رؤية:تتوفر في الولايات المتحدة وتفتقر إليها أوروبا،الشروط الضرورية للتغلب على مشكلة البطالة،بقلم: لستر ثرو

يعتمد قدر كبير من النجاح اقتصاديا على القدرة على إقامة شركات جديدة ضخمة وتنميتها بسرعة, وإذا نظر أحدنا إلى الدول الغنية الصغيرة, فسيجد في كل منها شركة أو شركتين على الأقل من الشركات العملاقة, فمثل هذه الشركات ضرورية لتوفير فرص العمل ومهمة لإحداث النمو . وليس هناك من الناحية الاقتصادية سوى وسيلتين لتوفير فرص عمل أكثر: الأولى تقوم على زيادة معدلات النمو, والثانية ترتكز إلى خفض الأجور, وبالتالي التسبب في خفض لمستويات الانتاجية. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النظر إلى المستويات المرتفعة للبطالة في أوروبا وانخفاض معدلاتها في الولايات المتحدة. إننا لو افترضنا أن أوروبا الغربية أرادت تطبيق الأسلوب الأمريكي الذي يعطي كامل الحرية لأصحاب العمل لإنهاء عمل أي من الموظفين ـ من دون إنذار أو دفع مستحقات نهاية الخدمة أو حتى تقديم أي تبريرات. فإنه في اليوم الأول لتطبيق هذا النظام, سيتم فصل عدد كبير من العاملين بدول أوروبا الغربية على أساس أن الشركات تريد التخلص من العمالة الزائدة التي تثقل جداول الرواتب لديها, والتي كانت تحاول التخلص منها منذ فترة طويلة. لذا, من الواضح أنه على المدى القصير سترتفع نسب البطالة إلى مستويات أعلى كثيرا, وذلك إذا تم تطبيق المعايير الامريكية المرنة لسوق العمالة في دول أوروبا الغربية. كذلك فإنه إذا لم تقم البنوك المركزية الأوروبية (خاصة البوندزبنك الألماني) بتغيير مواقفها تجاه مدى سرعة نمو اقتصاداتها من دون حدوث تضخم (وهو ما لم تقدم عليه حتى مع بلوغ معدلات البطالة إلى 12% واختفاء التضخم تقريبا), ولم تبذل ما في وسعها لزيادة سرعة النمو, فإن البطالة ستظل مرتفعة كما هي. إن البطالة يمكن لها فقط أن تنخفض في ظل قوانين عمل مرنة, وذلك بأن تؤدي الوتيرة الشديدة للتنافس بين العاملين على الوظائف والناتجة عن ارتفاع نسبة البطالة إلى إحداث خفض في مستويات الرواتب. فالرواتب الأقل تدفع الأعمال إلى المجالات الانتاجية ذات رأس المال المنخفض والعمالة الكثيفة, وهي المجالات التي لا يمكن لها أن تنجح وتحقق أرباحا في ظل المعدلات الحالية للأجور. وهناك صورة أخرى من المرونة التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة فرص العمل المتاحة, فإذا أرادت أوروبا أن تنافس في مجال الصناعات الجديدة مثل صناعة الاليكترونيات الدقيقة, والتي تعاني أوروبا من التخلف الواضح فيها, فيجب أن تتوفر لها القدرة على تشكيل وتطوير شركات جديدة ضخمة من خلال استخدام التقنيات المستحدثة. وعند استعراضنا لقائمة أكبر 25 شركة في الولايات المتحدة على أساس الرسملة السوقية في العام ,1960 تم إعادة النظر لكن إلى قائمة الشركات الـ25 الأكبر في أمريكا منتصف العام الجاري, سنجد أن ثماني من هذه الشركات لم تكن موجودة أو كانت قائمة, ولكنها كانت صغيرة الحجم منذ 36 عاما. فشركتا إنتل ومايكروسوفت لم تكونا قائمتين في العام ,1960 بينما كانت شركة هيوليت باكارد لا يعمل بها سوى نحو ألف عامل. فإذا فعلنا الأمر نفسه مع أوروبا الغربية, فسنجد أن الشركات الـ25 الأكبر هذا العام كانت جميعها شركات ضخمة قبل 36 عاما. ويعني هذا أن أوروبا لم تتمكن من تنمية شركات جديدة ضخمة طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه نقطة مهمة للغاية, وذلك لأن الشركات الضخمة القديمة لا يعتبر أي منها تقريبا الرائد في مجال التقنيات المستحدثة الجديدة. إن على هذه الشركات ببساطة أن تعيد تفكيك نفسها وتحاول أن تستفيد بطرق جريئة وهجومية من الفرص الجديدة التي تظهر على السطح الآن. لنأخذ مثلا الترانزستور, لقد تم اختراعه على نحو مستقل في معامل شركة جنرال إليكتريك بعد فترة قصيرة من اختراعه أيضا في معامل شركة بل (شركة أيه تي أند تي حاليا). وكانت شركة جنرال اليكتريك تحتل موقعا مسيطرا ومستحوذا في مجال إنتاج الصمامات المفرغة, فقامت بتحويل خطط تطوير الترانزستور إلى قسم تطوير الصمامات المفرغة, والذي نحى مشروع تطوير الترانزستور لبعض الوقت. لكن الترانزستور نجح في ازاحة الصمامات المفرغة جانبا حتى أوقف إنتاجها. وبينما استطاعت جنرال اليكتريك أن تستمر في ممارسة نشاطها, إلا أنها لم تستطع إلى يومنا هذا أن تصبح لاعبا أساسيا في مجال صناعة أشباه الموصلات, هذا على الرغم من أنها تعد أكبر الشركات الامريكية حجما, ويصفها البعض بأنها أكثر الشركات نجاحا في الولايات المتحدة. ولا يقتصر الأمر على شركة جنرال اليكتريك. فالشركات الخمس الكبرى في مجال صناعة الصمامات المفرغة لم تستطع واحدة منها أن تتحول إلى شركة رائدة في حقل صناعة أشباه الموصلات. وإذا انتقلنا إلى العقود الأخيرة, فإن الشركات الدوائية الكبرى لم تستطع أن تحقق نجاحا بارزا في مجال التكنولوجيا الحيوية. وكان الحل الوحيد أمامها هو التكالب على شراء الشركات البارزة في مجال التكنولوجيا الحيوية, وذلك للمحافظة على حصصها في الأسواق. إن معظم الشركات الكبرى الجديدة في الولايات المتحدة هي شركات للتقنيات المتقدمة, وإذا سأل أحدنا عن السبب وراء تواجد مناطق مثل وادي السيلكون, فإن الإجابة يمكن أن نجدها في المعاهد التعليمية البارزة مثل بيركلي أند ستانفورد, هارفارد, معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا, كما نجدها في المؤسسات المصرفية التي أقدمت عن طيب خاطر على توفير الأموال اللازمة لتحويل الأفكار الجيدة والمبدعة إلى منتجات ناجحة, ولم تطلب في مقابل ذلك أصولا عينية كضمان. ونجدها أخيرا في المحيط الاجتماعي المناسب. دعونا نفترض أن مهندسا شابا ترك الشركة التي يعمل بها ليقيم مشروعا جديدا يشرف عليه بنفسه, ماذا يحدث عادة؟ هل ينظر إليه مسؤولو الشركة وأصحابها على أنه خائن, ويرفضون ما ينتجه لمجرد الالتزام بالمبدأ؟ إنهم إذا أقدموا على مثل هذه الفعلة, فقد يساعدون على إخفاق المشروع الجديد. فالمشروعات الجديدة عادة ما تبدأ ببيع المكونات المنتجة إلى الشركات القائمة ـ وغالبا ما تكون الشركات التي كانوا يعملون بها ـ ففي ظل صعوبة التعريف بالأسماء التجارية الجديدة, وتوفير التمويل اللازم للحملات الإعلانية, وكذلك صعوبة الحصول على منافذ توزيعية جيدة, فإن عددا قليلا للغاية من الشركات الجديدة يبدأ نشاطه بالبيع مباشرة للزبائن. ما الذي يحدث إذا ما فشل المشروع الجديد لمثل هؤلاء المغامرين؟ سينتشر الإخفاق بين غالبية المشروعات الجديدة, وستزداد الحاجة إلى فرص العمل التي لن تتوفر بسهولة. لكن هل سيعتبر أصحاب الأعمال الذين يحتمل أن تكون لديهم فرصة للعمل الإخفاق السابق له دليلا على خلل وميل للفشل ويرفضون بالتالي قبوله للعمل لديهم (كما يحدث في اليابان) أم أنهم لإدراكهم أن فشل المشروعات الجديدة لا يرجع غالبا لعيوب شخصية في مؤسسيها, وينظرون إليه بالتالي على أنه يمكن أن يكون عاملا جيدا ومجتهدا وأنه يملك الدافع والمبادرة, فيقومون بتوظيفه (كما يحدث في وادي السيلكون)؟ فإذا كان الاتجاه الأول هو الغالب, فإن قليلين سيحاولون إقامة مشروعات جديدة, وهو أمر بالغ الضرر. إن من يريد إقامة شركات ضخمة, لابد له من أن يوفر المناخ الاقتصادي الذي يساعد على نجاح هذه الشركات. وهو مناخ لا يتوفر في أوروبا, بينما تجده في أمريكا. العميد السابق لكلية سلون الامريكية للإدارة*

تعليقات

تعليقات