اتفاق(واي بلانتيشن)اشكالياته وتفاعلاته اسرائيليا، بقلم:ماجد كيالي

أثار اتفاق(واي بلانتيشن)اجواء مشحونة بالاضطراب في اسرائيل, فقد سارعت أوساط اليمين المتطرف: الديني والقومي, باتهام رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو, بالكذب والنفاق, لأنه تنصل من الوعود التي قطعها على نفسه امام ناخبيه بشأن دفن اتفاق(اوسلو), وعدم(منح)الفلسطينيين اراضي جديدة في الضفة الغربية , التي يطلقون عليها اسم (يهودا والسامرة) والتي يعتبرونها (ارض الميعاد) , التي وهبها الله ملكا خاصا لهم! وعليه فقد استحق نتانياهو منهم لقب الخائن, لتفريطه بـ (ارض اسرائيل) , ولجلبه الكارثة لشعبها!. وهذه الاجواء السائدة حاليا, تذكر بالاجواء التي سادت بعد توقيع رئيس الوزراء الاسرائيلي, الاسبق, اسحق رابين, اتفاق توسيع الحكم الذاتي مع الفلسطينيين, والتي ادت الى مصرعه, على يد شاب متطرف, قبل ثلاث سنوات, بعد ان اتهمته الاوساط المتطرفة بالخيانة وبجلب الكارثة على شعب اسرائيل. وقد صعدت الاوساط المتطرفة حملتها على بنيامين نتانياهو, منذ وجوده في الولايات المتحدة الامريكية, حيث انتقلت مجموعة من هؤلاء الى هناك, لتمارس ضغوطها عليه, مذكرة له بوعوده, ومحذرة اياه من التصرف بأرض اسرائيل!, او بوضع المستوطنات. وبموازاة ذلك سارع قادة المفدال ولوبي المستوطنين, وبعض الخامات ورؤساء بعض الاحزاب اليمينية المتطرفة, الى توجيه رسائل الى رئيس الوزراء مفادها انهم لا يثقون به ولا بوعوده, وانهم يبحثون عن زعيم اخر, وقد انطوى ذلك على تهديد بالعمل على اسقاط الحكومة. وبين الاسماء المتداولة كمرشحين محتملين من جانب اليمين لرئاسة الحكومة: اعضاء الكنيست: عوزي لانداو,بيني بيجين (من الليكود), وزعيم المفدال اسحق موردخاي. من جهة اليمين القومي المتطرف, نشطت التحركات في اوساط الليكود وحزبي تسوميت وموليدت, للعمل على وقف تنفيذ الاتفاق, ففي الاجتماع الموسع الذي عقده الليكود لناشطيه بعد عودة رئيس الوزراء من واشنطن, هاجم لانداو نتانياهو, لتوقيعه على الاتفاق, معتبرا اياه تهديدا لاسرائيل وتنازلا للفلسطينيين وشن بيجن حملة شعواء على الاتفاق متهما نتانياهو بأنه يقامر بمستقبل اسرائيل في كازينو عرفات وقد شهد هذا الاجتماع نقاشا حاميا القيت فيه اتهامات حادة بين مؤيدي الاتفاق وبين معارضيه. ولم يشفع لنتانياهو تعيينه ارييل شارون وزيرا للخارجية, واصطحابه للمشاركة في المفاوضات فضلا عن تسليمه اياه ملف التفاوض على المرحلة النهائية مع الفلسطينيين, في طمأنة الاتجاهات المتطرفة وتخفيف غلوائها. ورغم ذلك ما من شك في ان وجود شارون في قلب المفاوضات غير المعادلات واضعف الى حد ما الاتجاهات المتطرفة, وفي هذا الامر لعب نتانياهو ورقة رابحة. ولم تقف الامور عند هذا الحد, فثمة احتمال ان يؤدي تطبيق هذا الاتفاق الى تغيير ما في الخارطة السياسية الاسرائيلية, حيث تنشط الجهود, في هذه الفترة, لايجاد حزب يميني جديد, يضم عددا من نشيطي الاحزاب اليمينية وبحسب (هآرتس) (29/10/98) اجرى رؤساء حركة تكومت (النهضة) اتصالات لتشكيل هذا الحزب لخوض الانتخابات, مع اعضاء كنيست من احزاب اليمين الذي يعارضون اتفاقية واي بلانتيشن. وحسب الخطة فان الحزب الجديد سيتشكل من اعضاء كنيست سينشقون عن الليكود والمفدال اذا قرر الحزب الاخير البقاء في الحكومة وسينضم الى هذا الحزب عضوا كنيست من سموليدات) وميخائيل كلاينر من (جيشر) وقال احد زعماء الحركة, بأن استطلاعات الرأي تظهر ان هناك 20 ــ 25% من عموم الجمهور في اسرائيل يعارض الاتفاق, وهذا يعني 25 مقعدا في الكنيست ويجب توحيد كل اولئك المعارضين للاتفاق لتشكيل بديل عن الليكود. اما على صعيد الاتجاهات الدينية المتطرفة, فقد صدر عن بعض الحاخامات فتوى تقول بأن كل اتفاق يعقده ممثلون عن الشعب الاسرائيلي يتناقض مع توراة اسرائيل لا يحمل اي صلاحية ولا ينطوي على اي التزام لتنفيذه وقد تباحث حاخامات آخرون في قضايا شرعية تتعلق بالاتفاق مع الفلسطينيين وافتى بعضهم بأن لا صلاحية لأي جهة في التفاوض مع الاغيار (غير اليهود) بشأن ملكية اراضي اسرائيل وكل مساعدة لعملية التسليم هذه تنطوي على مساعدة في سفك الدماء في اسرائيل وعقد حاخامات كبار آخرون اجتماعا دعوا فيه الى استقالة نتانياهو فورا ووضع مرشح بديل. (يديعوت آحرونوت 29/10/98) . وفي ذات الاطار اشارت صحيفة معاريف يوم 29/10 الى امكانية استعادة التحالف التاريخي بين حزبي العمل والمفدال حيث اعلن عضو الكنيست نيسان سلومينسكي وهو من صقور المفدال: ان المفدال يقف على مفترق طرق وان جميع الخيارات مفتوحة والمهمة الآن هي تقليص الانقسام في صفوف الشعب وعضو الكنيست ايهود باراك (زعيم حزب العمل) من ناحيتنا هو بالتأكيد خيار محتمل كمرشح لرئاسة الحكومة) وقد عقد لهذا الغرض عدة لقاءات بين مسؤولين من الحزبين لتنسيق خطواتهما لاسقاط الحكومة ولعقد تحالف مشترك للانتخابات المقبلة. وقد قامت القوى المتطرفة بتدعيم تحركها السياسي على الارض من خلال تنظيمها مسيرات حاشدة, تندب (التنازلات) الاسرائيلية وتطالب باسقاط نتانياهو ولم تقف الامور عند هذا الحد فقد قامت هذه القوى بتنظيم اعمال استيطانية في القدس وفي عدد من المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية, في محاولة منها لتصعيد الصراع واحراج نتانياهو وايضا محاولة منها لاسقاط الاتفاق. اما المعارضة (اليسارية) فقد بدت حائرة ومترددة تجاه الخطوة التي يجب القيام بها حيث اتفقت على تشكيل شبكة امان تحول دون اسقاط الحكومة على خلفية الاتفاق, مؤكدة دعمها للسلام مع الفلسطينيين ومتهمة نتانياهو بأنه ضيع كثيرا من الوقت وعرض صورة اسرائيل للخطر, وهاهو يكتشف متأخرا ان ليس هناك بديل عن اتفاق اوسلو. وبالطبع فإن المعارضة فرقت بين دعمها لنتانياهو وحكومته في موضوع الاتفاق وبين الالتزام بعدم القيام بخطوات تؤدي الى اسقاط الحكومة في مواضيع اخرى, المهم ان هذا الاتفاق الذي وقعته الحكومة اليمينية, اربك الحياة السياسية في اسرائيل ففي هذه المرة تأتي الموافقة على انسحاب اسرائيل من ارض فلسطينية, وفق اتفاق عقده اليمين الاسرائيلي, ممثلا بنتانياهو وشارون ومردخاي, وهذا يحمل في طياته الى حد ما كسرا للعقيدة الاسرائيلية بمعنى ان المسألة هنا لاتتعلق بحجم الاراضي التي سيجري تسليمها للفلسطينيين وانما هي مسألة مبدئية ومغزى هذا الموضوع ان اليمين الاسرائيلي مثله مثل اليسار الاسرائيلي برغماتي بطبيعته بمعنى انه يضطر للتعامل مع الوقائع السياسية وان على طريقته برغم تبجحه بالتصلب الايدلوجي وهو علماني لايقيم وزنا كبيرا للدعاوى الدينية الاسطورية, الابقدر ما يسخرها لاغراضه المتطرفة, ومن جهة ثانية فإن ماحصل يؤشر الى احتمال تغيير الخارطة السياسية, والمعادلات والتحالفات الحزبية في اسرائيل فبين كل هذه التداعيات تصاعدت الدعوات لتشكيل حكومة وحدة وطنية, والتحالف مع حزب العمل, للتخلص من ضغط غلاة المتطرفين, هذا الى جانب الدعوات لتقريب موعد الانتخابات, لايجاد مخرج مناسب في حال لم يتم التوافق على حكومة وحدة وطنية. من جهته علق بنيامين نتانياهو على تهديدات اليمين باسقاط حكومته قائلا: انني لا اقبل تهديدات من احد, لا من هذه الجهة ولا من تلك) وحذر نتانياهو الاوساط المتطرفة بأن الخيار بينه وبين من يريد تسليم 90% من الاراضي للفلسطينيين (في اشارة لحزب العمل) وانه جلب افضل اتفاق لاسرائيل من النواحي الامنية, ومن ناحية تخفيض مساحة الانتشار. اما عن شبكة الامان المؤقتة التي اقترحتها له احزاب المعارضة اليسارية, فلم يأخذها على محمل الجد, يقول المحلل عكيفا الدار: (نتانياهو الذي لا يثق بزملائه في الليكود, ليس مستعدا للمراهنة على تأييد (اليساريين) من حزب العمل وميرتس,) . هآرتس 25/10. وعليه فإن جميع خيارات نتانياهو صعبة, فثمة تصعيد في اللهجة ضده, والتحريض ليس مجرد صيحات في الهواء فقد ادى الى اغتيال رابين, في المرة الماضية, ولذلك اتخذت احتياطات امنية لعدم تكرار ما حدث. وثمة توجهات لمنع التحريض. وفي هذا الصدد ينوي الحاخامان الاكبران السابقان لاسرائيل, ابراهام شابيرا ومردخاي الياهو نشر فتوى دينية تحظر على الجمهور التحريض واطلاق صفات مثل (خائن) تجاه رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو وآخرين, يديعوت احرونوت 29/10/98 بكل الاحوال, فإن نتانياهو يقف اليوم في محاولته تأجيل التطبيق وغض النظر عن نشاطات المستوطنين, انما يحاول اعادة تلميع صورته, واظهار نفسه بمظهر الثابت على المبادىء, في اطار سياسته المعروفة, باللعب على التناقضات بين الاحزاب الاسرائيلية وتهديد اليسار باليمين, وبالعكس, مستفيدا من ميزة محدودة, فإما حل الكنيست وتقديم موعد الانتخابات, واما حكومة وحدة وطنية, في حال لم تنجح محاولات نتانياهو الابتزازية والترغيبية لأطراف ائتلافه الحكومي, وهذا الخيار له الأولوية على غيره. من كل ما تقدم تبرز اسرائيل باعتبارها العائق الرئيس لعملية التسوية, فحتى هذه التسوية المجحفة التي تجري في ظل الخلل الفادح في موازين القوى لصالحها, والتي تجري في اطار ضمان الولايات المتحدة لأمنها ولتفوقها النوعي, تجد معارضة واسعة لها في اسرائيل, وهي ادت الى اغتيال رئيس وزرائها الأسبق. وهذا يعني ان اسرائيل غير ناضجة لعملية التسوية, وان كل المحاولات الاسرائيلية, انما اضطرت اسرائيل لخوضها للتكيف مع التطورات الدولية والاقليمية, ولمسايرة السياسات الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. وهذا يدلل على ان التسوية, الجارية هي بمعنى ما معادلة سياسة داخلية بين التيارات الاسرائيلية, تتعلق بخدمة مصالح اسرائيل وسبل تطورها وأولوياتها الاستراتيجية. التسوية بالنسبة للاسرائيليين تسوية بينهم لا علاقة للآخرين (الأغيار) بها. هذا هو مفهوم اسرائيل للسلام, ولكن هذه التناقضات الاسرائيلية, التي عززت منها عملية التسوية, وعلى علاتها, ما كانت لتكون بهذه الحدة لولا شعور الاسرائيليين بمأزق وجودهم وعلاقاتهم ووظيفتهم في المنطقة, الذي ساهم في تفاقمه صمود الفلسطينيين في وطنهم ونضالهم من أجل حقوقهم, كما ساهم فيه الموقف العربي الذي يقاوم الاملاءات الاسرائيلية على مختلف الأصعدة.

تعليقات

تعليقات