون مع الحياة العامة ومسلمون واقباط مازالوا اقلية والشباب لا علاقة له تقريبا بالعمل الحزبي والنشاط السياسي ممنوع في الجامعة والنتيحة حركة سياسية ضعيفة واحزاب سياسية محاصرة وانتخابات لاعلاقة لها بالسياسة وانما بالمصالح والتربيطات وفراغ هائل تنمو فيه اعشاب التطرف السامة او تنسحب فيه اغلبية الشعب وتبتعد عن المشاركة الايجابية في الحياة العامة. وقد آن لكل ذلك ان يتغير وان تكون هناك حياة سياسية حقيقية واحزاب تملأ الساحة وتستوعب كل قوى المجتمع وتعبر عن مصالح كل الفئات والطبقات, وتستقطب الملايين مسلمين واقباطا يعملون معا ويناضلون ويبنون المستقبل معا. ان وحدتنا الوطنية هي قدس الاقداس في بناء الوطن ونحن نعلم ان المحاولات لضربها لن تتوقف ولكننا نعلم ايضا ان كل مصري مستعد للقتال من اجلها. انهم يهددون بضرب السياحة مرة اخرى ويتآمرون لخنق الاقتصاد ويضغطون لكي تتراجع مصر عن مواقفها وتتخلى عن مسؤوليتها ولكننا نثق في قدرتنا على هزيمة المؤامرة .. ولانخاف من الخطأ اذا بادرنا بالتصحيح ولاتزعجنا التهديدات لاننا ندرك ماوراءها ونعرف المشاكل التي تواجهنا ونعرف ايضا اننا وحدنا المسؤولون عن حلها والقادرون على مواجهتها.. ليس بالخطب والشعارات وانما بالعمل الجاد والمستمر والحوار القومي الشامل. و... اسلمى يا مصر!

تعليقات

تعليقات