اتجاهات فلسطينية في مستقبل غامض:بقلم-فايز سارة

في احدى نتائج اتفاق واي بلانتيشن الاخير بين اسرائيل والفلسطينيين تأثيرات مهمة على صعيد العلاقات الفلسطينية الداخلية من حيث تعميق الانقسام, وتصعيد الصراع , ليس في موضوع العلاقة ما بين فلسطينيي الداخل والخارج, فهذه مسألة مسلم بها, وانما ايضا على صعيد العلاقة بين فلسطينيي الداخل أنفسهم, وهذا هو الأهم. ففي الداخل الفلسطيني, درجت الحال منذ توقيع اتفاق اوسلو الفلسطيني ــ الاسرائيلي عام 1993 على تقسيم الفلسطينيين الى ثلاثة اتجاهات, الاول فيها هو اتجاه السلطة, والذي يمثله رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات والطاقم المحيط به, والذين يقبضون على مراكز الادارة والامن بيد من حديد, والاتجاه الثاني هو اتجاه المقاومة المسلحة, واساسه حركتا المقاومة الاسلامية (حماس) وحركة الجهاد الاسلامي, ومع أخذ الفارق بين الاثنين بعين الاعتبار, فان لكل واحدة منهما وجودا ماديا ملحوظا في الداخل الفلسطيني, ولا سيما في قطاع غزة الذي يزيد عدد سكانه على مليون نسمة. أما ثالث الاتجاهات في الداخل الفلسطيني, فهو اتجاه المعارضة, الذي يضع المنتمون اليه انفسهم عمليا في داخل ادارات واجهزة السلطة, فيما يصطفون بعواطفهم وطموحاتهم الى جانب اتجاه المقاومة المسلحة, ويغلب على المنضوين في هذا الاتجاه الانتماء ــ وبعضهم مازال ــ الى تنظيمات المقاومة الفلسطينية ومنها الجبهة الشعبية, والجبهة الديمقراطية, وحركة فتح ومنظمات اخرى. لقد ادت تطورات ما بعد اتفاق اوسلو لعام 1993 الى تغييرات في حضور وأهمية هذه الاتجاهات بحيث انها عززت شيئا فشيئا حضور السلطة الفلسطينية, وتنامى قوتها, وتعزيز قبضتها على الداخل الفلسطيني, ولذلك كله اسباب لا تندرج تحت بند التأثيرات الاسرائيلية, بل ان بعضها له ابعاد فلسطينية بحتة, وتكاد تكون بعيدة عن تأثير العمل الاسرائيلي. ومثلما تعززت مكانة السلطة واشتدت قوتها, فقد خفت وتضاءلت قوة اتجاه المقاومة المسلحة, وبدا الامر في ذلك نتيجة طبيعية لهجمة اسرائيلية, لم تكن بعض اجهزة السلطة الفلسطينية بعيدة عنها, وقد تمحضت تلك الهجمة عن توجيه ضربات متلاحقة الى كادرات فاعلة في البنية المقاتلة لكل من حركتي (حماس) و(الجهاد) في القطاع والضفة, كان بينها اغتيال يحيى عياش الموصوف بأنه مهندس العمليات العسكرية ضد اسرائيل داخل الارض المحتلة. ان تطورات كتلك, كانت بين عوامل ادت الى تثبيط همة اتجاه المعارضة, وتهميشه, هذا اذ لم نقل انه ضعيف وهامشي في الاصل, حيث فشل في لجم اية سياسات وممارسات للسلطة ليس على صعيد سياستها ازاء اسرائيل والتعاون معها, ولا في الحد من سياستها في تصعيد المواجهات مع اتجاه المقاومة المسلحة, بل انه فشل في معالجة الفساد الاداري والمالي الذي غرقت فيه السلطة الفلسطينية ورموزها, وكان الفساد محط انتقاد واسع امتد في الاوساط الفلسطينية والدولية, حيث نشرت مئات التقارير حول حيثياته وتفاصيله ورموزه, ولم تستطع المعارضة تحويل رموزه الى المحاسبة والمساءلة القانونية. وبطبيعة الحال, فان اتفاق واي بلانتيشن بما احتواه من جوانب سياسية ـ امنية, له تأثيرات مهمة على خارطة حضور الاتجاهات الثلاثة في الداخل الفلسطيني وعلى علاقاتها الراهنة والمستقبلية. اذ هو من حيث المبدأ يسجل تشاركا علنيا ونشطا بين اتجاه السلطة الفلسطينية واسرائيل في مواجهة اتجاه المقاومة المسلحة تحت اشراف, بل بمشاركة وكالة المخابرات المركزية الامريكية (CIA) التي ستكون لها مكاتب في الداخل الفلسطيني, وهذا يعني ان لها موظفين وعملاء وما الى ذلك. والحضور والمشاركة الاسرائيلية ــ الامريكية للسلطة في الداخل الفلسطيني, أخذ على عاتقه تفكيك البنية التحتية للمقاومة المسلحة الموصوفة من المتشاركين بـ (الارهاب) وضرب قواعدها من الخلايا, وقواعد الدعم والتمويل والتسليح, وكل ما يشكل سندا للمقاومة. وطبقا للاتفاق, فان هذا التوجه في تصفية اتجاه المقاومة المسلحة, لم يقتصر على الطابع الأمني ــ الاجرائي, بل شمل جانبا سياسيا هو الاهم, ويمثله الغاء بنود جوهرية في الميثاق الوطني الفلسطيني, ولا سيما ما يؤكد أحقية الفلسطينيين بفلسطين. لقد دخلت حيثيات اتفاق واي بلانتيشن حيز التنفيذ مباشرة, وكذلك اولى ثمرات التنفيذ فرض الاقامة علي الشيخ احمد ياسين زعيم حركة (حماس) وهو اجراء ترافق مع حملة اعتقالات لعدد من القيادات والكوادر المختلفة من حركتي (حماس) و(الجهاد) والمقربين منهم في قطاع غزة والضفة, وبدأت عمليات المطاردة لمطلوبين آخرين, وسط اجراءات للحد من حرية الصحافة, بفرض شروط عليها في حال نقل تصريحات معارضة ونشرها. وتمثل كل هذه التطورات تحولا جوهريا في اتجاهات الداخل الفلسطيني, بحيث انه من المطلوب انهاء اتجاه المقاومة المسلحة, والابقاء على اتجاهين فحسب, اتجاه السلطة, واتجاه المعارضة. ورغم ان ذلك سوف يقوي حضور السلطة ويعزز من قبضتها على الداخل الفلسطيني بفعل تصفية اتجاه يمثل في احد جوانبه (مستوى ما) من ازدواجية السلطة, فانه سوف يزيد من ضعفها ولا شعبيتها في الاوساط الفلسطينية, وسيعرضها الى المزيد من الانتقاد لسياساتها وعلاقاتها, وسيجعل منها قوة ضعيفة وبلا سند في التعامل والتفاوض مع الاسرائيليين والامريكيين وغيرهم. ومثلما تؤدي التطورات الى تضييق حيز وهامش حركة ومناورة اتجاه السلطة الفلسطينية, فان الامر سيكون على درجة مقاربة في وضع اتجاه المعارضة, وهي التي ستجد نفسها مباشرة في مواجهة السلطة بعد ان كانت تحتل المرتبة الثانية سوف تزداد في وقت لا تنتظر توسيع قاعدتها الشعبية, بسبب اضعاف, وربما تغييب اتجاه المعارضة المسلحة. غير ان الاهم من كل ما سيشهده الداخل الفلسطيني في بنيته, وتراتيبه الجديدة, هو المزيد من الغموض المستقبلي, حيث لا نتائج, الا ما اقترن منها بموضوع الامن, والادق ما اتصل منها بموضوع امن اسرائيل الذي تنصب جهود شركاء اتفاق واي بلانتيشن لتحقيقه, دون الاخذ بعين الاعتبار امكانية تحقيق انجازات ملموسة وواضحة بالنسبة للفلسطينيين, وهذا الغموض الذي يحيط بالفلسطينيين, لن يقتصر على فلسطين الداخل, بل هو بالاساس سمة من سمات الوضع الفلسطيني في الخارج والذي يتخبط في مستنقع ردات الفعل فحسب!

تعليقات

تعليقات